سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت وأحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المتطلع لأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً، فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.
قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا ابنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: فكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه، فقالت فاطمة عليها السلام: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.(1/846)


قلت: تأمل أيها المنصف، وتنكر أيها المستوصف، وتدبر أيها العارف أكان للقوم حجة على أمير المؤمنين بها يستوجبون عليه البيعة لهم ؟ أم الأمر بالعكس حيث أنهم إنما أخذوا الأمر بالأمس في السقيفة على الأنصار بكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس من الأنصار وإنما هو من المهاجرين حيث قال عمر: ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة، وكذلك قول أبي بكر: إن المهاجرين أولى بالأمر من الأنصار لكونهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم.(1/847)


وبهذا يعلم أنه لا حجة لأبي بكر وعمر على الأنصار سوى القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقال لهما: فهل أنتما أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علي عليه السلام وسائر بني هاشم حتى يسوغ لكم أن تطلبوهم البيعة لكم وتحملوا الناس عليها طوعاً أو كرهاً أم هو أقرب إليه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فالأمر بالعكس ولا ينازعه ذلك إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ولا ينازعهم فيه إلا ظالم، ثم أن أمير المؤمنين عليه السلام قد صرح في كلامه هذا بقوله: أنا أحق بهذا الأمر منكم. وقوله: لأنا أهل البيت وأحق بهذا الأمر منكم لكونه أقرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أخذهم الأمر لنفوسهم من أهل البيت عليهم السلام غصباً وإن آله أولى به صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، وطلب منهم النصفة إن كانوا مؤمنين، وقال: وإن لا وهو يحتمل أن يكون المعنى وأن لا تكونوا مؤمنين، ويحتمل أن يكون المعنى وإن لا تنصفونا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون، وهذا لا يجوز ولا ينبغي صدوره من أمير المؤمنين عليه السلام ولا من غيره من سائر المسلمين أن يقوله إن كان مطلب أبي بكر وعمر حقاً ومسعاهما خيراً.
لا يقال: إن الأمر في شأن قيامه هو خشية أن يبايع الأنصار أو ارتداد الناس لو بويع لعلي عليه السلام كما هو من أجوبة من ذهب إلى تصحيح إمامة المتقدمين.(1/848)


لأنا نقول: إن الأنصار قد أزيحوا عنها وأزلجوا يوم السقيفة فأمن ضرهم بمبايعة من بايع منهم وانكسار أمر من لم يبايع منهم بسبب الاختلاف بينهم، فلو كان مسعى أبي بكر وعمر خيراً لكان الواجب عليهما بعد ذلك الرجوع إلى إنصاف أمير المؤمنين عليه السلام بتسليم الأمر له بالحجة التي احتجا بها على الأنصار وبما قد سمعا فيه من النصوص من الله ورسوله القاضية بوجوب تقديمه وتفضيله عليهما وعلى كل مؤمن ومؤمنة، فأما ارتداد الناس لو بويع لعلي عليه السلام فأمر يحتاج إلى وحي، ولأنه إن أريد ارتداد الناس أجمعهم ولم يبق مبايع يفرض تعلق ردتهم ببيعته، وإن أريد بعضهم فكان الواجب على البعض الآخرين التشاور فيما بينهم كما أمرهم الله بقوله: ?وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ?{الشورى:38}، وعدم الاختلاف والتنازع والمبادرة إلى أخذ الأمر فلتة وخلسة والنظر والبحث واجتماعهم على الكلمة، وأن يقول أبو بكر وعمر لو كان مسعاهما خيراً أو صلاحاً للإسلام والمسلمين أنا قد كفانا الله شر البيعة للأنصار بما احتججنا عليهم بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذنا عليهم البيعة فصاروا في أيدينا ونحن في دين الله إخوانا وعلى من ناوء الإسلام أعواناً ولن تجتمع كلمة المسلمين إلا بإمام اختاره الله ورسوله ونص عليه، أو يختاره الصلحاء والعلماء وأهل الحل والعقد بلا تناكر لكن إذا اخترنا علياً وبايعناه عن أمر الله ورسوله وعن اختيار من المسلمين سينفر عنه بعض المسلمين ويرتدوا على أعقابهم، فماذا ترون أيها الإخوان في الله، فإنا لا نريد الأمر لنفوسنا من دون مشورة وإنما أخذنا الأمر من الأنصار لئلا لا تنشق العصا وقد كفانا الله أمرهم وصارت كلمتنا وكلمتهم واحدة، ثم إن هذه الجملة التي سيقت آنفاً قد أفادت أن عمر قال لعلي عليه السلام : إنك لست متروكاً حتى تبايع. وهذا نوع من التهديد والتوعد إن لم يبايعه عليه السلام ، فأجابه علي عليه السلام مقسماً(1/849)


بالله أنه لا يقبل قوله ولا يبايع لأبي بكر وكانت منه عليه السلام تلك المحاججة وفيها بلاغ وهدى لقوم يوقنون، ثم انصرف عليه السلام من ذلك الموقف ولم يبايع، وذهب إلى مجالس الأنصار يطلبهم النصرة هو والزهراء عليهما السلام كما ذكر في هذه الرواية والله أعلم بالحقيقة، وسواء فرضنا وقوعها أم لا فلم يكن قد وقع منه بيعة بمقتضى هذا، ولكن ليتأمل المتأمل ويتوسم المتوسم ويتفهم المتفهم كيف أن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مصابون ومشغولون بأشرف ميت وأفضل مجهز إلى حفرته، والقوم همهم ونهمتهم المبادرة إلى سلبهم ما هو حق ميتهم، وكيف وموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصاب كل مؤمن وحزن كل موقن، أما كان الواجب على أبي بكر وعمر وغيرهما من سائر المؤمنين الحضور إلى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لموانستهم وتعزيتهم ومعاونتهم على تجهيز ميتهم وتسكين روعتهم ؟ فإن لم يكن واجباً فمن باب الأولى والتعرض للثواب الجزيل بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وموانسة أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لكل نفس مأرب ومطلب وإلى الله المصير والمنقلب.
كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام لأبي بكر(1/850)

170 / 311
ع
En
A+
A-