وأما تسمية من تمسك بهذه الآية على إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بأنهم روافض ولعنه لهم بلا احتشام ولا تخوف من آثام، فالمتمسكون بالآية إن لم يسلم لهم أن أولهم علي عليه السلام لم يقدر أن ينكر أن ذلك هو مذهب أولاده العترة النبوية والسلالة العلوية، فهو في الحقيقة يرفض ويلعن أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين افترض الله عليهم مودتهم فأتى بنقيض ما فرض عليه في حقهم، وكذلك لا يقدر أن ينكر أن ذلك مذهب شيعتهم الكرام وهم شيعة علي عليه السلام ، فإذا كان الرازي وأمثال الرازي يسمون شيعة أمير المؤمنين الروافض ويلعنونهم ولا يرتضون أن يدخلون في عداد شيعته كانوا إذاً من أعدائه، لأن الله تعالى قابل الشيعي المحب بالعدو البغيض حيث يقول في موسى عليه السلام والرجلين اللذين يقتتلان ?هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ?{القصص:15}، فأما تسمية العترة وشيعتهم روافض، فلينظر أي الفريقين أحق بهذا الاسم ولله القائل رحمه الله تعالى:
سميتم الآلَ والأتباعَ رافضةً .... ورفضُكم سابقٌ يا عصبةَ البُكُمِ
أما رفضتم أميرَ المؤمنين أبا السبـ .... طين فارج كرب الطهر والغَمَمِ
أخرتموه وربَّ العرشِ قَدَّمَه .... رفضاً لحكمِ إلهِ الخلقِ والحِكَمِ
إلى أن قال:
أما رفضتم بني المختار قاطبةً .... أهلُ الفضائلِ والمعروفِ والهِمَمِ
كم تارك فيكمو قول النبي بِأَنَّـ .... ـي تَاركٌ فيكُمْ نُورَيْن للبُهْمِ
إلى أن قال:
فكم ألوف لكم تأليف قد رُقِمَت .... لم تذكروا الآل فيها قط بالقلمِ
ولم رفضتم علوم الآل وهي لَكُمْ .... لو تعلمون شفاءً من لَوَى السَّقَمِ
فالرفض وسمتكم قام الدليل به .... إذ ليس ذا منكم أنجى ذي حُلمِ
وأما اللعن فلسنا نقابله بمثله بل نصبر وإن كان ذلك جائزاً لقوله تعالى: ?وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ? {النحل:126}.(1/751)
ثم قال الحجة السادسة: هب أنها دالة على إمامة علي عليه السلام لكنا توافقنا أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال، لأن علياً ما كان نافذ التصرف حال حياة النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أنها تُحمل الآية على أنها تدل على أن علياً سيصير إماماً بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت.
قلنا: بعد التسليم على أنها دالة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لا يصح لكم القول بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان إلا بمخصص قطعي من صريح آية، أو خبر متواتر، أو إجماع الأمة إجماعاً متواتراً لم ينقل ما يبطله من نزاع وشقاق وتهديد وتوعد ووعيد على عدم البيعة لأبي بكر، كيف والأمر في ذلك كله بخلافه كما سيأتي الكلام على صفة العقد لأبي بكر، وقد ذكر بعد ذلك حجتين هما في التحقيق يعودان إلى ما قد ذكر فلا حاجة لنا في التطويل بذكرهما.
وأما الضرب الثاني: من الآيات الدالة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام :
فقوله تعالى: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ?{الصافات:24}، أخرج محمد بن سليمان، ومحمد بن شاهين والحكام أبو عبد الله وأبو سعيد وأبو القاسم، وأبو نصر العباسي، وابن المغازلي عن أبي سعيد قال صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله عز وجل ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ? قال: " عن ولاية علي" عليه السلام . وأخرج الإمام المرشد بالله عليه السلام ، وأبو عبد الله الجبري، وابن ماتى عن ابن عباس موقوفاً في الآية قال: عن ولاية علي بن أبي طالب. وفي لفظ للحسكاني عن أبي سعيد: عن إمامة علي عليه السلام . وأخرجه الحافظ بن عقدة والإمام أبو الفتح في البرهان.(1/752)
ونحو ما أخرج محمد بن سليمان من طريق أبي حاتم عن أنس قال صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ?{الحجر:92}، قال: عن ولاية علي بن أبي طالب ذكر هذا كله شيخنا رحمه الله تعالى في سمط الجمان.
وفي أنوار اليقين ما لفظه: وأما قولنا: وآية الوقوف للسؤال فنريد بذلك ما روى أبو الأحوص عن إسحاق في قوله: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ?، عن ولاية علي بن أبي طالب.
وما رويناه عن ابن عباس في قوله تعالى: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ? عن ولاية علي بن أبي طالب، وما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة أقف أنا وعلي على الصراط فما يمر بنا أحد إلا سألناه عن ولاية علي بن أبي طالب، فمن كان معه وإلا ألقيناه في النار " وذلك قوله تعالى:?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ?.
قال وفي كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي ذكره في قافية الواو رفعه بإسناده إلى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ? عن ولاية علي بن أبي طالب" انتهى.
وفي الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ما لفظه: الآية الرابعة قوله تعالى: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ?، أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ? عن ولاية علي "، وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله روي في قوله تعالى: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ?، أي عن ولاية علي وأهل البيت لأن الله تعالى أمر نبيه أن يعرف الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلا المودة في القربى، والمعنى: أنهم يُسأَلون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة انتهى.(1/753)
ودلالة الآية على إمامته عليه السلام ظاهرة لأن الولاية في اللغة السابق منها إلى الفهم ولاية الأمر كما يقال في ولاية عمر بن عبد العزيز ونحو ذلك، فإن حملها المخالف على المودة والنصرة والمحبة، قلنا: الكل صحيح فيسألون عن جميع ذلك وهو الواجب في اللفظ المشترك أن يحمل على الجميع كما تقدم تقرير ذلك.
وقوله تعالى: ?وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ?{الأنفال:75}، ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ظاهر لأن الله تعالى حكم أن أولي الأرحام بعضهم أولى بما هو إليهم من الأجنبي من ميراث أو أمر أو مصرف وقف أو صدقة أو غير ذلك، قال ابن عادل الرومي استدل بهذه الآية على أن علياً أولى من أبي بكر قال: ولا يصح أن يدعى أن أبا بكر من أرحام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه رُدَ يوم براءة لما قال جبريل عليه السلام : " لا يبلغها إلا أنت أو رجل منك ".
وقوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ?{التوبة:119}، روى فيها عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر أن الله تعالى أمر بالكون مع علي عليه السلام وفيه وجوب اتباعه ذكره شيخنا رحمه الله قال: وهذا رواه الحاكم من طرق وابن عساكر وهو في الدر المنثور والمقتدي بغيره لم يكن معه.(1/754)
وقوله تعالى: ?وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىoمَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى?{النجم:ا،2}، أخرج الثعلبي، وابن بابويه في أماليه، ومحمد، والحاكمان أبو سعيد وأبو القاسم، وابن المغازلي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما انقض كوكب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " انظروا هذا الكوكب فمن انقض في داره فهو الخليفة من بعدي، فنظروا فإذا هو قد انقض في دار علي بن أبي طالب "، وفي لفظ: "فهو الوصي من بعدي"، وفي لفظ: "فهو القائم بأمري عليكم"، وفي لفظ: فقال رجال: قد غوى في حب ابن عمه. فنزلت، وله طرق من غير ابن عباس،وفي الباب عن سلمان وزين العابدين والصادق وعلي بن موسى الرضا عليهم السلام.(1/755)