وبعد فقد بينا أن ثمة قرينة عقلية لا يتطرق إليها إنكار معاند ولا جحد جاحد، وهي توقيفه صلى الله عليه وآله وسلم السفر وهم الآلاف العديدة في شدة الحر إلى آخر ما مر ذكره.
وبعد فقد بينا أن كلمة مولى قد صار السابق منها إلى الفهم والاستعمال في العرف أنها بمعنى المالك والأَوْلَى، فلا يقدح حينئذ عدم ذكر تلك الزيادة لو لم تذكر أصلاً.
وبعد فقد بينا أن اللفظ المشترك إذا لم توجد قرينة معينة لزم حمله على جميع معانيه الصالحة في المقام، وإلا لزم إهماله وإلحاقه بالهذر إن لم يحمل على شيء وهو كلام حكيم لا يجوز فيه ذلك أو التحكم إن حمل على معنى معين بلا قرينة كما فعله الخصم وهو باطل إجماعاً.
ومنها أن قالوا: ليس للأمة ولاية فيما أمره إلى الأئمة من إقامة الحدود وأخذ الزكوات ونحو ذلك، فلا تصح المشاركة بينهم وبين علي عليه السلام في ذلك، ثم يقال هو أولى لأنه اسم تفضيل يقتضي المشاركة وزيادة.
والجواب: أنه يلزم مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا خلاف أنه صلى الله عليه وآله وسلم أولى بكل مؤمن من نفسه ولقوله تعالى: ?النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ?{الأحزاب:6}، وفي نحو قوله تعالى: ?وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ?{الأحزاب:6}، يلزم مشاركة الأجانب لأولي الأرحام في ميراث مورثهم، ويزاد لذوي الأرحام، ولا قائل به فما أجابوا به فهو جوابنا.
وبعد فليست هذه القاعدة مطردة لقوله تعالى: ?وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ?{البقرة:221}.
ومنها أن قالوا:إن الخبر لو كان يفيد معنى الإمامة لاقتضاها في الحال، لأن الفاء للتعقيب.(1/776)


والجواب: أن الإجماع خصص زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا إمام مع وجوده، فتبقى الدلالة على ما بعد زمانه صلى الله عليه وآله وسلم بحالها إذ لا موجب لمنعها بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ومما يدل على ذلك أن الحاضرين قد فهموا مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إثبات الإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام بعده صلى الله عليه وآله وسلم قول حسان بن ثابت رحمه الله تعالى:
يناديهُمُ يومِ الغديرِ نبيُّهُم .... بخمٍ وأَسمع بالنبي مُناديا
يقول: فمن مولاكُمُ ونبيُّكُمُ .... فقالوا: ولم يُبْدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيَّنا .... ولن تَجِدَنْ منا لأمركَ عاصيا
فحينئذٍ نادى علياً وشاله .... بيمناه حتى صار للقوم باديا
وقال له قم يا علي فإنني .... رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليُّهُ .... فكونوا له أنصارَ صدقٍ مَواليا
هناك دعا اللهم وال وليَّه .... وكن للذي عادى علياً معاديا
وقال عمرو بن العاص، والحق ما شهدت به الأعداء:
وكم قد سمعنا من المصطفى .... وصايا مخصصةً في علي
وفي يومِ خُمٍّ رقى منبراً .... يقول بأمر العزيزِ العلي
فمن كنت مولاً له سيداً .... علي له الآن نعمَ الولي
وقال: ألا وليكم فاحفظو .... ه كحفظي فمدخلُهُ مدخلي
وقال أيضاً في قصيدة له مستهلها:
بآل محمد عُرفَ الصوابُ .... وفي اثنائهُم نزلَ الكتابُ
وهم حججُ الإله على البرايا .... بهم وبجدهم لا يُسترابُ
ولا سيما أبا حسنٍ عليا .... له في المجد مرتبةٌ تُهَابُ
إلى أن قال:
وضَرْبَتُهُ كبيعتِه بخمٍ .... معاقدهُا من الناسِ الرقابُ
وقال السيد الحميري رحمه الله تعالى:
ويومُ الدوحِ دوحُ غديرِ خمٍ .... أبان له الولايةَ لو أُطيعا
ولكن الرجال تبايعوها .... ولن أر مثلَها شيئاً مَبيعا(1/777)


ومن شعر الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في هذا المعنى:
فَعُد عن المنازلِ والتصابي .... وهاتِ لنا حديث غديرِ خُمِّ
فيا لك موقفٌ ما كان أسنى .... ولكن مَرَّ في أذانِ صُمِّ
لقد مال الأنامُ معاً علينا .... كأن خروجَنا من خلفِ رَدْمِ
ومن قول الصاحب ابن عباد رحمه الله تعالى في ذلك:
ابسط إذا شئت غديرَ خمِ .... وأقراه في آذانِ قومٍ صُمِّ
قد قنعوا من جِدِّهِم بذمِ .... والذنبُ للوالدِ أو للأمِ
وللحقير غفر الله زلته قصيدة طويلة في شأن حديث الغدير وما جرى لأمير المؤمنين من التأخير له والاستبداد عليه يوم السقيفة، ووقعة الجمل وحرب المارقين والقاسطين وقصة فدك، ومقتل أمير المؤمنين عليه السلام مستهلها:
نزلت دموعُ الكون ظلت تهمعُ .... فغدت جفوني بالدموعِ تَدَفَّعُ
فتزاحم الدمعان في حالِ اللقاء .... كُلٌّ يعاجلُه النزولُ ويُسْرِعُ
إلى قوله:(1/778)


