إذا تقرر هذا فنقول: لا يخلو الأنصار الذين حضروا السقيفة مع سعد بن عبادة والثلاثة المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومن فرض حضوره معهم من المهاجرين، إما أن يكونوا قد عرفوا جميعهم لزوم تلك الأسئلة للحادثة المذكورة وأجوبتها الصحيحة الشرعية فكيف اختلفوا؟ وإما أن يكونوا غير عارفين بها ولا بأجوبتها أو البعض عارف والبعض جاهل ففرض العارف الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفرض الجاهل سؤال أهل الذكر فأيهم عمل بذلك، فلا بد أن الله تعالى قد بين لأهل الذكر حكم هذه الحادثة فيما يتعلق بها من تلك الأسئلة وغيرها لقوله تعالى: ?أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي?، ولا بد أن الله تعالى قد نصب لهم ما يرجعون إليه عند اختلافهم في ذلك لقوله تعالى: ?وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ?{الشورى:10}، - أي إلى كتاب الله، ولا بد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين لهم حكم تلك الحادثة، ولا بد أيضاً أن الله تعالى ورسوله قد بين لهم ونصب ولاة أمر يرجعون إليهم في تلك الحادثة وغيرها لقوله تعالى: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ?{النساء:83}، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة إلا دللتكم عليه، ولا تركت شيئاً يبعدكم عن النار إلا دللتكم عليه ".
فانظر رحمك الله وإيانا ووفقك وإيانا أي مركز تضع أهل السقيفة فيه ليظهر لك ما تفرع عليه.(1/841)


غير أنا نقول وبالله التوفيق: قد مر أن من جملة تلك السؤالات أن ذلك العقد الواقع في السقيفة هل قد لزم صحة إمامة أبي بكر بمجرد وقوعه فلزم سائر الأمة طاعته وحل له قتال من خالفه ولو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ابنته أو ولديه وسائر أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لا حكم له حتى يبايع سائر الأمة طوعاً أو كرهاً ؟
فإن قيل: نعم قد لزم.
قلنا: فهلم الدلالة؟
وإن قيل: هو متوقف على حصول عقد سائر الأمة الموجودين في ذلك العصر طوعاً أو كرهاً.
قلنا: فهلم الدلالة وبين الوقوع على أيهما أردت؟
وإن قيل: لا يلزم إلا إذا بايع سائر الأمة من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم أو أجازوا عقد السقيفة ورضوا به مختارين غير مكرهين ولا ملجئين بلا تهديد ولا وعيد لمن تخلف عنه.
قلنا: فلنعد إلى النظر معاً ونتأمل جميعاً كيف كان الحال وما تعقب بعد يوم السقيفة وبالله التوفيق.
وقد استغنينا في النقل عما وقع في السقيفة بما ذكرناه عن ابن قتيبة إذ لم يختلف الناس أن الواقع فيها هو ما ذكر أو نحوه، وإن فرضنا أن في روايات أخر زيادة مبايع فيها سوى من مر ذكره أو زيادة على ما مر من ذلك القول، فأمر لا يتعلق به مزيد فائدة بعد توقف النتيجة على العلم بما آل الأمر إليه بعد يوم السقيفة.(1/842)


قال ابن قتيبة بعد أن حكى امتناع سعد بن عبادة ومن معه من الخزرج عن البيعة وازدحام الناس عليها حتى كادوا يطؤون سعداً: فقال سعد: قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله! فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وتُرك أياماً، ما لفظه ثم بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبَايَع قومك. فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي. فلما أتي بذلك أبو بكر من قوله قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم قيسبن سعد أنه قد أبى ولح وليس يبايعك حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وعشيرته، ولا تقتلوهم حتى تقتل الخزرج ولا تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمراً قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام ومات بها ولم يبايع لأحد.
قلت: فقد رأيت أيها المنصف أنها انقضت خلافة أبي بكر ومات ولم يحصل الإجماع على بيعته فيما عدا هذه الرواية أنه قتل في الشام غيلة وأن سبب ذلك عدم المبايعة منه لأبي بكر وعمر كما هو المشهور، وكما قال بعض الأنصار مجيباً على قولهم: إن سبب قتله أنه بال قائماً فقتله الجن:
يقولون سعداً شقت الجنُّ بطنَه .... ألا ربما حققت أمرَك بالعذرِ
فما ذنب سعد أنه بالَ قائماً .... ولكن سعداً لم يبايع أبا بكرِ
لئن زَهِدَتْ عن فتنةِ المالِ أَنفسٌ .... لما زَهِدَتْ عن فتنة النهي والأمرِ(1/843)


قال وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ومعهم الزبير بن العوام وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب وإنما كان يعد نفسه من بني هاشم، وكان علي كرم الله وجه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا، وأما علي عليه السلام والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا ومعهم الزبير بن العوام إلى رحالهم، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أَشْيَم فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر فأبوا فخرج الزبير بن العوام بالسيف، فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه، فوثب عليه سلمة بن أشيم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، فانطلقوا به فبايع وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا.(1/844)


قلت: فقد رأيت أيها المنصف كيف كانت بيعة الزبير وأنها على سبيل الإكراه بعد أخذ سيفه كرهاً وضرب به الجدار حتى انكسر كما في كثير من الروايات الصحيحة، وقوله: وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا. على فرض وقوع البيعة منهم فهي على الصفة المذكورة من ذهاب عمر بتلك العصابة إليهم وإخراجهم وسوقهم للبيعة بعد ما رأوا ما فعل بالزبير، فأين الرضا والاختيار منهم للبيعة كما هو المشروط في المسألة؟ ثم قال ابن قتيبة مترجماً للبحث ما لفظه: إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر، ثم أن علياً عليه السلام وكرم الله وجهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأخذوه منا أهل البيت غصباً! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، فإذاً احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، فأنصوفنا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون، فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي عليه السلام : إحلب حلباً لك شطره وشد له اليوم ليرده عليك غداً، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالاً واستطلاعاً له، فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك وعلمك ودينك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك، فقال علي كرم الله وجه: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا(1/845)

169 / 311
ع
En
A+
A-