الوجه الثامن: أنها مصادمة ومخالفة لما انعقد عليه إجماع العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة من أن علياً عليه السلام هو الإمام عقيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل كما مر تقريره.
وأما الوجوه التفصيلية الواردة على كل حديث بخصوصه:
فالحديث الأول: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً عظوظاً" يقدح فيه من وجوه:
أحدها: أن ثم نقص عن الثلاثين إذا أريد بها مدة الثلاثة ومدة قيام أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن استشهد، وذلك النقص من مفتح محرم سنة أحد عشر من الهجرة إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة اثني عشر شهر ربيع الأول من تلك السنة، فذلك شهران واثني عشر ليلة وبقية سنة الأربعين التي استشهد فيها أمير المؤمنين من ثالث وعشرين شهر رمضان ثلاثة أشهر وثمانية أيام، فجملة النقص خمسة أشهر وعشرون ليلة.
ثانيها: أن المعتزلة يصححون إمامة الحسنين عليهما السلام ويحكمون ببغي معاوية والبراءة منه، فيلزم الزيادة على الثلاثين وكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا تجوز فيه الزيادة ولا النقص.
لا يقال: إن وفاء الثلاثين بمدة خلافة الحسن عليه السلام إلى أن انعزل منها وصار الأمر بيد معاوية.
لأنا نقول: كلامنا وكلام الشارع صلوات الله عليه هو في الخلافة الصحيحة الشرعية وقد ثبتت للحسنين عليهما السلام بالاتفاق، وإن اختلفنا نحن والمخالف بماذا ثبتت؟ فعندنا بالنص: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خيرٌ منهما "، وعند المخالف بالعقد والاختيار.
ثالثها: أن عند الأشعرية والمحدثين وسائر من يتسم بأهل السنة صحة خلافة معاوية منذ نزل عنها الحسن عليه السلام وكذلك سائر خلفاء الدولتين الأمويين والعباسيين.(1/826)


لا يقال: المراد من الحديث الخلافة التي هي على النهج النبوي بالعدل وإقامة الشريعة بخلاف ما كان من سيرة معاوية وسائر خلفاء الدولتين، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ثم تكون ملكاً عظوظاً،"
لانا نقول: إن أريد بقولهم الخلافة التي هي على النهج النبوي من العدل وإقامة الشريعة مع كونها ثبتت لصاحبها بدليل شرعي فهلم الدلالة على ثبوته لمن تقدم الوصي؟ وإن أريد بذلك مجرد الخبر عن وقوعها ولم يكن عن دليل شرعي سقط الاستدلال بذلك الحديث.
رابعها: أن هذا الحديث معارض بما هو أقوى منه وأكثر نقلاً وأشهر رواية وهو ما رواه جماعة من أهل الحديث الموالف والمخالف من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال هذا الدين قائماً ما ولي في أمتي اثنى عشر خليفة "، فالأشعرية ونحوهم يحملونه على الأربعة الخلفاء والحسن عليه السلام إلى أن سلم الأمر إلى معاوية، ثم معاوية ثم يعدون تمام الاثني عشر من تخيروه من خلفاء الأمويين والعباسيين على حسب خلاف بينهم في التعيين، كما ذكر ذلك ابن حجر في صواعقه والسيوطي في تاريخ الخلفاء، والإمامية يحملونه على الاثني عشر الإمام الذين حصروا الإمامة فيهم، وأصحابنا قالوا: إن صح الخبر فمحمول على أنه سيقع اثنا عشر إماماً يكون الدين في أيامهم أقوى ظهوراً وأقوم سبيلاً من ظهوره وقيامه فيما عداهم من إمام من سائر العترة عليهم السلام.(1/827)


