وهو أن إجماعهم حجة فهو مذهب الزيدية أجمع وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة ويحكى عن أبي علي وقاضي القاضاة، ويدل عليه قوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا?{الأحزاب:33}، وما أراده الله تعالى من أفعاله وقع لا محالة، والمراد بالرجس في الآية رجس المعاصي، فإذا أراد الله تطهيرهم أي تنزيههم كانوا إذاً مطهرين، فلا يتطرق إليهم ما يوجب هلكتهم من اعتقاد فاسد أو عمل عن نهج الحق حائد، فيجب أن يكونوا معصومين عن الخطأ والزلل في القول والعمل.
وأيضاً فقد تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع علياً وفاطمة والحسنين مع نفسه الشريفة ولف عليهم كساءً ثم أخرج يده من تحت الكساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً "، ومن المعلوم أن دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم مستجاب، فيجب القطع بحصول مضمون ذلك الدعاء في كل واحد ممن شمله ذلك الكساء والحكم بطهارته ونزاهته عن دنس المعاصي المقتضية للفسق من الأفعال والعقائد الردية المستوجبة الزيغ عن الحق والتورط في الضلال، فيجب أن يكون ما قالوه واعتقدوه حق لا باطل فيه.
لا يقال: إن ظاهر الآية يقتضي تشريك نسائه صلى الله عليه وآله وسلم في جملة أهل البيت لأن أولها في شأنهن رضي الله عنهن، بل تناولهن هو الظاهر وحمل الآية على من ذكرتم خلافه.(1/801)


لأنا نقول: قد تواترت الأخبار من رواية الموالف والمخالف بما يفيد العلم الضروري لمن بحث وأنصف دون من تعامى وتعسف أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام مع نفسه الشريفة، ولف عليهم ذلك الكساء ودعا بذلك الدعاء المقتضي للحصر والقصر بأن أهل بيته إذ ذاك ليس إلا من شملهم الكساء لذلك رد على أم سلمة رضي الله عنها لما قالت: وأنا من أهل بيتك يا رسول. قال: بلى إنَّكَ على خير. قالت: فلو قال نعم لكان أحب إلي، وقد ذكر الحاكم رحمه الله تعالى، والإمام القاسم بن محمد عليهما السلام في مقدمة الاعتصام، والإمام المهدي عليه السلام في الغايات، والمنصور بالله عبد الله بن حمزة، والمنصور بالله الحسن عليهم السلام وغيرهم من أئمتنا عليهم السلام كثيراً من روايات هذا الحديث وطرقه، وذكره من المخالفين ابن حجر في الصواعق المحرقة وغيره من المخالفين بحيث يعلم من بحث تواتر هذا الحديث، فكان فعله صلى الله عليه وآله وسلم صارفاً للآية عن ظاهرها ومبيناً لمراد الله عز وجل منها وقد قال تعالى: ?لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ?{النحل:44}.
ومما يدل على ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض "، فجعلهم صلى الله عليه وآله وسلم قرناء الكتاب وأَمَّننَا مع التمسك بهما من الضلال وأخبر أنهما لن يفترقا، فيجب أن يكون كلما قاله آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاً لموافقته الكتاب وعدم مفارقته إياه فثبت بذلك أن قولهم حجة، وهذا الحديث أيضاً متواتر ورواياته وطرقه مذكورة في بسائط الفن منقولة عن الموالف والمخالف.(1/802)


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى "، وفي رواية: هلك، ورواية: زخ في النار، ولا تمثيل يفيد وجوب اتباعهم والحكم على من خالفهم بالهلاك أبلغ من هذه العبارة النبوية ولا دلالة أجلى منها قوية.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي أمان لأمتي من نزول العذاب، أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، أهل بيتي كباب حطة من دخله غفر له " إلى غير ذلك مما تواتر معناه واتضحت دلالته ومبناه.(1/803)


الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالوصاية والعصمة والأفضلية
وأما الاستدلال على إمامته عليه السلام بالوصاية والعصمة والأفضلية
فقد ثبت له عليه السلام هذه الأوصاف الجليلة بما ذكره في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبلغ الجميع مبلغ التواتر اللفظي لبعضها والمعنوي لسائرها، فلا نحتاج هنا إلى مزيد عناية لإثباتها ودلالتها على المقصود ظاهرة لأن ما كان أمره إلى الموصي انتقل إلى الوصي بلا خلاف بين أهل العلم، والمعصوم عن الضلال بنفسه أو بمن تابعه أولى بالاتباع بضرورة العقل، والأفضل أولى من غيره بضرورة العقل أيضاً ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ولىَّ رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين "، وفي رواية: والمسلمين. ذكر هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره من المحدثين ولا تناكر فيه.
لا يقال: فالإمام إذا مات وأوصى إلى رجل معين ما تقولون فيه هل يصير إماماً أم لا؟ إن قلتم: نعم. فليس من مذهبكم، وإن قلتم: لا. نقضتم مذهبكم.(1/804)


لأنا نقول: إنما صار وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إماماً لأن الله تعالى جعل له ولاية على جميع المؤمنين إلى منقطع التكليف لقوله تعالى: ?النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ?{الأحزاب:6}، فاقتضى عموم المؤمنين الموجودين في حياته ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة، وأجمع أهل العلم أن ما كان أمره إلى الوصي انتقل إلى وصيه، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة أن علياً عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن تكون له هذه المرتبة وهو أنه أولى بالمؤمنين بعد وفاة الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن استشهد عليه السلام ، وفي ذلك ثبوت إمامته بلا فاصل ولا ريب بخلاف ولاية الإمام على الأمة فليست ثابتة له بعد وفاته على أحد من الناس، فلو أوصى إلى رجل معين، فإن أوصى إليه بنفس الإمامة لم تصح وصيته هذه إذ لا ولاية له على الأمة بعد وفاته، وإن أوصى إليه بما عدا الإمامة مما أمره إليه ويخصه بنفسه من دون نظر إلى كونه إماماً كما وقفه بنفسه من خالص ملكه أو ما تسلسل إليه ولايته بالوصاية من الواقف صحت وصيته بذلك كسائر الناس، لأن للواقف حق الولاية فيما وقفه مدة حياته وحق النصب عليها من يقوم بها بعد مماته، وبهذا صار وصي الوصي ما تسلسل مقدماً على الإمام والحاكم إلاَّ لخيانة توجب بطلان ولايته كما ذلك مقرر عند أهل الفقه ثبت كون علي عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمجرد الإيصاء إليه دون أوصياء الأئمة حتى أن الحسنين عليهما السلام لم تثبت إمامتهما عندنا بكون أمير المؤمنين عليه السلام أوصى إلى الحسن وهو إلى أخيه الحسين، بل ثبتت لهما بعده عليه السلام بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما ".(1/805)

161 / 311
ع
En
A+
A-