وأخرج الديلمي عن بريدة قال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بريدة إن علياً وليكم من بعدي فأحب علياً فإنه يفعل ما يؤمر "، وأخرج أبو نعيم وأحمد بن حنبل قال صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها وهي زينة الأبرار الزاهدين في الدنيا "، وفي لفظ: " الزهد في الدنيا جعلك الله تعالى لا ترزأ من الدنيا شيئاً ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً "، وفي رواية أحمد: " وطوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب فيك " ذكره في تفريج الكروب بثلاث روايات ولم يذكر صحابيه إلا في أحدها، فذكر عن ابن المغازلي عن عمار رضي الله عنه لكن ليس فيها: ووهب لك حب المساكين إلى آخره.
وأخرج أبو نعيم قال صلى الله عليه وآله وسلم: " مرحباً بسيد المؤمنين وإمام المتقين " فقيل لعلي عليه السلام : كيف شُكرك قال: أحمد الله على ما آتاني وأسأله الشكر على ما أولاني وأن يزيدني مما أعطاني.
وأخرج ابن المغازلي عن أبي أيوب خبراً طويلاً فيه: " يا فاطمة إن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع إليها ثانيةً فاختار منها بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصياً، أما علمت يا فاطمة أن لكرامة الله إياك زوجك أعظمهم حلماً وأقدمهم سلماً وأعلمهم، فسرت بذلك واستبشرت عليها السلام إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نبينا أفضل الأنبياء، ووصينا خير الأوصياء" إلى آخر الخبر، وروى صدره إلى قوله: واتخذه وصياً، الخوارزمي في فصوله عن أبي أيوب أيضاً.(1/791)
وفي أنوار اليقين وعن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من قبل الله عز وجل فيقول الله عز وجل: أين محمد بن عبد الله؟ فأخرق الصفوف مثل العروس تزف إلى كريمها فأوقف بين يدي الله عز وجل، فيقول الله: يا محمد إني اتخذتك حبيباً وأيدتك بعلي بن أبي طالب إلى قوله: ثم ينادي مناد هذا وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. إلى آخر الخبر.
وفيه أيضاً وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : "أعطيت تسع خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة واثنتان لك وواحدة أخافها عليك، فأما الثلاث التي في الدنيا: فإنك وصيي وخليفتي في أهلي، وقاضي ديني" إلى آخر الخبر.
وأخرج أحمد والديلمي وابن المغازلي عن سلمان وابن المغازلي عن أبي ذر، وابن المغازلي عن جابر واللفظ لسلمان: سمعت حبيبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل يسبح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم فلما خلق آدم ركّب ذلك النور في صلبه فلم نزل في صلبٍ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ففيّ النبوة وفي علي الخلافة ".
وأخرج الحسكاني عن علي عليه السلام مرفوعاً: " شركائي الذين قرنهم الله بذكره وبي وأنزل فيهم ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ? قلت: يا رسول الله من هم؟ قال: أنت أولهم "، وأخرج عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " من أراد أن يسلك سبيل النجاة ويعتصم بحبل الله المتين فليأتم علياً، ثم بالهداة من ولده فوعزة ربي إنه لباب الله الذي لا يؤتى إلا منه ".
وأخرج ابن المغازلي الشافعي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " تختموا بالعقيق الأحمر فإنه أول حجر شهد لله بالوحدانية ولي بالنبوة ولعلي بالوصاية ولولده بالإمامة ولشيعته بالجنة ".(1/792)
فهذه خمسون حديثاً وقد علمت أن رواتها بين موالف ومخالف، وأنه لم ينفرد الشيعة بروايتها فيتطرق إليها القدح ممن أراد العناد، وكم غيرها في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الكرام مما يدل على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل، وهذا الضرب في التحقيق هو أقوى الأدلة على ذلك لأن ما تواتر معناه لا تتطرق إليه تآويل متأول ولا إنكار مجادل، فهو كجود حاتم وشجاعة علي عليه السلام ونحو ذلك من المنقولات التي تفيد القطع بثبوتها في ذاتها ونحوها في المسائل الفرعية ثبوت الأذان عنه صلى الله عليه وآله وسلم ووجوب الفطرة بل دونها بمراحل، إذ لا تجد مسألة قطعية ولا ظنية أصولية ولا فروعية ورد فيها من السنة على الجملة ما ورد في هذه المسألة التي نحن بصددها، ولهذا قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام: وكل واحد منها أي من نصوص إمرة المؤمنين ونصوص لفظ الإمامة والخلافة موصلاً إلى العلم، لأنها وإن كانت أدلة شرعية فقد لحقت بالعقليات في القوة انتهى كلامه والمسك ختامه.
