ثم حكى مقالاً لأبي بكر نحو ما مر إلى قوله: فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ولن نجير على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولوا العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وتقطعوا أموركم أنتم أهل الإيواء وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم والله ما عبد الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم فأنتم أعظم الناس نصيباً، وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير.
فقام عمر فقال: هيهات سَيْفَان في غمد واحد لا يصلحان والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعها سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.
فقام الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فاجلوهم عن بلادكم وولوا عليهم وعليكم من أردتم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنه دان لهذا الأمر من لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جَذَعة، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف.
قال عمر: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنهاني عنه فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبداً.(1/836)


ثم قام أبو عبيدة فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى، فلا تكونوا أول من يبدل ويغير، ثم حكى مقالة لقيس بن سعد الأنصاري تتضمن تزهيد الأنصار عن طلب هذا الأمر وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رجل من قريش وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه، وذكر أنه قال ذلك لما رأى ما اتفق عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة حسداً لسعد وكان قيس من سادات الخزرج.
ثم حكى مقالة لأبي بكر: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة بن الجراح وعمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا إلى قوله: ابسط يدك أبايعك، فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه قيس الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر يا بشير بن سعد عاقك عائق ما اضطرك إلى ما صنعت حسدت ابن عمك على الإمارة، قال: لا والله ولكني كرهت أن أحسد قوماً حقاً لهم، فلما رأت الأوس ما صنع قيس بن سعد وهو من سادات الخزرج وما دعوا إليه المهاجرين من قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسد بن حضير: لئن وليتموها عليكم سعداً مرة واحدةً لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم نصيباً فيها فقوموا إليه فبايعوه، فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء، قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب ؟ قال: ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.
قلت وبالله التوفيق: ينبغي هاهنا أن نوقف مطية السير في نقل الكلام ويعمل محك النظر فيما قد برز من هذا الخصام:(1/837)


أولاً: حضور الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة هم وسعد بن عبادة الخزرجي وإرادتهم توليته الأمر هل ذلك جائز لهم عقلاً أو شرعاً أو لا ؟ وهل مرادهم أن يولوه تولية عامة في جميع ما أمره إلى الأئمة من الحدود وأخذ الزكوات والجهاد والفيء ونصب الحكام وغير ذلك، أو مجرد نصبه رئيساً عليهم فيما يتعلق بمصالحهم الدنيوية فينتصب عنهم في الحضور لدى الأئمة وفي المواقف المهمة ينظر ما يجلب لهم المصالح ويدفع عنهم النقائص والمفاسد ؟ سل فلعل هذا المبحث مما يتفرع على معرفته معرفة المحق من المبطل من الطالب أو المطلوب.
ثانياً: وصول أبي بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح هؤلاء الثلاثة لا خلاف ولا ريب في حضورهم من المهاجرين ولم يشتهر حضور غيرهم من المهاجرين، وقد ذكر في بعض كتب بعض أصحابنا أن لا غيرهم ولكن سواء فرضنا حضور غيرهم أم لا مع العلم بعدم حضور أمير المؤمنين عليه السلام وسائر بني هاشم ومن انضاف إليهم في ابتداء الأمر كطلحة والزبير وغيرهما من المهاجرين.
فيقال: حضور هؤلاء الثلاثة إلى السقيفة بعدما بلغهم ما بلغ من اجتماع الأنصار لتولية سعد أو غيره هل لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو لمجرد أمر دنيوي من دفع مضرة في تولي غيرهم عليهم أوجلب منفعة في توليهم الأمر بنفوسهم ؟ سل ولعل جواب هذا السؤال متوقف على معرفة جواب ما قبله.
ثالثاً: قد وقع العقد والاختيار لأبي بكر في السقيفة من عمر بن الخطاب وأبي عبيدة وسبقهما به من الأنصار بشير بن سعد على المشهور أو قيس بن سعد على الرواية التي مرت عن ابن قتيبة وهي أول بيعة، وذلك على حسب ما اتفقت عليه الروايات من إنكار الحباب بن المنذر بن الحباب كما في سائر الروايات، ومع امتناع سعد بن عبادة وولده قيس بن سعد ومن معهما من الخزرج.(1/838)


