قلت: وهو محمول على التفسير كقراءة ?فصيام ثلاثة أيام متتابعات?. وذكره في الإرشاد الهادي عن الشيخ أبي الحسين يحيى بن الحسن البطريق في كتابه العمدة في عيون صحاح الأخبار عن جعفر بن محمد عليهما السلام بلفظ: لما نزلت قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ? الآية الكريمة أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
فثبت بذلك أن الآية نزلت أمراً له صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد تأولها الرازي بما معناه: ? بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ? في فضيلة علي بن أبي طالب دون إمامته.
قلنا: فضيلته عليه السلام لا تحاج في العلم بها إلى مثل هذه العناية العظيمة من إنزال هذه الآية الكريمة وجمع الخلق في شدة الحر وتوقيفهم عن السفر بأمر قد علم للكافة، فإن لم يعلم فلا ثمرة للعلم به على مذهب الخصم أن غيره أفضل منه، وأن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو فلان ثم فلان ثم فلان ثم علي عليه السلام ، إذ صار لا معنى لتبليغ الفضيلة له عليه السلام مع ثبوت الأفضلية والإمامة لغيره، بل كان الأحق والأوجب نزول هذه الآية ونصب ذلك المحفل العظيم فيمن فضله وقدمه المخالف لو كان لذلك أصل في الدين الحنيف والشرع الشريف، فلم يبق إلا أنها نازلة في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .(1/771)
يزيده وضوحاً قوله تعالى: ?وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ?، لأن عدم تبليغ الفضيلة لعلي عليه السلام دون الأفضلية والإمامة لا يبلغ التقصير به مبلغ التقصير بهما، لأن بعلم كافة المسلمين والكفار والمنافقين أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد نصب بعده خليفة وإماماً يعلم ثبوت الدين واستمراره وبيأس الكفار والمنافقين عن تغييره وزواله بخلاف مجرد العلم بالفضيلة فليس فيه هذا المعنى، ولهذا أن الرازي والزمخشري لما لم يذهبا إلى إمامة علي عليه السلام بآية: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ? وخبر الغدير عكُر عليهما تفسير ?وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ?.
فقال الرازي: هو تهديد بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يبلغ جميع الشرع فما بلغ الشرع كقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة حيث متى قيل فيه أنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه فكذا هاهنا، فإن لم تبلغ رسالاته فما بلغت رسالاته يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ فكان ذلك تنبيهاً على غاية التهديد والوعيد انتهى.
وقال الزمخشري: ?وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ? وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك فما بلغت رسالاته، فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها، فكأنك أغفلت أداء جميعها كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها الخ ما ذكره.(1/772)
فانظر إلى ضعف هذين التأويلين الصادرين عن مثل هذين الإمامين حيث حملا الآية على معنى مستسمجين، مستسمج عند العامة والخاصة وعند الذوق السليم، وهو أن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت جميع ما أنزل إليك من ربك، إذ هو في معنى قولك لمن فعل جميع ما أمرته به وفرغ منه على الكمال: افعل جميع ما أمرتك به وإن لم تفعله فما فعلته. وهذا لا معنى له إلا إذا قصد أمره به ثانياً حتى إذا لم يفعله ثانياً نزل فعله أولاً بمنزلة عدم فعله وليس هذا مراد في الآية ولا قائل به، فأما على تأويل أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم الأعلام فمعنى الآية واضح على أبلغ وجوه الفصاحة والبلاغة إذ يصير المعنى: بلغ ما أنزل إليك من ربك في إمامة علي عليه السلام وإن لم تفعل هذا الأمر المخصوص فما بلغت جميع رسالاته، لأنك إذا مت ولم تنصب خليفة وعلماً يقتدى به بعدك ويقيم الحدود وينفذ الشرائع ويحفظ بيضة الإسلام عن تناول الأعداء من الكفار والمنافقين والجهال الطغام ضاع ما بلغته من الرسالة بأسره وهذا معلوم، فإنه إذا لم يكن ثمة إمام عالم عارف قائم بحفظ الإسلام وكف أيدي الأعداء اللِّئام وجهل الجهال الطغام عن تناوله وتأويله بخلاف ما أريد به ضاع الدين وتعطلت أحكامه وتغيرت رسومه ولله القائل:
من لم يكن آلُ النبي هُدَاتُهُ .... لم يأتِ فيما قالَه بدليلِ
بل شبهةٌ وتوهمٌ وخيالةٌ .... ومقالةٌ تنبي عن التضليلِ(1/773)
وأيضاً فإن ما قاله أئمتنا عليهم السلام هو الموافق والمناسب لما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اليوم العظيم والمحفل الجسيم من جمع الناس، وما قاله في تلك الخطبة من أولها إلى آخرها وقد مرت حتى قال: "ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم". بخلاف ما ذكره المفسران المذكوران، فلم يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير العمل بمقتضاه وهو تبليغ جميع ما أنزل إليه من ربه، إذ لم يتل عليهم ذلك اليوم جميع القرآن ولا أعاد تعريفهم بجميع الشرائع والأحكام، ولله القائل:
لهوى النفوسِ سريرةٌ لا تعلمُ .... كم حارَ فيها عالمٌ متكلمُ
إلا أن الزمخشري لم يذكر أنها نزلت في يوم الغدير، فلا يرد عليه هذا لكنه وإن قدرنا نزولها في غير ذلك اليوم، فكان بمقتضاها يلزم أن الرسول يجب عليه إعادة تبليغ جميع ما أنزل إليه على حسب ما ذكرنا سيما على ما ذكره أهل النقل والتفاسير أن المائدة آخر ما نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينقل عنه ذلك في أي يوم قدرنا نزولها فيه، على أن في كلام الزمخشري التهافت بل التناقض ما لا يخفى على من تأمله حيث بنى الكلام في أول البحث أن المعنى: بلغ جميع ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت جميع ما أنزل إليك، ثم أخذ في تعليل ذلك وتصحيحه بأن قال: وذلك لأن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداء جميعها كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لا يؤمن بكلها، فهذا كما ترى يفيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتبليغ شيء خاص فإن لم يبلغ بخصوصه كأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ الرسالة بأصلها، ومهما حملت الآية على الأمر بتبليغ شيء خاص لم يكن ثمة ما يشار إليه سوى إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .(1/774)
وقد اعترض المخالفون استدلال أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بحديث الغدير باعتراضات واهية عاطلة، وصرفوه إلى معان خافية باطلة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، لكن يحسن ذكر شيء منها إكمالاً للفائدة لأن بمعرفة ضعف متمسك الخصم يزداد الحق اتضاحاً ويخسأ الباطل ويولي الدبر افتضاحاً.
وقد ذكر الإمام المنصور بالله عليه السلام صنو المؤلف عليه السلام في أنوار اليقين جملة ما اعترض به المخالفون وردها بأبلغ رد، فلنذكر من ذلك ما هو الأقوى عند الخصم ليعلم ببطلانه بطلان ما عداه.
فمنها أن قالوا: إنه لم يتواتر من الحديث إلا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه " دون ما عولتم عليه من القرينة المعينة في أوله وهو قوله: " ألست أولى بكم من أنفسكم؟ وفي آخره اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله "، فلم ينقل على حد نقل: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وإذا كان كذلك لم يصح الاعتماد على هذه القرينة لأنها آحادية.
والجواب: أن هذا مباهتة وإنكار لما هو معلوم بالنقل المتواتر، فإن أكثر من روى الحديث يرويه بتلك الزيادة في أوله وآخره ومن لم يروها معه لم ينكرها وإنما روى ما حفظ أو ما سمع مع أن لفظة: "من كنت مولاه فعلي مولاه". نقلت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالها في مواضع متعددة، وإنما نقلت الزيادة المذكورة في حديث الغدير فلعل الراوي روى ما سمع من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غير يوم الغدير، وذلك لا يقدح في ثبوتها واتصالها بحديث الغدير.
وبعد فلو سلمنا أنها لم تنقل في حديث الغدير على حد نقله فذلك غير قادح في الاستدلال لأنه لا يلزم أن ينقل البيان على حد نقل المبيَّن كما ذلك مقرر في موضعه من أصول الفقه، ولذلك أن أكثر الواجبات والمحرمات القطعية وردت في الكتاب مجملة وبينتها السنة بين آحادي ومتواتر بل الأكثر الآحادي.(1/775)