"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" لا يسلم صحته لمعارضته بأكثر منه، ولأنه ليس إلا من رواية المخالف الجار إلى بدعته، وإن سلمنا صحته على الفرض فالمراد الاقتداء بهما فيما يفعلانه أو يفتيان به العوام من المسائل الفرعية الموافقة للحق، وقوله: "من بعدي". إخباراً بأنهما سيكونان بعده ولا يلزم أنهما خليفتا حق وإماما صدق، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام : " وهو ولي كل مؤمن بعدي "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وهو وليكم بعدي "، ولأنا قد بينا أن مجرد الوقوع لا يدل على الصحة الشرعية.
والحديث الثالث: "أن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض" الخ.
مما تفرد بروايته المخالف، وأيضاً فلا حجة فيه لثبوت خلافة الشيخين إذ ليس فيه إلا الخبر بأنهم سيجدونهما على تلك الأوصاف ولا أمر منه صلى الله عليه وآله وسلم لاستخلافهم إياهما ولا تقرير، بل فيه ما يدل على الإنكار وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام : "ولا أراكم فاعلين" مع الخبر بأنه عليه السلام يسلك بهم الصراط المستقيم ويحملهم على تلك المحجة البيضاء لأنه إذا كان عليه السلام يسلك بهم الصراط المستقيم ويحملهم على تلك المحجة البيضاء فقوله: "ولا أراكم فاعلين" إنكار للعدول عنه إلى غيره، فهذا الحديث دليل لنا وشاهد عليهم ببطلان خلافة المتقدم، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصفهما بما هو المعتبر من خصال الإمامة كما وصف أمير المؤمنين عليه السلام بكونه يسلك بهم الصراط المستقيم ويحملهم على المحجة البيضاء، وبتعليق هذا الوصف عليه والاقتصار على الخبر بوجوده فيه عليه السلام دونهما يلزم انتفاؤه عنهما فلا تصح إمامتهما بدلالة هذا الحديث.(1/828)


فهذه الشُّبَه التي مر ذكرها معظم ما يتمسك به مدعوا النص على خلافة أبي بكر وعمر، وبما قد رأيت من إبطالها يعلم بطلان ما عداها مما يروونه من الأحاديث الآحادية والترهات المروية التي تمسكوا بها على خلافة الثلاثة والفضيلة لهم ولضعفها وعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عدل عن الاستدلال بها سائر مشائخ المعتزلة ومحققوا الأشعرية وادعوا الإجماع على خلافة أبي بكر والعقد له والاختيار يوم السقيفة، ثم هو أوصى إلى عمر، ثم هو جعلها شورى بين ستة نصبوا أحدهم وهو عثمان، فكان ذلك دليلاً على صحة خلافة المتقدمين على علي عليه السلام ، وإذا أردنا التكلم على هذه الشبهة التي يعدونها الحجة القاطعة والبينة الصادعة جعلنا الكلام فيها في طرفين:(1/829)


أحدهما: المطالبة بالنقل المتواتر على أنه وقع عقد صحيح بأن حضره كافة الموجودين من كافة الأمة والصحابة منهم وأهل العلم والعقد والحل وصوبهم الباقون، ولم يوجد من أحد منهم إنكار أصلاً حتى يكون إجماعاً صحيحاً شرعياً يمكن أنا نخصص به الدلالة القطعية الدالة على ثبوت إمامة أمير المؤمنين ونخرج منها مدة من وقع له ذلك العقد على تلك الصفة لا كما ذكره المخالف من قوله: ثم أوصى أبو بكر إلى عمر وعمر جعلها شورى فليس ذلك من الدلالة الشرعية في شيء، لأنا قد بينا أنه ليس للإمام أن يوصي بالإمامة لأحد بعده، وإنما ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لثبوت ولايته صلى الله عليه وآله وسلم على كل الأمة إلى يوم القيامة، بخلاف الإمام فليست ولايته إلا على أهل عصره لا من بعدهم، ويصير الحال في هذه المسألة كتخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "، بزمن أمير المؤمنين عليه السلام وإثبات إمامتهما لبعد وفاته عليه السلام ، ونقل عقد على الصفة المذكورة لأحد المتقدمين لا وجود له في الخارج، وإلا لنقل نقلاً متواتراً ومستفيضاً لوجوب اشتهار ما شأنه كذلك، ولأن المعلوم بلا تناكر بين أهل النقل والأخبار وقوع الشقاق والنزاع والاختلاف يوم السقيفة بين أبي بكر ومن معه وبين سعد بن عبادة الخزرجي ومن معه، وبقي الخلاف بينهما وانعزال سعد ومن معه إلى أن هلك أبو بكر، ثم إلى أن قتل سعد في الشام أيام عمر، وكذلك وقع النزاع والشقاق بين القوم وبين أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من سائر بني هاشم وطلحة والزبير حتى بايع الزبير كرهاً وكسر سيفه ووقع الوعيد الشديد الذي ما عليه من مزيد على أمير المؤمنين عليه السلام إن لم يبايع كما سيأتي قريباً نقل ذلك عن الموالف والمخالف، وكذلك وقع الإنكار لذلك العقد وتأخير الوصي من خيار الصحابة وعلمائهم كعمار وسلمان وأبي ذر كما في قصة الاثني عشر الذين قاموا على أبي بكر(1/830)

166 / 311
ع
En
A+
A-