وأما الموضع الثاني: وهو في الاستدلال بالحديث على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام فتحريره أن يقال: قد أثبت صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام منه جميع ما هو ثابت لهارون من موسى عليهما السلام ولم يستثن إلا النبوة، فيجب أن يدخل كلما عداها تحت الحكم الثابت لعلي عليه السلام كما كان ثابتاً لهارون، فيدخل في ذلك كونه خليفته عند مغيبه لقول موسى لأخيه هارون ?اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي?{الأعراف:143}،وكونه شريكه في الأمر لقوله ?وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي?{طه:32}، وكونه وزيره لقوله ?وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِيoهارون?{طه:30،29}، وكونه أخاً لقوله ?هَارُونَ أَخِي?، وكونه يشد به أزره لقوله ?اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي? {طه:31}، وكونه أفضل الأمة بعده بالإجماع أنه لم يفضل أحدٌ على هارون من أصحاب موسى، فيجب أن يكون علي عليه السلام أفضل الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه أحب الناس إليه وأقربهم لديه بل نَزَّلَهُ صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة نفسه الشريفة، ومنزلة رأسه من جسده، ومنزلة زره من قميصه، فأي درجة ومرتبة أعلى من هذه الدرجة في الفضل والتكريم، وأي مثل يضرب لذي العقل السليم.
ومن هذا الضرب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما " فإنه متلقى بالقبول عند جميع العترة بل جميع الأمة، والمتلقى بالقبول بمنزلة المتواتر في إفادة العلم بصحته وثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيأتي وجه الاستدلال به على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام في كلام المؤلف عليه السلام على إمامة الحسنين عليهما السلام.(1/781)


وأما الضرب الثاني: وهو ما تواتر معناه دون لفظه، فأحاديث كثيرة لا حصر لها وهي بين دالة على إمامته عليه السلام وبين دال على أفضلته على غيره، وبين كونه أعلم الأمة، وبين كونه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم، وكل ذلك يقتضي ثبوت إمامته وتقديمه على غيره وبطلان إمامة من تقدمه، إذ لا يجوز أن يعدل إلى الناقص مع وجود الكامل عقلاً وشرعاً.
أما عقلاً: فذلك معلوم إلا لمانع ولا مانع هنا سوى إرادة تقديم الغير.
وأما شرعاً: فلقوله تعالى: ?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ?{يونس:35}، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ولَّى رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين ".
ولنتبرك بذكر شطر يسير من ذلك، أخرج الفقيه العلامة إبراهيم بن محمد الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه إشراق الإصباح عن محمد بن علي الباقر عن آبائه عليهم السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم: " خذوا بحجزة هذا الأنزع فإنه الصديق الأكبر والهادي لمن اتبعه، من اعتصم به أخذ بحبل الله، ومن تركه مرق من دين الله، ومن تخلف عنه محقه الله ومن ترك ولايته أضله الله، ومن أخذ بولايته هداه الله " ذكره في تفريج الكروب قال: وعلى فصوله شواهد .
وأخرج أيضاً عن جرير بن عبد الله: " علي أول الناس إسلاماً، وأقرب الناس رحماً، وأفقه الناس في دين الله، وأضربهم بالسيف، وهو وصيي ووليي وخليفتي من بعدي يصول بيدي، ويضرب بسيفي وينطق بلساني ويقضي بحكمي، ولا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا كافر، وهو علم الهدى " ذكره أيضاً في تفريج الكروب.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن أسعد بن زراره عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " أوحى الله إلي في علي ثلاثاً أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ".(1/782)


وأخرج أيضاً عن جابر: " علي إمام البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والترمذي وقال حسن صحيح غريب، وابن أبي عاصم والبغوي والباوردي وابن قانع والطبراني في الكبير وسعيد بن منصور عن حبشي بن جنادة السلولي قال صلى الله عليه وآله وسلم: " علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ".
وأخرج البخاري من حديث طويل في تبليغ سورة براءة: " علي مني وأنا منه ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ".
وأخرجه أحمد بن حنبل عن أبي جنادة السلولي وأبو داود والترمذي، وإذا كان لا يؤدي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أحد غير علي عليه السلام شيئاً من الشرع في حياته فكيف بتولي جميع الشرع والأمر بعد وفاته.
وأخرج الدار قطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي بن أبي طالب باب حطة من دخل منه كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً ".
وأخرج الديلمي عن أبي ذر قال صلى الله عليه وآله وسلم: " علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي حبه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ".
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين قال صلى الله عليه وآله وسلم " علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي ".
وأخرج الخطيب عن جابر قال صلى الله عليه وآله وسلم: " علي خير البشر فمن أبى فقد كفر ".
وأخرج الخوارزمي وابن المغازلي عن ابن عباس مرفوعاً: " علي مني مثل رأسي من بدني " فكيف يصح التقدم على من هو رأس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فوجود علي عليه السلام فيهم كوجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فكما لا يجوز التقدم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شيء، فكذلك علي عليه السلام بعده صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز التقدم عليه في شيء.(1/783)


