ووزيري وخليفتي على أمتي، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف علياً. ثم أرسل يده فقال: يا علي اكتب ما أوصيتهم به عليهم كتاباً. فلما أن كتب وأشهد الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغهم ذلك اليوم أخذ الكتاب وقال لهم بصوت له عال: أيها الناس هل بلغتكم ما في هذا الكتاب؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد وكفى بك شهيداً. ثم رفع صوته فقال: أقيلكم. فقالوا: نعوذ بالله ثم بك يا رسول الله من أن تقيلنا أو نستقيلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اشهد إني قد جعلت علياً عَلَماً يعرف به حزبك عند الفرقة هاك يا علي. فناوله الكتاب "، ذكر هذه الرواية صنو المؤلف عليهما السلام الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين في أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين إلا أولها فمن سيرة ابن هشام وغيرها.
وقد روي حديث الغدير هذا من طرق مختلفة عديدة يرويها الموالفون والمخالفون بحيث لا تناكر بين أهل العلم والنقل في ثبوته وإن اختلفت ألفاظهم ورواياتهم وبعضهم يرويها أبسط من بعض، فلا تناكر بينهم في موضع الاحتجاج من الحديث [ وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال له عمر: بَخٍ بَخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ]، ودلالة الحديث على المراد ظاهرة لأنه نص صريح في المراد، إن قلنا: إن كلمة مولى صارت في عرف الاستعمال مختصة بمالك التصرف كما قال الأخطل في عبد الملك بن مروان:
فأصبحتَ مولاها من الناسِ كُلِّهِمْ .... وأحرى قريشُ أن تهابَ وتُحمدا
أو ظاهرة إن قلنا: إنها بمعنى الأَوْلَى كما قال الآخر:
فعدتْ كلا الفرجين تحسبُ أَنَّهُ .... مولى المخافةِ خلفُها وأمامُها(1/761)


أو قلنا: إنها باقية في حد الاشتراك. فتحمل على جميع المعاني المحتملة في هذا المقام، فيدخل مع ما ذكر الموُدِّ، والنَّاصِر، وهذا هو الأولى إن لم توجد قرينة معينة، وأما مع وجودها فالدلالة تصير صريحة، وقد وجدت القرينة هاهنا من جهة المعنى ومن جهة اللفظ:
أما من جهة المعنى: فلأنه كلام حكيم لا يمكن أن يحمل على فائدة قد علمت مما قبل هذا الموقف، ويقطع الناس عن سفرهم في قائمة الظهيرة، ويقف بهم في شدة الحر ليخبرهم بأن من كان الرسول موده وناصره فعلي كذلك لخلو هذا المعنى عن الفائدة وعن الخصوصية لعلي عليه السلام ، لأن كل مؤمن يجب عليه مودة المؤمنين ونصرتهم، وللإجماع على أن أمير المؤمنين عليه السلام له فضيلة ومرتبة شريفة بحديث الغدير وإن اختلف هل الإمامة داخلة فيها كما هو قول أصحابنا أم لا كما هو قول المخالف، وأيضاً فلا معنى لتهنئة عمرٍ أميرَ المؤمنين بذلك، والحال أن المؤمنين جميعهم بعضهم أولياء بهذا المعنى الذي زعمه المخالف، فهاهنا قد وجدت قرينة بل قرائن تدل على أن المراد هو ما قلناه من أن المولى بمعنى -مالك الأمر- دون ما زعمه الخصم.
وأما من جهة اللفظ: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أول الحديث مقرراً أنه ولي أمر المؤمنين: "ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى. فلما قرروا ما استفهم عنه وهو كونه صلى الله عليه وآله وسلم ولي أمرهم جعل علياً عليه السلام بهذه المثابة فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله". وهذا الدعاء لا يصلح ولا يستعمل إلا في الدعاء لولاة الأمر دون أفناء الناس فيقال: رحمه الله، رضي الله عنه ونحو ذلك، وهذا واضح لمن أنصف دون من عاند وتعسف ولله القائل:
ونَهْجٌ صحيحٌ واضحٌ لمن اهتَدى .... ولكنها الأهواءُ تهوى فَتُتْبَعُ(1/762)


