اتفقوا على قوله: فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس قاعداً والمسلمون قيام. زاد الشيخان: يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. ثم اختلفت الرواية فيما زاد على هذه الجملة كل يروي ما يوافق مذهبه، ففي رواية أئمتنا عليهم السلام: وكان جبريل عليه السلام أمره بالخروج ونبهه على ما يقع من الفتنة إن صلى أبو بكر، وأنه لما فرغ صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: أيها الناس سُعِّرَت النار وأقبلت الفتن إلى آخر كلامه عليه السلام ، وفي رواية للشيخين عن أنس قال: لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجاب فرفعه، فلما وضح لنا، وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رأينا منظراً قط كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين وضح لنا قال: فأومى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات. وكذلك رووا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أبى الله ورسوله أن يصلي بالناس إلا أبو بكر، ورووا أيضاً عن عائشة أنها قالت: أول مرضه صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستأذن نساءه أن يُمَرَّض في بيتها أي عائشة فأذِنَّ له، فخرج بين عباس بن عبد المطلب ورجل آخر، وفي رواية: فخرج ويد له على الفضل بن عباس ويد له على رجل آخر، قال عبيد الله الراوي عن عائشة: فحدثت به ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أتدري؟ وفي رواية: هل سمّت لك من الرجل الآخر؟ قال قلت: لا. قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب عليه السلام . قال القسطلاني في شرحه على البخاري زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن مَعْمَر: ولكن عائشة لا تطيب(1/811)


نفساً له بخير، ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري: ولكنها لا تقدر أن تذكره بخير. انتهى.
فظهر لك أيها الطالب أن القدر المتفق عليه هو أن أبا بكر تقدم يصلي بالناس وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من بيته عند ذلك فصلى بالمسلمين، ومحل الخلاف هو الأمر لأبي بكر بالصلاة وعزله عنها، أما الأمر فلم يثبت إلا من رواية المخالف ولا احتجاج بما يتفرد بروايته من يجر إلى مذهبه، وأما العزل فلم يثبت بقول صريح أو ظاهر لكن أخذه أئمتنا عليهم السلام من باب دلالة الاقتضاء، وهو أحد الوجوه الصحيحة في الاستدلال بلا تناكر بين الأصوليين، لأن المعلوم شرعاً أن الصلاة لا تصح بإمامين فأكثر أو مؤتم هو مؤتم في عين ما أمر به غيره بإمام آخر فاقتضى أن لا بد أن أبا بكر عزل عن الإمامة وصار مؤتماً فقط، وقد أشار إلى هذا القسطلاني في شرحه لقول البخاري: والناس يقتدون بصلاة أبي بكر بقوله: أي يستدلون على صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة أبي بكر حيث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعداً والناس قياماً، ونظير هذه الدلالة في الاقتضاء دخول العبد في ملك الطالب إذ لا عتق إلا عن ملك وقوله تعالى: ?لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ?{الحشر:8}، فاقتضى أن ما صار بأيدي الكفار من أموال المهاجرين فقد خرج عن ملكهم لتسميتهم فقراء، وحينئذ فقد ثبت العزل وتقرر بدلالة صحيحة شرعية لا تناكر في اعتبارها، ولم يبق وجه لما يدعيه الخصم من الأمر إلا ما ذكره الشيخان في الرواية الأخيرة عن أنس قال: لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً إلى قوله: فأومى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات، فإن كان هذا محمولاً على أنها قصة واحدة كما هو الظاهر لم يصح هذا الخبر لمنافاته لما اتفقت عليه رواية الجميع(1/812)


