لما صعد المنبر ستة من المهاجرين وستة من الأنصار، ونقموا على أبي بكر تعرضه لهذا الأمر المنيف والمنصب الشريف وتقدمه على أمير المؤمنين عليه السلام القصة بكمالها وهي مذكورة في كتب أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم فلا نطيل الكلام بذكرها.
ويرد على هذا سؤال وهو أن يقال: ولم شرطتم في العقد لأبي بكر وتالييه أن يصدر على الصفة المذكورة بأن يحضره كل الموجودين من الأمة أو الصلحاء منهم وأهل الحل والعقد مع تصويب الباقين؟ وأي إمام وقع العقد له على هذه الصفة وهؤلاء أئمتكم من لدن علي بن أبي طالب عليه السلام إلى هذا التاريخ لم يقع لأحدهم عقد على تلك الصفة، فما شأن هذا التحكم في العقد لأبي بكر وتالييه مع أنكم لا تعتبرون العقد والاختيار في ثبوت إمامة الإمام، بل تجعلون طريقها في من عدا المنصوص عليه القيام والدعوة وتقلد أعباء الإمامة والانتصاب لأمور السياسة والزعامة، فهلا جعلتم إمامة الثلاثة من هذا القبيل وهو أن كلاً منهم قد قام ودعا وتقلد الأمر وأجرى الأمور المتعلقة بالأئمة كما يجريها سائر أئمتكم، فأثبتوا إمامة المتقدمين بالقيام والدعوة دون العقد والاختيار فلا يضرنا مع اعتبار هذه الطريق إلى إثبات إمامتهم عدم وقوعه، وكذلك لا يضر على أصلكم مخالفة من خالف بعد القيام والدعوة مع كمال الشروط، فما وجه الاحتجاج بخلاف من خالف يوم السقيفة أو بعده؟(1/831)
والجواب عن هذا السؤال وإن كان ظاهره الجودة والقوة والقدح فيما ذهبنا إليه في هذه المسألة يؤخذ مما مر من المباحث والأصول المقررة في كتب أئمتنا عليهم السلام: وهو أن القيام والدعوة إنما يكونان طريقة إلى إثبات الإمامة فيما إذا لم يكن ثم إمام منصوص عليه فأما مع وجود المنصوص عليه، فليس لأحد أن يقوم أو يدعو، وكذلك ليس لأحد أن يعقد لغيره لما فيه من العدول عن المختار من الشارع والله تعالى يقول: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا?{الأحزاب:36}، لكن لما كان الإجماع حجة قطعية جاز التخصيص به كما ذكرنا إن ثبت، ولا يمكن القطع بثبوته إلا لو نقل متواتراً على تلك الصفة المذكورة فاندفع هذا السؤال وزال عن المسألة ما يعتريها من هذا الإشكال، ومن ثم ترى المعتزلة ونحوهم ممن يرى إمامة المتقدمين ينكرون النص على إمامة أمير المؤمنين لئلا يلزمهم نقل الإجماع على العقد لكل واحد من المتقدمين على الصفة المذكورة لعلمهم عدم وقوع إجماع على هذه الصفة، لذلك استنكفوا في إثبات إمامتهم بمجرد العقد والاختيار ممن حضر يوم السقيفة وممن بايع بعده، ولم يعبئوا بما وقع من الشقاق والنزاع لعلمهم أنه لا يلزمهم إثبات الإجماع الصحيح القطعي إلا لو ثبتت النصوص على أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام، فأنكروا النص على الجميع وتأولوا ما ورد من ذلك على حسب ما يطابق أهواءهم، ولم يجعلوا ما وقع من التهديد من أبي بكر وعمر قادحاً في ذلك العقد حتى قال قاضي القضاة فيما نقله عنه ابن أبي الحديد في جمع عمر حزم الحطب إلى باب دار الزهراء عليها السلام ليحرقها إن لم يخرج علي عليه السلام ومن معه للبيعة، فقال قاضي القضاة: ولعله حَاكٍ له عن شيخه أبي علي أن حديث الإحراق ولم يصح ولو صح لساغ(1/832)
لعمر مثل ذلك.
فانظر إلى هذه العصبية لعمر ومخدومه حيث يُسَّوِّغ لهما إحراق آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: " أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم " فالله المستعان.
وبمعرفة هذا السؤال وتقرير جوابه يثبت ما مر ذكره في هذا المطلب من لزوم نقلٍ متواتر على إجماعٍ من جميع الموجودين من الأمة أو من الصلحاء والعلماء وأهل الحل والعقد مع تصويب الباقين بلا تناكر في العقد لكل واحد من الثلاثة، وإن لم يشترط ذلك في إمامة غيرهم، ولن يجد المخالف لنقل ذلك سبيل ولا إلى العلم به دليل.
الطرف الثاني: وهو أنا نتتبع الأخبار ونستقري الآثار وننقل شيئاً يسيراً مما رواه المؤرخون وأهل السير من النزاع والشجار، وشيئاً يسيراً مما حكاه ونقله المخالفون في صفة العقد الذي جعلوه أصل دينهم وعصمة أمرهم، ليعلم بذلك أنه لا صحة لدعوى الإجماع على أي صفة كان، ولكون الشيئين يتعلقان بمطلب واحد ويؤخذان من نقل متحد جمعناهما في هذه الجملة، ونقلناها من طريق المخالف لصدورها منه بمنزلة الإقرار، ومن طريق الموالف زيادة في البصيرة والاستظهار.
ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول(1/833)
أما المخالف: فذكر ابن قتيبة في تاريخه المسمى بالإمامة والسياسة ما ترجمه بقوله: ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قبض احتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قبض، فقال سعد لابنه قيس: إني لا أستطيع أن أُسمع الناس كلاماً لمرضي ولكن تلقى مني قولي فأسمعهم، فكان سعد يتكلم ويحفظ إبنه قوله فيرفع صوته لكي يسمع قومه، فكان مما قال بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعرفوا دينه ولا يدفعوا عن أنفسهم حتى أراد الله لكم الفضيلة وساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به وبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوكم من غيركم حتى استقاموا لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داحراً حتى أثخن الله لنبيه بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب، توفاه الله وهو راض عنكم قرير العين فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به، فأجابوه جميعاً أن قد وفقت الرأي وأصبت القول وكفى بعد ذلك ما رأيت بتوليتك لهذا الأمر فأنت مَقْنَع لصالح المؤمنين، قال: فأتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع وقام ومعه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فانطلقوا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة،فأراد عمر أن يبدأهم بالكلام وقال خشيت أن(1/834)
يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، فلما تيسر عمر للكلام تجهز أبو بكر وقال له: على رَسْلِك فستكفى الكلام، فتشهد أبو بكر وانتصب له الناس وقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالهدى ودين الحق فدعا إلى الإسلام فأخذ الله تعالى بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس تبعاً لنا فيه، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أنصار الله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء أو ضراء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا وأحق الناس، بالرضا لقضاء الله والتسليم لأمر الله عز وجل لما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين وأحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم المهاجرين على أمر ساقه الله إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة وعمر وكلاهما قد رضيت لكم، ولهذا الأمر وكلاهما له أهل، فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار وثاني اثنين وأَمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر.
ثم حكى مقالة الأنصار للمهاجرين ولكنا نشفق مما بعد اليوم ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخراً من الأنصار، فإذا هلك اخترنا آخراً من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة.(1/835)