وأخرج المرشد بالله عليه السلام وأبو الشيخ عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ألا أخبركم من إذا اتبعتموه لم تهلكوا ولم تضلوا؟ قالوا: بلى، قال: علي بن أبي طالب وعلي عليه السلام إلى جانبه فقال: وازروه وناصحوه وصدقوه. ثم قال: جبريل عليه السلام : أمرني بالذي قلت لكم ".
وأخرج أيضاً عن ابن عباس قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي غرسها ربي بيده، فليتول علي بن أبي طالب وأوصياءه، فهم الأولياء والأئمة من بعدي أعطاهم الله علمي وفهمي، وهم عترتي من لحمي ودمي، إلى الله عز وجل أشكو مِنْ ظَالِمهِم من أمتي والله لتقتلنهم أمتي لا أنالهم الله شفاعتي ".
وأخرج الإمام أبو طالب عن ابن عباس أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في آخر حديث طويل: " يا أم سلمة أسمعي وأفهمي هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين وعيبة علمي وباب الذي أوتى منه والوصي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أمتي أخي في الدنيا ورفيقي في الآخرة ومعي في السنام الأعلى فاشهدي يا أم سلمة أنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ".
وأخرج المرشد بالله في الأنوار عن أبي ذر " قلت: يا رسول الله من يلي الأمر بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: علي بن أبي طالب ".
وأخرج الفقية حميد والثعلبي خبر البساط وفيه: " وإنا لا نكلم بعد الموت إلا نبياً أو وصي نبي ".
وأخرج الإمام زيد بن علي، والناطق بالحق، والمرشد بالله عليهم السلام عن علي عليه السلام مرفوعاً: " أنت أخي في الدنيا والآخرة وأقرب الخلائق مني في الموقف، منزلي يواجه منزلك في الجنة كما يتواجه منزل الأخوين في الله وأنت الولي، والوزير، والخليفة في الأهل والمال والمسلمين وفي كل غيبة ".
وأخرج محمد وابن المغازلي عن عمران بن حصين مرفوعاً: " انتهيت ليلة أُسري بي إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إلي في علي أنه إمام المتقين وسيد المسلمين ".(1/784)


وأخرج الناصر للحق والحاكم أبو سعيد خبر أسد بن غويلم وفيه: " من يبرز إلى هذا المشرك وله على الله الجنة والإمامة من بعدي "، فبرز علي عليه السلام فقتله وقال بعد ذلك:
ضربتُه بالسيفِ وسطَ الهامهْ .... بضربةٍ صارمةٍ هذامهْ
فبتكتْ من جسمِه عظامَه .... وثبتت من أنفِه إرغامَه
أنا عليٌّ صاحبُ الصِّمصامَه .... وصاحبُ الحوضِ لدى القيامَه
قد قال إذ عممني العمامَه .... :أنت أخي ومعدنُ الكرامَه
ومن له من بعديَ الإمامهْ
وأخرج الناطق بالحق عن أبي ذر مرفوعاً: " وصيي وأعلم من أخلف بعدي علي بن أبي طالب ".
وأخرج القاسم بن إبراهيم، والناصر للحق، وعبد الرزاق، وابن المغازلي خبراً طويلاً فيه: "وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت وصيي وتبري ذمتي".
وأخرج أبو يعلى، والبزار، وأبو الشيخ، والخطيب والحاكم وابن الجوزي عن علي عليه السلام : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي فممرنا بحديقة فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة فقال: لك في الجنة أحسن منها حتى مررنا بسبع حدائق، فلما خلى له الطريق اعتنقني وأجهش باكياً فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك إلا من بعدي. وفي بعض الروايات: أما إنه ليس بينك وبينها إلا مغيب شخصي ".
وأخرج القاسم وعبد الرزاق عن عبد الله بن مسعود: تنفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصعداء فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي يا بن مسعود. فقلت: استخلف. فقال: من؟ قلت: أبا بكر، فسكت ثم تنفس الصعداء، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ فقال: نعيت إلي نفسي. فقلت: استخلف. قال: من؟ قلت: عمر. فسكت، ثم كذلك في عثمان، ثم عبد الرحمن، ثم طلحة، ثم الزبير، ثم قلت: علي بن أبي طالب قال: وأخرته لعلمي فيه فقال: والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين ".(1/785)

157 / 311
ع
En
A+
A-