إِلَى قَوْمٍ? الآية،: هم الذين تخلفوا عن الحديبية، فسلم نزولها في عام الحديبية كسائر السورة، ثم عند إرادته الاستدلال بها على إمامة أبي بكر ركب متن العماد وحرر الدلالة على أقبح وجه من الفساد وهو أن فسر القوم أولي البأس الشديد ببني حنيفة إلى أن قال: وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق فإنهم لم يُدْعَوا إلى حربٍ في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بعد وفاته قال: وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قوله تعالى: ?فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?{التوبة:83}، وقيل هم فارس والروم انتهى.
فانظر إلى مغالطته كيف جعل آية براءة حاكمة على سورة الفتح وسورة الفتح سابقة قبل براءة بسنين وأعوام لأن الحديبية سنة ست وبراءة سنة تسع من الهجرة،فيقال ومن أين لك أنهم لم يُدْعَوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عقيب الحديبية إلى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تتكلف وتتمحل للتفسير الباطل والقول العاطل من أن المراد بالقوم بني حنيفة، وأن المراد بالداعي هو أبو بكر مع أنه قد وقع بعد الحديبية الدعا منه صلى الله عليه وآله وسلم إلى مواطن كثيرة كالفتح والطائف وهوازن وغطفان وتجهيز أسامة بن زيد؟
فإن قلت: من قوله تعالى: ?فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا?{التوبة:83}.(1/816)


قلنا: غاية ما فيها أن يتناول قوله: ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي?في المستقبل منذ نزلت براءة لا الماضي فلا يصح حملها عليه البتة، فلا يتم لك هذا الدليل العليل الخارج عن واضح السبيل مع كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا بعد الحديبية إلى تلك المواطن الكثيرة والوقائع الشهيرة، هذا إن سلمنا تسليم جدل وتنزل أن المتخلفين من الأعراب هم المرادون بقوله تعالى في التوبة:?رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا?، وإلا فلا يسلم لأن هذه الطائفة يسيرة منكر وصفها بأنها بعض من كان يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته ووقائعه لقوله: ?مِنْهُمْ? بخلاف المتخلفين من الأعراب، فإنهم طوائف كثيرة كما حكيته في تفسيرك: هم الذين تخلفوا عن الحديبية وهم أعراب غِفَار ومُزَينَة وجُهَينَة وأَشجَع وأسلم والدَّيْل إلى آخر كلامك، وحينئذ فغاية ما في الأمر أن تكون هذه الطائفة المذكورة في براءة بعضاً من تلك الطوائف العديدة، فلا يتناول الخطاب لها سائر تلك الطوائف فلا يدخلون في قوله:?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?.
فإن قيل: فيكفي في الاستدلال على المطلوب من إثبات إمامة أبي بكر وعد هذه الطائفة والوعيد لها بالثواب والعقاب إن لم يطيعوا الداعي وعصوه وهو أبو بكر، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج بنفسه الشريفة بعد تبوك أي مخرج، فلا يصح أن يكون الداعي غير أبي بكر وغير عمر إلى فارس والروم.(1/817)


قلنا: هذا باطل بما هو معلوم مما مر ذكره أن الوعيد والخطاب في سورة الفتح لكافة المتخلفين وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تلك الوقائع العديدة والمواطن المفيدة، فقصره على الطائفة المخصوصة أو دخولها في عدادهم خلاف الأصل فلا يصح عوده إليهم بعد التعميم السابق لزم أن هذه الطائفة داخلة في المدعيين منذ عام الحديبية إلى عام تبوك سنة عشر من الهجرة، ثم إنه لا يتم استدلال الخصم حتى يقيم الدليل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع هذه الطائفة، لأن الآية إنما منعت أن يخرجوا معه من دون أن يدعوهم، فأما إذا دعاهم فلا دلالة في الآية على كونهم لا يجوز لهم أن يخرجوا أو لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم.
وبعد فما المانع أن المراد في الآية ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي?ما دمتم مصرين على العصيان والتخاذل دون ما إذا كنتم قد تبتم وأصلحتم فاخرجوا، يدل عليه قوله تعالى:?فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا? الآية{الفتح:16}، ولأن المعلوم من الدين ضرورة أنهم إذا تابوا وأصلحوا كانوا من جملة سائر المؤمنين، فلا وجه لمنعهم من الخروج مع التوبة والإصلاح.
وبعد فالاستدلال على مذهب الخصم مبني على طائفة غير معينة توعدها الله ونهى عن خروجها، فاللازم تبيين تلك الطائفة والبرهان أن أبا بكر دعاها بنفسه، وهذا لا وجود له في الأخبار المشهورة، وإنما دعا أبو بكر عموم الناس إلى قتال بني حنيفة وكذلك عمر فيما بعده من قتال فارس والروم.
وبعد فقول الخصم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج بنفسه بعد تبوك لا يقدح فيما قلناه من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج مع أسامة بن زيد وغيرها من سائر سراياه إلى أن توفاه الله تعالى، لأن أبا بكر وعمر لم يخرجا فيما ذكروه من قتال بني حنيفة وفارس والروم.(1/818)