فيقال: هل قد ثبت لهذا العقد حكم شرعي وثبتت به إمامة أبي بكر أم لا حتى يبايع سائر المسلمين أو يرضونه بلا إنكار أم لا يثبت له حكم البتة، ولو فرض مبايعة سائر المسلمين أو رضاهم به أجمع أكتع؟ سل ولعل الجواب على هذا السؤال متوقف على معرفة جواب ما قبله.
إذا عرفت ذلك وتأملته علمت لزوم هذه الثلاثة الأسئلة لهذه الحادثة لزوم السؤال عن المولود أذكر أم أثنى وعن ورثة الميت في حق من يتعلق بمعرفة الجواب عن ذلك به فعل أو ترك ليمكنه اجراء العمل في ذلك طبق اللازم شرعاً دون من لا يتعلق به فعل أو ترك فلا يلزم السؤال ولا معرفة الجواب إذ لا وجه للزومه عليه، وإلا لزم في كل مولود وكل ميت على كل مكلف وهذا باطل، بل مستحيل ما لم يبلغ التكليف أن فلاناً المتولي على المولود أو فلاناً المتولي على تركة الميت أو لقسمتها بين الورثة عمل في ذلك بخلاف ما أنزل الله وجب عليه البحث على صحة ما قيل حتى يثبت له أخذ الأمرين إما الثبوت لما قيل، فيجب عليه النهي عن ذلك المنكر والأمر بضده وهو المعروف الواجب اللازم في المعاملة والموالاة لمن ثبتت له براءته عما قيل فيه أو توبته إن صحا عنه، والمعاداة لمن ثبت له العكس وإلا لزمه الوقف مع بقاء اللبس بعد استيفاء البحث أو تعذره لأي مانع وهذا في حق من عاصر ذلك المتولي على المولود أو التركة، فأما الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر فيجبان مع كمال شروطهما الآتية في بابهما إن شاء الله تعالى في حق من كملا له على الكفاية لا غير، وأما الموالاة والمعاداة فيجبان عيناً على كل من ثبتت له المخالفة من معاصر أو متأخر.(1/839)


وفيه سؤال وهو أن يقال: قد قرر أهل العلم أن تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، فلم قلت في هذا الكلام بوجوب البحث عن صحة ما قيل، والمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموالاة والمعاداة لا يجبان إلا بعد الصحة المتوقفة على البحث، فيلزم على تلك القاعدة المقررة أن لا يجب البحث؟
والجواب: أن هذا ليس من باب تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، وإنما هو من باب توقف واجب على المكلف على حصول سبب قد حصل معه بغير اختياره، وهو أن بلغه أن المتولي على المولود أو التركة عملا بخلاف ما أنزل الله، وهذا بخلاف صورة تحصيل شرط الواجب ليجب، فصورته في المثال من بلغه أن فلاناً تولى على المولود أو على التركة فلا يجب عليه البحث كيف عملا حتى يعلم بكيفية عملهما فيفعل ما يجب من أمر أو نهي أو نحوهما، كما لا يجب قبول المال ليصير به غنياً فتجب الزكاة، أو مستطيعاً فيجب الحج ونحو ذلك وهذا واضح.
ولنعد إلى تمام الكلام على الأسئلة الثلاثة السابقة فنقول: قد عرف من المثال المذكور بعدها أن المعاصر للصحابة رضي الله عن الراشدين منهم يتعلق به العمل من السمع والطاعة والنصرة والموالاة في حق المحق والعكس في حق المبطل، إذ لا يمكن إصابة ولا إجابة المتداعيين ولا من غلب منهما لو فرض أنه مبطل لاستحالة الأول عقلاً وتحريم الثاني شرعاً فقط إن عري عن الظلم ونحوه أو عقلاً وشرعاً إن لم يعر عنه، فأما من لم يعاصر الصحابة فلا يلزمه إلا الموالاة للمحق منهم والمعاداة للمبطل منهم.(1/840)

168 / 311
ع
En
A+
A-