وبعد فكيف يستبعد صدور ذلك عن أبي بكر وعمر ومن أعانهما على أمرهما مع أنهم قد اعتقدوا صحة إمامتهم ووجوب طاعتهم وقد صدر ما هو أعظم منه وأجل خطباً وأكبر إثماً ممن هو أولى بأن يستبعد ذلك منه، وهو خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة بعد البيعة والعهود الشديدة، فقدَّموها في جم غفير من الأجناد التي جمعوها من الغوغاء وأهل العمى في البصيرة فقتلوا نيفاً وثلاثين رجلاً من أهل البصرة، ومن الجند الذين فيها مع عاملها من طرف أمير المؤمنين غدراً في الليل إلى مضاجعهم فقتلوهم وأسروا العامل عثمان بن حنيف رضي الله عنه وحلقوا لحيته بعد العهود والمواثيق بينهم على دخولهم البصرة في مواضع ومنازل مخصوصة إلى عند أن يعود جواب أمير المؤمنين عليه السلام من المدينة المنورة ثم أحدثوا ما أحدثوا من الغدر، واستولوا على البصرة وما حولها وجمعوا الجموع العظيمة لقتال الوصي عليه السلام ، وكان ما كان من وقعة الجمل التي ليس فيها مناكر ولا مدافع، وأفضى الأمر إلى أن قتل من الفريقين ما ينيف على ثلاثين ألفاً، مع أن عائشة بمكان أعظم من مكان أبي بكر وعمر في العلم والفضل والمعرفة بما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحذير الفتن، وما قاله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومع أن طلحة والزبير كانا من أشد الناس ميلاً إلى علي عليه السلام يوم السقيفة ومع ذلك فلم يكونوا يدعون إمامة عظمى يستحلون دم من خالفهم فيها، وإنما مرامهم التولي والترؤس فتوصلوا إلى ذلك بأن مرامهم الطلب بدم عثمان على أنهم أعني هؤلاء الثلاثة عائشة وطلحة والزبير من أشد الناس تأليباً على عثمان ومحاصرته حتى قتل، ولما وصلوا إلى البصرة قالوا لهم: ما أتى بكم إلينا؟ قالوا: للطلب بدم عثمان لديكم فاطلبوه، فلا نعلم من قتلته أو كما قال، ثم صار بينهم الصلح على النزول في البصرة الكُلُّ آمن بأمان الله تعالى بعد العهود(1/856)
على ذلك، وكتبوا لأمير المؤمنين عليه السلام كتاباً بصفة ما قد وقع، فبينما هم منتظرون الجواب إذ فعلوا ما فعلوا من تلك الحوادث العظيمة والأفاعيل الكبيرة الأثيمة، فلا يستبعد صدور ذلك من أبي بكر وعمر، وليس الاستبعاد بمعتبر في المدافعة عنهما، وإنما الذي ينبغي أن يقوله أُولوا العلم الذين ائتمنهم الله على دينه أن هذه أخبار آحادية، فإن كان المراد منها القدح في دعوى الإجماع وصدور رضا من تأخر ولم يحضر السقيفة فهي كافية في القدح إذ يصير الإجماع والرضا غير معلومين مع روايتها، وإن كان المراد منها تفريع المعاداة والبراءة منهما عليها فلا يصح إذ لا يجوز ذلك إلا مع العلم بصدور كبيرة منهما والآحاد لا تفيد العلم، فإن فرض تواترها قيل: فلا قاطع بالوعيد بالقتل كبيرة وإنما دل الدليل القاطع على أن قتل المؤمن كبيرة وبغي عليه وإن لم يقع قتل معه، وخروج عمر ومن معه متوجهين إلى دار علي عليه السلام لتحرق بمن فيها إن لم يخرج للبيعة بغي عليه وخروج كالخروج على سائر الأئمة الهادين، قيل فيه: لم يتواتر ذلك لأنه آحادي في حق من قصر في البحث أو بحث ولم يبلغ النقل عنده حد التواتر.(1/857)
هذا وقد ذكر الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام جميع ما نقلناه عن ابن قتيبة في كتابه الشافي عن أبي جعفر الطبري عن هشام بن محمد عن أبي مخنف قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي عمرة الأنصاري ولم يختلفا إلا في بعض العبارات، وذكر المنصور بالله الحسن بن بدر الدين عليه السلام عن ابن جرير قال على اجتهاده في تحسين الظن بالقوم قصة التنازع في السقيفة وامتناع سعد بن عبادة عن البيعة بعدها على نحو ما نقلناه عن ابن قتيبة، فلا حاجة لنا إلى إعادة ذلك، وذكر المنصور بالله عليه السلام عن تاريخ الطبري وعن الواقدي والمسعودي وابن واضح والقضاعي والأصفهاني، وذكر ذلك ابن هشام عن ابن إسحاق في آخر السيرة، وذكره المنصور بالله الحسن بن بدر الدين عليه السلام وابن أبي الحديد عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وذكره ابن حجر الهيثمي في صواعقه عن البخاري عن عمر بن الخطاب لما رجع من حجة أيام خلافته رقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغه أن قائلاً قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر لذلك وكان ذلك بمنى في حجه ذلك العام، فأراد أن يقوم في الناس خطيباً يحذرهم عن صدور بيعة رجل لرجل من دون رضا سائر الناس وإن كانت بيعة أبي بكر كذلك فليس في الناس من هو مثل أبي بكر. فقال عمر: إني قائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم الذين يغربون من مجلسك ويغلبون عليه، وإني أخاف أن تقوم فتقول مقالة يطار عنك بها كل مطير وأن لا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكناً فيعي أهل العلم مقالتك ويضعوها على مواضعها، فقال: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول(1/858)
مقام أقومه بالمدينة.
فلما قدم المدينة رقى المنبر وخطب إلى أن قال: ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، قال ابن أبي الحديد: القائل هو عمار يقول: لو قد مات عمر بايعت علياً عليه السلام ذكر ذلك عن الجاحظ، فلا يغرن امرء أن يقول كانت بيعة أبي بكر فلتة، فلقد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان من خيرنا يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين ولا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة عليها السلام، وتخلف عنا الأنصار واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نحوهم فلفينا رجلان من الأنصار قد شهدا بدراً أحدهما عويم بن ساعدة والثاني معن بن عدي فقالا لنا: ارجعوا فاقضوا أمر نبيكم، وفي أنوار اليقين عن ابن جرير فاقضوا أمر نبيكم، فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، قلت: ما له؟ قالوا: به وعك، فقام رجل منهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا قد دفت إلينا دافة من قومكم فإذا أنتم تريدون تغصبونا الأمر فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر فلما ذهبت أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه إلى قوله: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح والله ما كرهت من كلامه غيرها إن كنت أقدم فتضرب عنقي لا تقلبني إلى إثم أحب إلي من أن أُأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى أبو بكر كلامه قام رجل من الأنصار قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرحب(1/859)
منا أمير ومنكم أمير، وارتفعت الأصوات واللغط، فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك لأبايعك فبسط يده فبايعته وبايعه الناس، ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائلهم: قتلتم سعداً، فقلت: اقتلوه قتله الله وإنا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من بيعة أبي بكر خشيت إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون فساد، قال ابن أبي الحديد: هذا حديث متفق عليه بين أهل السيرة، وقد وردت الروايات فيه بزيادات ذكرها لا حاجة بنا إليها.
قلت وبالله التوفيق: تأمل أيها الطالب الرشاد وفقك الله تعالى وإيانا هذا الكلام الذي جعله أهل الاعتزال وغيرهم من فرق الضلال أصلاً من أصول دينهم، وحجة على ثبوت يقينهم التي يجب المصير فيها إلى العلم القطعي والدليل الصحيح السمعي لأن مسألة الإمامة من مسائل أصول الدين التي يجب المصير فيها إلى العلم ولا يكفي فيها الظن، لأن الظن في باب الاعتقادات الدينية والمسائل الأصولية لا يجدي نفعاً ولا يزيد المكلف من الله إلا قطعاً وقد قال تعالى: ?وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًاoفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَاoذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى?{النجم:30،29،28}.
كيف تم صرف الأمر عن أهل البيت عليهم السلام وبطلان إمامة المتقدمين عليهم(1/860)