السابق ذكرها وإن حمل على أنها قصة أخرى فإما متقدمة فالثانية المتفق عليها ناسخة مع أنه لا يصح ذلك لقوله: فلم يقدر عليه -أي على الخروج أو على رفع الحجاب- حتى مات، وإما متأخرة فالله أعلم بالصحة إذ لو ثبت لاشتهرت وظهرت ونقلت برواية الموالف والمخالف كما كان من شأن الأُولى المتفق على نقلها، ثم فرض أئمتنا عليهم السلام فرضاً على سبيل الجدل والتنزل لو صحت هذه الرواية بأن قالوا: لو سلمنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ولم يعزله فالإمامة الصغرى بمعزل عن الإمامة الكبرى، فلا دلالة فيمن أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يصلي بالناس على أنه إمام أعظم وخليفة للمسلمين بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمَّر على الصلاة جماعة كابن أم مكتوم وهو أعمى لما خرج صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد، وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على الصلاة وغيرها وكان أبو بكر وعمر من جنده يصليان بصلاته، وصلى صلى الله عليه وآله وسلم خلف عبد الرحمان بن عوف في بعض أسفاره أدرك معه ركعة من صلاة الصبح، وصلى خلف عتاب بن أسيد وهو آمره على مكة بعد الفتح، وأيضاً فإن الصلاة تصح خلف العبد وولد الزنا والأعمى بخلاف الإمامة الكبرى فلا تلازم بينهما، قال في الإرشاد الهادي: وإنما حملهم على ذلك الميل عن واضحات الأدلة واتباع الشبه المضلة حكاه عن الأمير المؤلف عليه السلام .(1/813)


فظهر لك أيها الطالب الرشاد أن هذه الشبهة أوهى من نسج العنكبوت وهو بنص الكتاب لأهون البيوت، وقد ادعى المخالفون شبهة أخرى من قبيل النص الخفي وهي قوله تعالى: ?قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا?{الفتح:16}، قالوا: والداعي لهم أبو بكر إلى قتال بني حنيفة وعمر إلى قتال فارس والروم، فيلزم صحة إمامتهما لما في الآية من الوعد بالثواب على الطاعة لهما والوعيد بالعذاب على عدمها، وبنوا استدلالهم بهذه الآية على أن المراد بالمخلفين هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، قالوا: ولم يخرج بعدها صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة بنفسه، فكان المراد بها أبو بكر وعمر لا غيرهما.
والجواب: أنه لا يسلم لهم أن هذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك وقد صحح الرازي في تفسيره أنها نزلت عام الحديبية تبشير بفتح خيبر وفتح مكة والنصر العزيز له صلى الله عليه وآله وسلم العام على كافة الأنام، وإذا كان كذلك فالداعي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فتح مكة أو إلى الطائف وهوازن فما بعدهما إلى غزوة تبوك إلى تجهيز أسامة بن زيد في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم.
لا يقال: هذا لا يصح لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله تعالى أن يقول للمخلفين ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا? وقد خرج معه صلى الله عليه وآله وسلم في عام الفتح وهوازن طائفة بل طوائف من المتخلفين عام الحديبية، فإذاً ليس المراد إلا المتخلفين في غزوة تبوك ولا داعي بعدها إلا أبو بكر وعمر.(1/814)


لأنا نقول: أنه ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?متأخر نزولها في سورة براءة وهي نازلة بعد عام الفتح في السنة التي تليها بلا تناكر، وقد كان أبو بكر أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغها إلى أهل مكة حيث أَمَّره على الحج في ذلك العام، فلما وصل ذا الحليفة أتبعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمير المؤمنين ليأخذها منه ويبلغها وقال: "لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني" فحملها على المتخلفين عن عام الحديبية هو الواجب لأنه الظاهر والموافق للتواريخ وحكاية السير وسائر ما ذكر في سورة الفتح من الوعد بالمغانم الكبيرة ودخول المسجد الحرام محلقين ومقصرين، بخلاف حملها على أن المراد المتخلفين في غزوة تبوك، فلا يصح لما فيه من مخالفة الظاهر ومناقضة التواريخ وعدم المناسبة لسائر ما ذكر في سورة الفتح، وليس العجب من استدلال أهل البلاهة وعدم الاطلاع على السيرة والتواريخ وتفاسير القرآن إنما العجب من أهل الذكاء والعلم بكيفية الأحوال والتواريخ والسيرة النبوية وتفاسير الآيات القرآنية كالزمخشري وأمثاله، فانظر إلى شدة تعصبه وخدمة مذهبه كيف ساق الآيات من أول سورة الفتح إلى هذه الآية وفسرها جميعها من أول آية وهي قوله تعالى: ?إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا?{الفتح:1}، قال: هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مكة عام الحديبية عِدَةً له بالفتح، ثم قال في تفسير قوله تعالى: ?سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا?{الفتح:11}،: هم الذين تخلفوا عن الحديبية، ثم قال في تفسير:?سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ? {الفتح:15}،: هم الذين تخلفوا عن الحديبية، ثم قال في تفسير:?قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ(1/815)

163 / 311
ع
En
A+
A-