فإن قيل: فبعد انقراض الحسنين عليهما السلام لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منصوباً معيناً، بل حكمتم بإمامة من قام بعدهما من أولادهما دون سائر المسلمين.
قلنا: إنما حكمنا بثبوت إمامة من قام ودعا مع كمال الشروط المعتبرة لمن هو من أولادهما عليهما السلام لقوله تعالى: ?وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ?{الأنفال:75}، فجعل عز وجل ذي رحم الرجل أولى بما أمره إليه من الأجنبي وليس للأجنبي حق في هذا الشأن أصلاً، فلا موجب لتشريكه مع ذي الرحم في ذلك، وهذا واضح لكل من زهد في الأمر وأنصف دون من طمع فيه وتعسف، ولقوله تعالى: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي?{يوسف:108}، فجعل من اتبعه داعياً إلى الله مثله، ولا يعلم على القطع فيمن قام من غير العترة أنه ممن تبعه بل ذلك فيمن اشتهر بالعلم والعدالة كعمر بن عبد العزيز استناداً إلى الظاهر فقط، وهو لا يكفي مع إمكان ما هو أقوى منه وأوصل إلى العلم اليقين معصوماً كان كعلي وولديه عليهم السلام، أم لا كمن قام ودعا من نسلهما مع كمال الشروط الآتية عند الكلام عليها إنشاء الله تعالى.
وبتمام هذه الجملة تم الكلام على الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .(1/806)
فضائل الإمام علي عليه السلام
فأما ذكر مناقبه عليه السلام وفضائله ومكارمه وسائر خصاله الشريفة.
فتحتاج إلى مؤلفات ومجلدات منفردات، وقد ذكر الموالف والمخالف لذلك مؤلفات عديدة ومصنفات مفيدة، ولا يسع هذا الموضع الإطالة بذكر ذلك فلتؤخذ مما هنالك.(1/807)
شبه المخالفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
لكن جرت عادة الأصحاب وغيرهم ذكر ما يتعلق بالمسألة من حكاية شُبَه المخالف وحلها والأسئلة، الواردة على نفس المسألة أو دليلها وجواب ذلك السؤال، والكلام في حكم من خالف أمير المؤمنين عليه السلام وحكم فدك وغير ذلك مما هو من فروع المسألة، وحينئذ فنقول:(1/808)
الفرع الأول: في شبه المخالفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بلا فاصل
الفرع الأول: في شبه المخالفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بلا فاصل، وقد مر أنهم على ثلاثة أقوال:
فالجمهور يزعمون أن إمامة أبي بكر ثبتت بإجماع الأمة والعقد له يوم السقيفة، وكان الناس بين مبايع ومختار وساكت راض بلا إنكار.
القول الثاني: قول البكرية: إنها ثبتت إمامته بنص جلي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
القول الثالث: قول الحسن البصري على رواية الأساس: إنها ثبتت بنص خفي وهو تقديمه للصلاة في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأما إبطال دعوى النص الجلي والنص الخفي فمما لا يحتاج إلى تطويل لأن النص الجلي لو كان لاشتهر وظهر في الآفاق كظهور خبر الغدير، والمنزلة، وإني تارك فيكم ونحوها من الأحاديث المتعلقة بأصول الدين لعموم البلوى بها علماً وعملاً، وكذلك دعوى النص الخفي كان يجب ظهور ذلك النص وإن كان خفياً كظهور خبر المنزلة على أن التقديم للصلاة لو سلمناه هو من قبيل الأفعال وليست توصف بالنص لا الجلي ولا الخفي وإنما توصف بذلك الأقوال فقط.
وبعد فلا يسلم لهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، قال في الأساس: ففي الرواية الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره وإنما أمرته عائشة، روى العنسي في المحجة البيضاء عن زيد بن علي عليهما السلام أنه سئل عن صلاة أبي بكر بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس. وقد بسط الكلام على ذلك في شرح الأساس، وفي كتاب الكاشف للناس للشيخ أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص بما فيه كفاية، وذكره الإمام المهدي عليه السلام في غرر الفرائد وقال: إن الآمر بذلك عائشة.(1/809)
قلت: قد اتفقت روايات أئمتنا عليهم السلام كما ذكره في شرح الأساس عن صاحب المحيط بإسناده إلى عبد الله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام في خبر الوفاة بطوله، ورواية البخاري ومسلم بإسنادهما إلى عائشة: أنه لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه جاء بلال يؤذنه بالصلاة، ثم اختلفت الرواية ماذا قاله صلى الله عليه وآله وسلم عند أن آذنه بلال بالصلاة؟ ففي رواية أئمتنا عليهم السلام أنه قال: قد بلغت يا بلال فمن شاء فليصل. فخرج بلال ثم عاد الثانية والثالثة كذلك، وكان رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجر علي عليه السلام والفضل بن العباس بين يديه يروحه، وأسامة بن زيد بالباب يحجب عنه زحمة الناس، ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية من البيت يبكين،فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أعزبن عني يا صويحبات يوسف، فلما رجع بلال ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبعته عائشة بنت أبي بكر وقالت: يا بلال مر أبا بكر فليصل بالناس، وفي رواية البخاري ومسلم أنه قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِع الناس فلو أمرت عمر فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِع الناس فلو أمرت عمر، فقالت له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكن لأنتن صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، زاد مسلم: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، ثم اتفقت رواية الجميع على قوله ووجد النبي خفة. زاد الشيخان: في نفسه. وزاد أئمتنا عليهم السلام فتمسح وتوضأ. ثم اتفقوا على قوله: فخرج وخرج معه علي والفضل بن العباس ورجلاه يخطان الأرض. إلاَّ أن رواية الشيخين: فقام يهادى بين رجلين. فسرهما القسطلاني بقوله: العباس وعلي أو بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس معتمداً عليهما. ثم(1/810)