قيل اكففا يا مقلتا هذا الفتى .... ما إن لنا من مأرب يتطَمَّعُ
مهلاً فهذا الزهرُ يكيفه الندا .... فسلوا دموعَ العينِ أن لا تهمعُ
فأجابت العينان مهلاً إننا .... نشكوا إليكم فانصفونا واسمعوا
ما دمعنا للزهرِ يزهوا إنما .... أسفاً على ذاك الإمام الأنزعُ
أن لا يراعى حقه من صنوه .... إذ قام في ذاك المكان يجمعُ
والصحبُ بين يديه كم من صامتٍ .... لا يعتريه الشكَّ فيما يسمعُ
من كنت مولاه فهذا حيدرٌ .... مولاه في ذا الأمرِ فاستمعوا واعوا
ودعا الإله بمسمع فيْهم ومر .... أى فاسألوهم يخبروكم أجمعُ
يا حبذا يوم الغدير فكم هوت .... لسماعه الأملاكُ جاءت تسرِعُ
يا حبذاك النص لولا أنه .... سمعته آذان كأن لا تسمعُ
هل كانت الآذان صَمَّا أم بها .... وَقْرٌ وهل حُجُبٌ عليها تمنعُ
كلا ولكن كيف أمرك نافذٌ .... فيمن هواك لنفس أمرك يطمعُ
قد بلغ المختار أمرَ إلهه .... في ذلك اليوم المنير الألمعُ
قد قال بخّاً ذلك الشيخ الذي .... أضحى ببرديها معاً يتلفعُ
قد كان حُكماً ثابتاً لو لم يكن .... يوم السقيفة ناسخٌ ومجمعُ
تباً لكم أكذا أمرتم سابقاً .... أم أمره فيكم إليكم يَرجعُ
أنسيتمُ بخّاً له إذ قلتموا .... أصبحت مولانا وأنت الجامعُ
هل كان جِدَّاً أم مزاحاً قولكُم .... نجري عليكم حكمَه المتنوِّعُ
إن قلتم جِدَّا كفانا قولكم .... حَكمَاً وبرهاناً عليكم يُرفعُ
أم مازحين فويلكم أبأحمدٍ .... أم بالوصي فمن لهذا يَصنعُ
يا لائمي جِبْ عنهمُ في فعلهِمْ .... وأبن ليَّ النهجَ المنير الألمعُ
[ و ] من هذا الضرب ما تواتر من لفظه [ مما يدل على ذلك ] أي على إمامته عليه السلام [ من السنة: خبر المنزلة، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". ]، والكلام في هذا الحديث يقع في موضعين: أحدهما: في صحته وتواتره عنه صلى الله عليه وآله وسلم، والثاني: في دلالته على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام :(1/779)


أما الموضع الأول: فلا خلاف بين أهل النقل والأخبار والمحدثين في صحة هذا الحديث وتواتره، وقد نقل الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي، والإمام المنصور بالله الحسن عليه السلام في أنوار اليقين بعض طرق هذا الحديث من رواية الموالف والمخالف، وكذلك صاحب المحيط رحمه الله تعالى رواه بأسانيد عديدة إلى جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الحاكم الحسكاني رحمه الله تعالى: قال شيخنا أبو حازم خرجته بخمسة آلاف إسناد، وفي الأساس وشرحه ما لفظه: وهذا الخبر متواتر مجمع على صحته عند الموالف والمخالف فيه عن الكتب المشهورة الصحة عند المخالفين أربعون إسناداً من غير رواية الشيعة وأهل البيت عليهم السلام ذكره المنصور بالله عليه السلام ، ثم قال: والخبر مما علم ضرورة الخ ما ذكره، وفي زيادات شرح الأصول للإمام أبي طالب عليه السلام قال: أجمع المسلمون على قبوله وتلقيه والعمل به، وقال السيد صاحب شرح الأصول من ساداتنا من ادعى أن الخبر متواتر، وفيهم من قال: إنه متلقى بالقبول ذكر ذلك القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج، وقال الحاكم بن البَيِّع رحمه الله تعالى: هذا حديث دخل في حد التواتر وذكر مخرجيه يطول ذكر ذلك عنه شيخنا رحمه الله تعالى، وقد ذكر في الإرشاد الهادي كثيراً من طرقه ورواياته من رواية أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي وابن ماجه وأبي داود والنسائي في سننهم وغيرهم من المخالفين والموالفين بما يطول ذكره إلى أن قال حاكياً عن الأمير المؤلف عليه السلام ما لفظه: وهذا مجمع على صحته وغير مختلف في ثبوته وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".(1/780)

156 / 311
ع
En
A+
A-