وبعد فلو فرض أن أبا بكر دعا طائفة مخصوصة نهى الله رسوله أن يدعوهم وأن يخرجوا معه لكان أبو بكر عاصياً بدعائه هذه الطائفة.
فإن قيل: المراد دعاء أبي بكر لهم مع توبتهم وإصلاحهم كما تأوله الرازي.
قلنا: فارضوا منا بمثل ذلك في دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياهم وتبطل الشبهة بأسرها.
وبعد فقوله تعالى: ?سَتُدْعَوْنَ?، فعل مغير صيغة مجهول فاعله، فإن فسر بكل داع لزم تصحيح معاوية اللعين وولده الفاجر المهين وسائر جبابرة خلفاء الأمويين والعباسيين الذين لا تحكم المعتزلة بصحة إمامتهم، وإن فسر بالداعي المحق في إمامته أو المحق في دعائه للقتال كالمحتسب العادل فكلاهما لا يسلم دخول أبي بكر وعمر فيمن شملته الآية لأن الأول محل النزاع، والثاني شرطه صحة الحسبة عدم وجود الإمام في ناحية المحتسب، فكيف تقرير كون أبي بكر وعمر محقين مع وجود الإمام المنصوص عليه بين أظهرهما؟ فلا بد أن الداعي المحق هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وأمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرين إلى يوم الدين، والداعي من جهة الحسبة مع كمال شروطها إن لم يكن في الزمان قائم بعد وفاته، وهذا محمول على أن القتال مع المحتسب مدافعة أو على الخلاف في جواز غزو الكفار إلى ديارهم مع غير الإمام كما هو مذهب بعض العلماء، على أنه لو كان مُحقيه أبي بكر وعمر من باب الحسبة لا غير كان في ذلك تسليم بطلان إمامتهما الذي هو محل النزاع، ونص على أن المراد بالداعي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه السلام حين دعا الناس إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين وهو قوي لأنه إن قصر على الداعي في حياته صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل من بعده فيبطل استدلال الخصم، وإن حمل عليه صلى الله عليه وآله وسلم ومن سيدعو بعد وفاته فلم نجد داعياً متفقاً على صحة إمامته حال الدعاء إلى القتال غيره عليه السلام وأولاده الأئمة الأعلام أو(1/819)


المحتسب المحق الإمام العادل من سائر الأنام.
لا يقال: إن قوله تعالى: ?تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ?، يدل على أن المراد الدعاء إلى قتال الكفار دون الناكثين والقاسطين والمارقين فهم أهل إسلام، فلا يصح حمل الآية عليهم.
لأنا نقول: المراد بالإسلام في الآية هو الإسلام اللغوي وهو الانقياد والاستسلام بالسمع والطاعة أعم من أن يكون المدعو كافراً أو فاسقاً باغياً من أهل الصلاة، فيقاتل الجميع حتى يسلموا -أي ينقادون ويستسلمون الأول بالدخول في دين الإسلام وطاعة الإمام، والثاني بترك البغي والانقياد بالسمع والطاعة للإمام- بخلاف الآية الأخيرة فالمراد بها قتال البغاة من المسلمين لا غير، لأن أول الآية ?وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا? إلى قوله ?فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ?{الحجرات:9}، وهذا واضح لمن أنصف دون من عاند وتعسف.
شبهة: قالوا: ورد في الأحاديث النبوية والأخبار المروية ما يدل على صحة إمامة المتقدمين نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عظوظاً "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن لي وزيرين في السماء، ووزيرين في الأرض أما اللذين في السماء فجبريل ومكيائيل، وأما اللذين في الأرض فأبو بكر وعمر "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن استخلفتم أبا بكر وجدتموه ضعيفاً في بدنه قوياً في دينه، وإن استخلفتم عمر وجدتموه قوياً في بدنه قوياً في دينه، وإن وليتم علياً ولا أراكم فاعلين وجدتموه هادياً مهدياً يسلك بكم الصراط المستقيم ويحملكم على المحجة البيضاء ".(1/820)

164 / 311
ع
En
A+
A-