والجواب: عن هذه الأحاديث وغيرها من سائر ما يروونه من الأحاديث التي يتمسكون بها على إمامة الشيخين أوالثلاثة أو تفضيلهم على الوصي من وجوه إجمالية وتفصيلية، فالإجمالية تعم كلما يرويه الخصم ويتمسك به على إمامة المتقدمين أو تفضيلهم على سائر الصحابة فضلاً عن صنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخوه ونفسه ومن هو بمنزلة الرأس من الجسد وخليفته ووصيه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، والتفصيلية تخص الكلام على كل حديث من الأحاديث المذكورة وإبطال الاستدلال به بخصوصه.
أما الإجمالية:
فالوجه الأول: أن هذه الأحاديث آحادية ولا يمكن الخصم دعوى التواتر فيها، إذ لو تواترت لاشتهرت وظهرت في الآفاق كظهور خبر الغدير والمنزلة وغيرهما من المتواتر، فلا يمكن الاستدلال والاحتجاج بها على إمامة المتقدمين لأن أخبار الآحاد لا يحصل بها إلا مجرد الظن في بعض الأحوال مع الشروط المعتبرة في قبول الخبر الآحادي من عدم مصادمة القطعي، وأن تكون المسألة من المسائل الفروعية والاجتهاد دون المسائل الأصولية والاعتقاد، فلا بد فيها من العلم وأن لا يجر الراوي إلى بدعته ومذهبه، فكيف وهذه الأحاديث لم يسلم منها حديث عن هذه القوادح ولم يحصل في أيها شرط صحة العمل بالآحاد.(1/821)


الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لو كانت صحيحة معلومة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان أعلم الناس بها أبو بكر وعمر، ولو علماها لاحتجا بها يوم السقيفة، والمعلوم أنه لم يجر لها ذكر من أبي بكر وعمر ولا من عثمان لا في يوم السقيفة ولا فيما عداه من مواقف الجدال والتنازع بين الصحابة في الأمر حتى أن أبا بكر وعمر لما لم يتم لهما الاحتجاج على الأنصار إلا بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال أبو بكر: نحن عترة رسول الله والبيضة التي تفقأت عنه، وقال نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن ذا ينازعنا هذا الأمر إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم، وفي بعض الأخبار أنهما احتجا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأئمة من قريش" وهذه الاحتجاجات كما ترى لا يسلكها إلا من فقد النص والدليل الخاص به دون غيره وهي احتجاجات داحضة، لأن قوله: نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبيضة التي تفقأت عنه، وقوله: نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا آخره. هي حجة أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته على أبي بكر وعمر، لأن الأقارب للرجل هم شجرته وعترته والبيضة التي تفقأت عنه دون الأباعد، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، وقال في محاججته لأبي بكر وعمر: احتججتم على الأنصار بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن نحتج عليكم بمثل ما احتججتم به، نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً إلى آخر كلامه عليه السلام . وكذلك ما احتجا به: بأن الأئمة من قريش. حجة لا تختص أبا بكر وعمر بل جميع قريش فيها على سواء، والمعلوم أنه ليس المزية والفضيلة لقريش على سائر العرب إلا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن يكون الأقرب إليه صلى الله عليه وآله وسلم أحق بمقامه وميراثه ممن هو أبعد، فلو كان ما رواه المخالفون(1/822)


من تلك الأحاديث صحيحاً لما عدل عنه أبو بكر وعمر في الاحتجاج مع كونه خاصاً وناصَّاً في مطلبهما إلى حجة الغير والحجة الأعم البعيدة، لأن العاقل لا يعدل عن الاحتجاج بالأمر الصحيح الذي بيده الخاص به إلى الاحتجاج بالأمر الذي هو بيد غيره أو العام له ولغيره، وبهذا الوجه يعلم أن لا صحة لشيء من تلك الأحاديث.
الوجه الثالث: ما روي عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس إلى قوله: ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء، وعمال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله إلى أن قال: وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت، ويرون أنها حق لكثرة من رواها إلى آخر كلامه عليه السلام . وهذا كما ترى يدل على أن الأحاديث المروية في فضائل أبي بكر وعمر لا صحة لها، وإنما افتعلها علماء السوء تقرباً إلى الظلمة وإغاضة لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضي الله عنهم.(1/823)