يزيده وضوحاً ما ذكره عليه السلام بقوله: [ وروينا عن ] الإمام [ المؤيد بالله ] أحمد بن الحسين بن هارون عليهم السلام بإسناده المذكور في أماليه إلى الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليهم السلام، عن محمد بن منصور المرادي رحمه الله تعالى، عن علي بن الحسن ابن علي الحسيني والد الناصر، عن إبراهيم بن رجا الشيباني قال: قيل لجعفر بن محمد: ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟ فاستوى جعفر قاعداً ثم قال: سئل عنها والله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد حذف المؤلف أكثر هذه الجملة اختصاراً وضمنها قوله [ بإسناده إلى الصادق جعفر بن محمد الباقر أنه سئل عن معنى هذا الخبر، فقال: سئل عنها والله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "الله أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم لا أمر لهم معي، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي، فعلي مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه" ] ومثل هذا ذكره الفقيه حميد الشهيد رحمه الله تعالى في العمدة بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهم السلام ذكره شيخنا رحمه الله تعالى.(1/763)


فهذا كما ترى تفسير وتبيين للحديث من قائله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه صلى الله عليه وآله وسلم لا يبقى معه ريب لمنصف ولا شغب لمتعسف، وقد أقسم جعفر بن محمد عليهما السلام وهو الصادق بلا نزاع والبار التقي عند المخالفين والأتباع قَسَماً صريحاً بالله تعالى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن معنى هذا الحديث، وأنه أجاب بذلك الجواب الذي لم يبق معه متمسك لأي مرتاب، ومن المعلوم أنه لا يجوز للصادق عليه السلام ولا لغيره أن يقسم على شيء إلا وهو يعلمه يقيناً، وأنه لا يجوز الحلف على مجرد الوهم والظن فلا بد أن ذلك قد تواتر له عليه السلام أو علم له من جهة إجماع العترة عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن معنى الحديث وأجاب بذلك الجواب.(1/764)


وهذا وما تقدم من ما ذكره الإمام الحسن صنو المؤلف عليهما السلام في روايته لخطبة الغدير بطولها من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس أطيعوا قولي واحفظوا وصيتي وأطيعوا علياً فإنه أخي ووزيري وخليفتي على أمتي، فمن أطاعه فقد أطاعني ومن خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف علياً. وقوله في آخرها: اللهم اشهد إني قد جعلت علياً يعرف به حزبك عند الفرقة. نصوص جلية لا تحتمل التأويل بأي وجه وهي وإن كانت آحادية فبانضمامها إلى المتواتر وغيره مما يفيد إمامة أمير المؤمنين يصير الجميع متواتر المعنى بلا ريب كما أشار إليه عليه السلام إلى معنى هذا بقوله [ وإذا ثبت ذلك ] الإشارة إلى نفس حديث الغدير، وما رواه المؤيد بالله عن الصادق من تفسيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ فإنه يفيد معنى الإمامة، لأنا لا نعني بقولنا: فلان إمام إلا أنه أولى بالتصرف في الأمة من أنفسهم، ] وهذا واضح في الدلالة على المراد [ و ] أيضاً فإنما قلنا: إن ذلك يفيد معنى الإمامة [ لأن ] لفظ [ المولى ] لا [ يفهم منه ] إلا [ ملك التصرف، ] كما مر من الاستشهاد على أنه صار حقيقة عرفية في ذلك ببيت الأخطل
فَأَصْبَحَتَ مولاهَا من الناسِ كُلِّهِمْ .... وأحرَى قُريشُ أن تُهَابَ وتُحْمَدَا
و [ كما يقال: هذا مولى العبد أي المالك للتصرف فيه، وهذا يفيد معنى الإمامة كما تقدم. ] في الاستدلال بالآية هذا ولي المرأة وولي مال اليتيم -أي المالك للتصرف عليهما-.
لا يقال: يلزم على هذا أن يسمى مولى العبد وولي المرأة وولي مال اليتيم أئمة لأنهم يملكون التصرف.(1/765)

153 / 311
ع
En
A+
A-