لأنا نقول: المعتزلة وإن لم يعاصروا الوصي حتى يحملهم جحهدهم النصوص على ما ذكرنا فهم معاصرون للأئمة الهادين من نسله عليهم السلام أجمعين، وكانوا آخذين الولايات والرئاسات من طرف الدولتين الأمويين والعباسيين وغيرهم ممن عارض العترة المطهرة، ولا يتم لهم طيب العيش والانتفاع بتلك الولايات والرئاسات إلاَّ بدعواهم صحة الأمر في قريش أو في كل العرب أو في كل الناس على حسب ما يتم لكلٍ مطلبه ويحصل مأربه، ولا يستقيم ذلك إلا بإنكار النص على علي عليه السلام وذريته المطهرين الكرام، ومن ثمة ترى ابن أبي الحديد قال في إمامة الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش وترجمته له في شرح النهج ما لفظه: وتولى نقابة العلويين في جهة كذا وسنة كذا. فجعل إمامته العظمى نقابة على السادة العلويين ليس إلاَّ! فأنكر ما هو المعلوم من حاله عليه السلام من القيام بفرض الإمامة وتقلد صارم الزعامة وجهاده للظالمين ودعائه الخلق إلى طاعة رب العالمين حتى أسلم على يده من عباد الشجر والحجر ألف ألف مسلم، وقد كان ابن أبي الحديد متولياً من طرف بني العباس، وسمعت من بعض علماء عصرنا الذين تولوا من طرف العثمانيين الأتراك يقول: أما أنا فمذهبي، أو قال: فعندي أنه يصح أن يتولى الأمر والخلافة من قام به من عربي أو عجمي أو سيد أو غيره، وحتى أن في زمننا من لم يتمكن من التولي والرئاسة إلا بأخذها عن الكفار الصِّرْف والقول بصحة ولايتهم ورئاستهم لَفَعَل، بل قد فعل كثير منهم ذلك وتوصلوا إلى الرئاسة وأخذها من هنالك، فاعجب ومهما عشت عاينت العجب، فالحكم لله العلي الكبير وهو نعم المولى ونعم النصير وإليه المنقلب والمصير.
قال عليه السلام [ وأما الإجماع ](1/796)


[ فإجماع العترة منعقد على ذلك ] أي على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، وأن إمامة من تقدمه باطلة لا صحة لها في الشرع الشريف ولا ثبوت لها في الدين الحنيف، وهذا أحد الأدلة القطعية على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بلا فاصل وهو مبني على أصلين أحدهما: أن العترة عليهم السلام مجمعون على ذلك. ثانيهما: أن إجماعهم عليهم السلام حجة قطعية.
أما الأصل الأول:
فتقريره ما ذكره صنو المؤلف عليه السلام في أنوار اليقين بما لفظه: يبين ذلك أن المعلوم أن علياً عليه السلام كان يقول ويظهر ويعلم منه أنه أحق الخلق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك فاطمة الزهراء عليها السلام تعتقد ذلك وتدين به، وكذلك الحسنان عليهما السلام وهو قول الحسن بن الحسن وعلي بن الحسين وزيد بن علي ومحمد بن علي الباقر، وهو قول يحيى بن زيد، وقول جعفر بن محمد الصادق، ثم كذلك أئمة الهدى وسائر أهل البيت عليهم السلام إلى يومنا هذا يعلم ذلك من دينهم ضرورة، كما يعلم أن من دينهم اعتقاد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا حجة قطعية كافية في ذلك، وكذلك فإجماع أهل البيت عليهم السلام منعقد على: أن كل مكلف يجب عليه العلم بإمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام وأنها واجبة على الأعيان انتهى.
ثم ذكر كلام هؤلاء الأئمة ومن بعدهم إماماً إماماً إلى إمام زمنه المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام نقله من كتبهم كلهم مصرح ومقرر لإمامة أمير المؤمنين عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل، فمن أراد الاطلاع على أقاويلهم عليهم السلام في هذه المسألة فعليه بذلك الكتاب المذكور أو الشافي للمنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام أو مجموع السيد حميدان عليه السلام أو غير ذلك في الكتب المبسوطة لهذا الشأن.(1/797)