الوجه الرابع: ما رواه علي بن محمد المديني في كتاب الأحداث أن معاوية لعنه الله تعالى كتب إلى عماله في الآفاق: انظروا إلى من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته الذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يفعله معاوية من الصلات والكساء والحبا ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، إلى قوله: ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشى في كل مصر وفي كل جهة وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، فإن هذا أحب إليَّ وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة من مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى شادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم إلى آخر كلامه.
فتأمل أيها الطالب الرشاد وفقك الله تعالى وإيانا هذا الكلام كيف يصح معه أي حديث من تلك الأحاديث، وما ظنك بالعامة وعلماء السوء المائلين إلى التقرب إلى الظلمة لينالوا من صِلاتهم وحباتهم هل يتركون مجهوداً فيما يفتعلونه من الأحاديث الكاذبة، فإن هذا مما يدل على عدم صحتها، وأقل الأحوال أن لا يظن صدقها وذلك كاف في إبطال الاحتجاج بها.(1/824)


وانظر أرشدك الله إلى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ومناقب أهل بيته المطهرين عليهم السلام هل احتيج في نشرها وروايتها وحفظها إلى مثل هذا العمل أم الأمر بالعكس، فإنهم اجتهدوا معاوية اللعين والحجاج لعنه الله تعالى وغيرهما من الظلمة في طمسها وقتل الشيعة تحت كل حجر ومدر حتى كتم أولياؤه مناقبه خوفاً وكتم أعداؤه ذلك غيظاً وبغضاً، فظهر من بين الكتمين ما ملأ الخافقين.
الوجه الخامس: ما ذكره سيدي العلامة أحمد بن محمد لقمان عليه السلام في رده على ابن حجر الهيثمي في البحار المغرقة للصواعق المحرقة قال ما معناه: إن قول ابن حجر المصري في شرحه فتح الباري على البخاري: إنما قال المؤلف يحيى البخاري باب ما جاء في معاوية رغماً للشيعة، وإلا فلا تثبت في معاوية فضيلة ولا منقبة، ثم رد سيدي الصفي على ابن حجر الهيثمي فيما رواه من الأحاديث الكثيرة في فضائل المتقدمين منقولة عن البخاري وغيره بما معناه: إذا كان البخاري هو أصدق وأوثق أئمة الحديث لديهم إنما وضع: باب ما جاء في معاوية وروى ما رواه في شأنه رغماً للشيعة، فلا يؤمن أن الأمر فيما رواه ووضعه من الأبواب السابقة في شأن المتقدمين على أمير المؤمنين وهو كالأمر فيما فعله في شأن معاوية، وأنه لا صحة لشيء من تلك الأحاديث، وإنما فعلها البخاري وغير البخاري رغماً للشيعة لأنهم يتألمون لما يروى في المشائخ كما يتألمون لما يروى في معاوية إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.
الوجه السادس: أنها معارضة للأدلة القطعية الدالة على إمامة أمير المؤمنين في الآيات والأحاديث التي مر ذكرها.
الوجه السابع: أنها معارضة بما هو أقوى منها وأشهر وأظهر، وأثبت رواية وأوثق سنداً وأكثر عدداً من الأحاديث الآحادية الواردة في أمير المؤمنين عليه السلام الدالة على إمامته ووصايته، وعدم جواز التقدم عليه كما مر نقل بعضها مع أنها قد تواترت معنىً، ونقلها الموالف والمخالف.(1/825)

165 / 311
ع
En
A+
A-