لأنا نقول: المراد من الاستدلال هو أن لفظة: مولى، ولفظة: ولي، يفيدان مطلق التصرف، ثم كان عاماً في جميع الأمة فيما أمره إلى الأئمة يسمى صاحبه إماماً وإلا فلا، ولما أكمل الله سبحانه وتعالى الدين بتبليغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعده أنزل الله تعالى في ذلك اليوم: ?الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا?{المائدة:3}، كما أخرجه أمير المؤمنين في الحديث المرشد بالله عليه السلام ، وابن شاهين، والحسكاني عن أبي هريرة موقوفاً والسبيعي والحسكاني مرفوعاً: " من صام ثماني عشر ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهراً "، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقال عمر: بَخٍ بَخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة "، فأنزل الله ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا? الخبر.
وأخرج محمد بن منصور ومحمد بن سليمان خبراً فيه لما نزلت هذه الآية: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا?، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الله أكبر على كمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي ثم قال: من كنت مولاه " الخبر.(1/766)


وأخرج الحاكم أبو القاسم والسبيعي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام : " نزلت آية ذكري وذكرك فيها سواء?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ? بالنبي ?وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي?بعلي " وفي لفظ: بالوصي ?وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا?{المائدة:3}، بالعرب، وخرجه الحاكم من طرق وألفاظ ذكر ذلك شيخنا رحمه الله في سمط الجمان، وقد ذكر جماعة من المفسرين نزولها في يوم عرفة، وذلك لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن الدين يوم عرفة ما قد كان كمل تبليغه لأن أكثر مناسك الحج إنما أخذت من فعله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان بقي منها المبيت بمزدلفة والدفع منها قبل الشروق، والمرور بالمشعر، ورمي الجمار في الثلاثة الأيام، وطواف الزيارة والوداع، والعمرة بعد الحج للمفرد وإن كانت ندباً فهي من الدين المحتاج إلى التبليغ والبيان.
لا يقال: بل قد كانت هذه المناسك عرفت للناس من العام السابق الذي قد كان أمر أن يحج بالناس فيه أبو بكر، والذي قبله من الأمير بمكة وهو عَتَّاب بن أَسِيد الأموي لما نصبه صلى الله عليه وآله وسلم عاملاً بمكة وخرج إلى الطائف وحنين في شوال عام الفتح.
لأنا نقول: هب أن الأمر كما ذكرت، فمن الجائز أن يفعل ما فعل الأموي من المناسك وما أمروا به الناس عن اجتهاد منهم أو استناد إلى ما جرت به العادة في الحج قبل الهجرة ولا يمتنع طروء نسخ، وأكثر المسلمين إنما حضروا في عام حجه صلى الله عليه وآله وسلم وحديثوا عهد بالإسلام، فكان الدين بالنسبة إلى أكثرهم لم تكمل لهم معرفته، لذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: " خذوا عني مناسككم "، على أن من الدين بل من أجله وأعظمه إمامة أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام ولم يكن قد بُين إلا على سبيل الإجمال المأخوذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم " الحديث، فلا يصح حمل الآية على أنها نزلت في يوم عرفة.(1/767)


ثانيهما: لما ذكره الرازي وأبو السعود في تفسيرهما أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعش بعدها إلا إحدى أو اثنين وثمانين يوماً وذلك يطابق نزولها يوم الغدير لا يوم عرفة فذلك تسعون يوماً فتأمل، وقد نقلا ذلك عن أهل الآثار والأخبار فيكون حُجَّةً على نزولها يوم الغدير لا يوم عرفة.
وأيضاً فإنه معارض برواية أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم من المحدثين وأهل النقل أنها نزلت يوم الغدير، وبالتعاريض يتساقط القولان إن لم يكن الجمع أو الترجيح، والترجيح هنا ممكن بما ذكرنا من الوجهين المذكورين، وبأن رواية الأئمة ومن وافقهم أرجح لأنهم أحد الثقلين الواجب اتباعهما، وهذا واضح لمن أنصف.
وبعد فالحكم بنزول الآية يوم الغدير أنسب منه بنزولها يوم عرفة لأن أولها?الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ?، لأنه لم يكن في يوم عرفة ما لأجله يئس الكفار، إذ ليس فيه سوى تعريف بعض المناسك ووعظ الأمة بخلاف يوم الغدير ففيه نصب الخليفة بعده القائم بالدين كما هي سنة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام فكان في ذلك أياس الكفار. ولما رواه المرشد بالله عليه السلام بإسناده إلى جعفر بن محمد الباقر عليهما السلام وما بعث نبياً إلا أقام وصيه في مثل هذا اليوم، ولأن أهل الكتاب كانوا يعرفون أن من سنن المرسلين عليهم السلام نصب الأوصياء بعدهم حججاً على أممهم، فلو لم ينصب صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام بعده إماماً لرجوا بطلان دين الإسلام، فلما نصب بعده وصياً وإماماً يئسوا من بطلان دين الإسلام.(1/768)


وبعد فإذا اختلف في إسناد حادثتين إلى زمنين أو أكثر فالأصل عدم التقدم، فيحكم بنسبتهما إلى الزمن الأخير لأنه لا خلاف ولا قائل بتأخرها عنه، ومدعي التقدم عليه يلزمه البرهان ولا برهان له إلا روايته مع أنه المنازع، فلا يصح ولا يمكن تقدير صحتها إلا مع بطلان ما يدل على التأخير، وقد قامت الأدلة عليه بما ذكرنا أو بتقدير تكرر النزول، ويحمل الأول على مقاربة الإكمال فهو مجاز، والثاني على التمام الحقيقي وفي ذلك ثبوت مقالتنا وإلى الله المصير.(1/769)


وأما قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ?الآية، فقد ذكر الرازي ذلك في تفسيره وقال: ولما نزلت هذه الآية أخذ صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " قال: وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي، وقد ذكر ذلك المرشد بالله عليه السلام بإسناده إلى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره صاحب كتاب الكامل المنير بإسناده إلى أبي الطفيل ذكره صنو المؤلف عليهما السلام، وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: قال الحاكم رحمه الله: والمروي عن جماعة أنها نزلت هذه الآية: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ? فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بغدير خم فقال: " ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. فقام عمر فقال: بَخٍ بَخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة "، وقد ذكره في شرح الأساس بصيغة الجزم ولم ينسبه إلى أحد، وذكره في تفريج الكروب ونسبه إلى تفسير الثعلبي عن أبي جعفر محمد الباقر عليهما السلام بلفظ: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?، في علي عليه السلام وقال: هكذا نزلت.(1/770)

154 / 311
ع
En
A+
A-