وقال القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج: والذي يدل على ذلك -أي أن الإمام عند أهل البيت عليهم السلام هو علي عليه السلام بلا فاصل-: أنه هو الظاهر من مذهبهم، والمذكور في كتبهم والمتفقة عليه مصنفاتهم والمشهور من عقيدتهم، فلا يعلم أن أحداً منهم قال بخلاف هذه المقالة، وليس علينا في دعوى الإجماع أكثر من هذا لأن بمثل هذه الطريقة تعرف نسبة المذاهب إلى أهلها، وبمثل هذا يستدل على أن المعتزلة مجمعون على القول بالعدل والتوحيد وأما الضرورة في هذا الإجماع فمن ادعاها من أئمتنا وعلمائنا صدقناه، ومن لا يحصل له منا العلم فليس له نفي التواتر لجواز أن يكون فقد الضرورة في حقه لتقصير في البحث أو لتعذر الطرق التي حصلت لمدعي الضرورة أو لجواز حصول الضرورة بالإخبار لبعض المكلفين دون بعض، فإن ذلك غير ممتنع لأن العلم الضروري من فعل الله تعالى فجائز أن يفعله للبعض دون البعض انتهى.
وقال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على العقد ما لفظه: قوله: وأما الإجماع فإجماع العترة عليهم السلام الخ، فلا يختلف منهم اثنان، وإذا روي عن أحد منهم كعبد الله بن الإمام شرف الدين عليهما السلام فليس منهم وإجماعهم هنا مقطوع، ولا يلتفت إلى ما في البدر الساري فله مغالطة كثيرة وقد تقدم رواية القاسم بن إبراهيم عليه السلام ، وهلم جرا إلى خاتمة الأئمة القاسم بن محمد عليهما السلام كل يروي عن أهله الإجماع انتهى كلامه.(1/798)


قلت: أما عبد الله بن الإمام شرف الدين عليهما السلام فقد ذكر في آخر شرحه لمقدمة الأثمار ذلك وصحح إمامة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ، واعترض على أئمة أهل البيت عليهم السلام في إثباتهم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالنص الخفي وقال: إنه لا معنى للنص الخفي، ثم إنه لم يقدر على إنكار إجماعهم على نفس المسألة ولا روى عن أحد من أهل البيت عليهم السلام القول بتقديم المشائخ، بل قال ذلك ترجيحاً واجتهاداً لنفسه، فهو محجوج بالإجماع قبله، فلا يعتد بما هذا حاله، فلا يقدح ذلك في الإجماع السابق قبله وإلا لزم إبطال جميع الإجماعات من السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن جميع الأمة مهما حدث قول يخالفه فيؤديه إلى إبطال حجية الإجماع وهو معلوم البطلان.
هذا وغير خاف أن ثمة كثيراً في زمننا ممن ينتمي بنسبه إلى أهل البيت عليهم السلام وهو يخالف في العقائد في هذه المسألة وغيرها، فلا يعتد بخلافه أيضاً لأنه قد وجد في المتأخرين من يخالف في قواعد العدل والتوحيد والوعد والوعيد فكيف يجعل خلافه قادحاً في الإجماعات السابقة له، فلا يصح الالتفات إليه للوجه الذي ذكرناه وهو لزوم بطلان حجية الإجماع من حيث هي.(1/799)


نعم قد ذكر المخالفون في كتبهم نقلاً عن قدماء أئمتنا عليهم السلام كعبد الله الكامل وولده النفس الزكية وكزين العابدين وولديه الإمام زيد بن علي والباقر وكجعفر الصادق ومن في طبقته من أهل البيت عليهم السلام مما يقتضي بعضه مجرد الثناء على المتقدمين وبعضه تصحيح إمامة المتقدمين وبعضه تفضيلهم على أمير المؤمنين، كما فعل ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق المحرقة ورد عليه السيد العلامة أحمد بن محمد لقمان شارح الكافل رحمه الله تعالى بالبحار المغرقة بما فيه كفاية، غير أنا نقول إنما ذكره ابن حجر لم يكن نقلاً من كتاب مشهور أو منسوب أدنى نسبة إلى من ذكره من أولئك الأئمة عليهم السلام بل أوله بلفظ: وأخرج الدار قطني، ثم عطف عليه بقوله: وأخرج أيضاً إلى آخر ما ذكره، وهذا إذا تأملته لا يقاوم رواية الآل عليهم السلام بالسند إما سماعاً وإما إجازة أو نحوهما من طرق الرواية بعضهم عن بعض وروايات شيعتهم وأتباعهم في كل عصر، كذلك ولأن الدار قطني من المخالفين لنا في هذه المسألة ولأنه تفرد بهذه الروايات ولم ينسبها إلى أي كتاب لهم، فأما روايات أئمتنا عليهم السلام عن سلفهم فينقلونها عن مؤلفات قدمائهم وهي في أيديهم يروونها سماعاً أباً عن أب وكابراً عن كابر وصاحب البيت أدرى بالذي فيه، ولله در شيخنا صفي الإسلام حيث يقول رحمه الله تعالى:
خذ كلَّ قولٍ من كتابِ صاحبِهْ .... أما الذي رُوي فلا تغتَّرَ بِهْ
فكلُّ من قال بشيءٍ قال بِهْ .... يقول هذا مذهبُ الآلِ انتبهْ
وكتبهم كثيرةُ الأطرافِ .... كذلك المنصور وسط الشافي
محققٌ والله ذا لم يوجد .... ولا خلاف بين آل أحمد
حسبي به للمقتدي والمهتدي .... وسل بذلك قاسماً ثم اقتد
وأما الأصل الثاني:(1/800)

160 / 311
ع
En
A+
A-