وقوله تعالى: ?إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ?{الرعد:7}، المروي فيها عن جماعة من أن المنذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والهادي علي عليه السلام ، وقد أخرجه الحاكم في شواهد التنزيل عن كثير من الصحابة، وأخرجه أحمد بن حنبل، وابن عقدة، وعبد الله بن أحمد، والحاكم أبو سعيد، وأخرجه الحاكم الكبير عن بريدة، وأخرجه أبو بكر السبيعي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ذكر ذلك شيخنا رحمه الله تعالى، وفي الدر المنثور للسيوطي ما لفظه: وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال: لما نزلت ?إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ?، وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره فقال: " أنا المنذر، وأومى بيده إلى منكب علي عليه السلام فقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي "، وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إنما أنت منذر ووضع يده على صدر نفسه ثم وضعها على صدر علي ويقول: لكل قوم هاد "، وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا المنذر والهادي علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: ?إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ? قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا المنذر وأنت الهادي"، وفي لفظ: والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه انتهى.(1/756)


دلت هذه الأحاديث والأخبار أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الهادي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن يكون متبوعاً لا تابعاً لقوله تعالى: ?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ? {يونس:35}.
وقوله تعالى: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ? الآية{المائدة:3}، وسيأتي الكلام عليها مع حديث الغدير.
وكذلك قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ?{المائدة:67}، لنزولهما يوم الغدير وتعلقهما بذلك الحديث المنير، وغير هذه الآيات مما يدل على إمامة أمير المؤمنين في القرآن كثير والقصد ما يفيد ذلك، وفيما ذكر يغني عن الإكثار مما هنالك.
قال عليه السلام [ وأما السنة، ]
فهي أيضاً على ضربين: ضرب تواتر لفظه، وضرب تواتر معناه، وهو القدر المشترك بين هذا الضرب وبين الضرب الذي قبله وبين كلي الضربين من الكتاب حسبما مر ومؤدى الجميع واحد، وهو حصول القطع بأن أمير المؤمنين هو الإمام عقيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل.
أما الضرب الأول:
[ فخبر الغدير، ](1/757)


وهو موضع قريب الجحفة بين مكة والمدينة نزل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرجعه من حجة الوداع يوم ثامن عشر ذي الحجة سنة عشر من الهجرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وكان في أوائل ذلك العام أرسل أمير المؤمنين إلى اليمن، فلما أراد صلى الله عليه وآله وسلم التجهيز للحج كتب إليه أن يوافيه إلى مكة، وكتب صلى الله عليه وآله وسلم إلى الآفاق: أنه حاج من عامه فمن أراد أن يشاهد حجه فليواف إلى مكة، وتجهز معه صلى الله عليه وآله وسلم جل الصحابة، فقام خطيباً في يوم عرفة ويوم النحر يعظ أمته صلى الله عليه وآله وسلم ويعرفهم مناسكهم، وقد اجتمع في ذلك الموسم جم غفير حتى أنه خطبهم على ناقته وهم حوله فما كان يبلغ صوته أقصاهم بل يسمعه أدناهم ويبلغه إلى الأقصى، وفيهم كثير من الأخلاط والمنافقين ومن هو حديث عهدٍ بالإسلام، وقد أمر الله تعالى أن يبلغ في علي عليه السلام كما في بعض الروايات نزلت: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?، في علي عليه السلام يوم عرفة فرأى صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ في أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم إجمالاً، ولم يصرح بذكر علي عليه السلام تداركاً من أن يجاهر برد مقذع أو تكذيب لما في صدور قريش وهوازن على أمير المؤمنين عليه السلام بسبب قتله أشرافهم ورؤسائهم ببدر وحنين وغيرهما وقال: "أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، وفي بعض الروايات: كتاب الله وسنتي وأنكم ستردون عَلَيَّ الحوض فأسألكم عن الثقلين فأحف بكم في السؤال. واتكل في عدم ذكره أمير المؤمنين عليه السلام بخصوصه بما يعلم من الحال أنه إذا قد حرضهم وبلغهم وجوب اتباع أهل بيته من بعده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المعلوم أنه لا يصلح للإمامة عقيب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم أحد(1/758)


منهم غير أمير المؤمنين كون الحسنين إذ ذاك قاصران عن درجة البلوغ، فقد علم أن علياً عليه السلام هو الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم فاستغنى بهذا النص الضمني فأنزل الله تعالى عليه: ?فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ?{هود:12}، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وهو ذاعر لما نزلت هذه الآية، فلما وصل الجحفة وكان منها تفرق الطرق إلى البلدان النائية كخيبر وغيرها أنزل الله تعالى عليه: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ?{المائدة:67} فلم يستجز بعدها أن يمضي حتى يبلغ إلى الناس ما أنزل إليه في علي قبل تفرقهم، فأمر بالتعريس تحت دوحات عظام حول غدير ماء هنالك بواد يقال له: خم، وقمم ما تحتهن من الشوك، وأمر بجمع الناس إليه فاجتمعوا، قال جابر رضي الله عنه: وكنا اثني عشر ألف رجل، وفي رواية أبي الطفيل: من غفاري ومهاجري وبدوي وحضري حتى امتلأ الدوح، وبقي أكثر الناس في الشمس يقي قدميه بردائه من شدة الرمضاء. وفي بعض الروايات: أَنَّ مِنَّا لَمن يضع نصف ردائه تحت قدميه ويرد بقيته على رأسه من شدة حر الشمس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن اللطيف الخبير نبأني أنه لم يعش نبي قط إلا نصف عمر الذي قبله، وإني أوشكت أن ادعى فأجيب وأنتم مسئولون، ألا هل بلغتكم ما أرسلت به إليكم فما أنتم قائلون؟ فقالوا: والله لقد بلغت ونصحت فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل تشهدون أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، وأن الجنة حق والنار حق. قالوا: نشهد بذلك. فرفع يده صلى الله عليه(1/759)


وآله وسلم ثم وضعها على صدره، ثم قال: وأنا أشهد بذلك اللهم اشهد. ثم قال: ألا لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولا غير مواليه، ألا ليس لوارث وصية، ولا تحل الصدقة لآل محمد، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، أيها الناس ألستم تشهدون أن الله مولاي ومولى المؤمنين وأنا أولى بكم من أنفسكم، قالوا: نشهد إنك أولى بنا من أنفسنا. قال فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال رجل من القوم: ما يألوا ما يرفع محمد بضبع ابن عمه، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتغير لذلك وجهه فلما علم ذلك الرجل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علم به واشتد عليه أقبل إلى علي عليه السلام فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي الثانية فقال: أيها الناس اسمعوا ما أقول إني فرطكم على الحوض وإنكم واردون عَلَيَّ الحوض حوضاً أعرض ما بين صنعاء إلى أيلة فيه كعدد نجوم السماء أقداح إني مصادفكم على الحوض يوم القيامة، ألا وإني مستنقذ رجالاً ويختلج دوني آخرون، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنهم أحدثوا وغيروا بعدك، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله سبب ما بين السماء والأرض طرف بيد الله وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، والأصغر منهما عترتي أهل بيتي فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تُعَلِّموا أهل بيتي فإنهم أَعلَم منكم، ولا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تتولوا غيرهم فتضلوا، أيها الناس أطيعوا قولي واحفظوا وصيتي، وأطيعوا علياً فإنه أخي(1/760)

152 / 311
ع
En
A+
A-