فيلتق الله امرء عرف أن المنقلب إلى الله يوم يُدعى كل أناس بإمامهم وأن الخصومة بين يديه حين يعلم الظالمون ذل مقامهم.(1/793)
والعجب كل العجب من مشائخ الاعتزال حيث دانوا أن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على إمام بعده قط دع عنك مشائخ الأشعرية وغيرهم من فرق الجبرية مع قولهم: بخلق الأفعال، وإن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، فقد حكموا للكفار بإصابة ما أراده الله منهم واختار فلينتظروا لهم جنات تجري من تحتها الأنهار إنما تفوق سهام الجدال في هذه المسألة ونحقق أقسام الاستدلال والمجادلة إلى أهل التحقيق والتدقيق في الأصولين أعني المعتزلة كيف أنكروا معنى هذه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وقد رأيت أيها المسترشد أن كلها دائرة بين صريح أو ظاهر في الإمامة أو في الوصاية أو في الولاية أو في الخلافة أو وليكم بعدي أو الأعلمية أو الأفضلية فأنكر مشايخ الاعتزال دلالة جميع ذلك وأصروا على إنكار النص فيما هنالك ? فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ?وبأي آيات الله يمترون، وقد قال شيخنا رحمه الله تعالى في معنى هذا ولله دره:
واخصص بتعنيفك كل مسأله .... انفردت بخلفنا المعتزله
إذ أنكروا من أحمد ما فعله .... يوم الغدير شاله وفضله
على أولي الأحلام والأخلاف .... قل يا شيوخ العلم والتحقيق
ما بالكم حدتم عن الطريق .... إلى محل السحق والمضيق؟
وردتم الهوى في عتيق .... لما تركتم منهج الإنصاف(1/794)
على أنهم قد قرروا في أصول الفقه أنه لا يصح الاجتهاد والاستحسان إلا بعد فقد الدليل السمعي صريحه وظاهره ومنطوقه ومفهومه ومقيده ومطلقه، ثم أنه يجب أن يراعى في الاستحسان قضية العقل في تلك الحادثة ثم الأنسب ثم الأحوط، فكيف عاملوا هذه المسألة من بِدَّة مسائل الشريعة بمعاملة خلاف الأصول، وكيف حكموا فيها بصحة ما صادم تلك الأقسام أجمع من المنقول والمعقول، ولا غرو إذا أنكروا أدنى دليل على إمامة الوصي فأكثر منهم من أنكر نبؤة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بالغوا في نفيها وعدم ثبوتها أكثر مما بالغ هؤلاء في نفي أختها، فقالوا مظهرين الإنصاف وإمعان النظر والانقياد للحق لو ظهرت لهم آية ما حكاه الله بقوله: ?وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ?{الأنعام:37}، فانظروا في هذه المبالغة في نفي وإنكار وجحد جميع معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى بالغوا في ذلك بأنه لو كان معه آية واحدة يسيرة تدل على صدقة لما خالفناه، فأكذبهم الله سبحانه وتعالى على جهة الاستفهام التوبيخي ولاستنكار الضروري الذي لا يوجه إلا إلى من جحد الضرورات وحاول دفع المعلومات فقال عز قائلاً: ?أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ?{العنكبوت:51}.
هذا وغير خاف على الناظر بعين البصيرة أنه لا حامل لمنكر أدلة نبوة سيد المرسلين ومنكر أدلة إمامة أخيه سيد الوصيين إلا حسدهما على الأمر والرئاسة والطمع في التولي على الخلق والسياسة كما قال السيد الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد عليه السلام في البسامة:
فقل لمن رام للأسبابِ معرفةً .... وربما تُعرفُ الأسبابُ بالخبرِ
حب الرياسة أطغى الناسَ فافترقوا .... حرصاً عليها وهم منا على صَدَرِ
لا يقال: وأين مشائخ الاعتزال من هذا الشأن وبينهم وبين الوصي مئتين من السنين والأزمان؟(1/795)