عماله: أن لا تدعوا أحداً يحفظ حديثاً في أبي تراب إلا وأتوني بمعارض له في الصحابة. كما ذكره المدائني وهو في آخر تفريج الكروب عنه وفي غيره من كتب أئمتنا عليهم السلام.
وأما ما احتج به من أن أبا بكر قاتل أهل الردة ومانعي الزكاة، فقد قدمنا أن القتال لا يكون في سبيل الله إلا إذا كان مع إمام حق أو مدافعة عن النفس، ولم تثبت إمامة أبي بكر ولا هو مدافع بذلك عن نفسه والمسألة فرعية، فلا يصح التوصل بالمسائل الفرعية إلى إثبات المسائل الأصولية القطعية ولا بفعل أبي بكر إلى تصحيح إمامته على أنا نقول: إن قتال أهل الردة إن كان الوصي صلوات الله عليه فيمن قاتل أو أمر أو أجاز بطل الاحتجاج لأنه ولي الأمر وصار أمر أبي بكر في ذلك لغواً إن لم يكن له أثر أو استظهاراً إن كان، وإن لم يكن فيهم ففي جوازه نظر لأن علي عليه السلام مع الحق والحق معه فحيث تركه عليه السلام يحتمل أنه تركه لقيام غير الإمام به، ويحتمل أنه لا يجب على الإمام إلا مع تمكنه وهو عليه السلام غير متمكن حيث لم يصر الأمر بيده، ويحتمل، ويحتمل، ويحتمل.
وبعد فإن مذهب المخالف في الفروع أنه يجوز غزو الكفار إلى ديارهم مع غير إمام، ولعل هذا من ذاك فكيف يتوصل به إلى صحة إمامة فاعله؟!
وأما قتاله مانعي الزكاة: فمانعي الزكاة على ضربين كما هو مذكور في كتب التواريخ والأخبار:(1/746)
أحدهما: أصحاب مالك بن نويرة اعتقدوا أن الزكاة أمرها إلى الإمام ولم يعتقدوا إمامة أبي بكر، فجمعوا زكواتهم إلى رئيسهم مالك بن نويرة فأمرهم أو فرقها على فقرائهم، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد وجهز معه من جهزه من العساكر حتى غلبوهم وقتلوا فيهم وقَتَلَ مالك بن نويرة فتزوج خالد امرأته ودخل عليها بليلتها ولم تمض عليها عدة، فأشار عمر على أبي بكر بعزل خالد وتأديبه فيما ارتكب من المعصية فلم يساعده أبو بكر إلى ذلك! وإذا كان الأمر كما ذكر فكيف يعد ذلك مندوحة لأبي بكر؟ وما هي إلا مظلمة وسيئة يعظم وزرها عند الله ويدوم عارها عند خلقه.
والضرب الثاني: هم بنو حنيفة اعتقدوا أن الزكاة أمرها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مدة حياته وليس فيها ولاية للإمام بعده، لأن ظاهر الآية يقضي بذلك حيث قال سبحانه: ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها?{التوبة:103}، وقوله: ?وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ?{التوبة:103}، فقالوا: ليست صلاة أبي بكر سكناً لنا فلا يلزمنا نسلمها إليه، فقاتلهم أبو بكر، وفي جواز قتالهم مع كونهم متولين نظر، وقد كان الواجب أولاً دعاؤهم إلى الحق ومناظرتهم حتى تزول شبهتهم كما كان يفعله الوصي عليه السلام في قتاله من بغى، وما كان ينبغي مبادرتهم بالقتل والحكم عليهم بأنهم أهل ردة إلا لو أنكروا وجوب الزكاة أصلاً.
وأما قوله: إن جهاد أبي بكر أكمل من جهاد أمير المؤمنين عليه السلام . فذلك محض البهت والافتراء، واحتجاجه على ذلك وإن كان من أول البعثة وتصغيره جهاد أمير المؤمنين عليه السلام بأنه عليه السلام ما شرع فيه إلا يوم بدر وأحد وقد كان الإسلام قوياً، وقال في جهاد أبي بكر: كان الإسلام في غاية من الضعف والكفر في غاية من القوة.(1/747)
فنقول: وأي يوم قبل بدرٍ أو بعده اشتهر أو نقل أن أبا بكر نصر فيه الإسلام والمسلمين كما كان من أمير المؤمنين عليه السلام في يومي بدر وأحد فضلاً عن أن ينتقصه عليه السلام ويصغر جانبه بأنه إنما شرع في الجهاد وفي ذينك اليومين العظيم جهاده فيهما، وأي يوم قد كان فيه القتال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل يوم بدر حتى تقول في أمير المؤمنين مصغراً لجهاده أنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد، وهل علمته قعد يوم بدر في ظل العريش كما كان من أبي بكر، أم علمته فر من حنين كما فر أبو بكر بلا خلاف بين أهل التواريخ، أو في يوم أحد كما فر أبو بكر عند بعضهم، وهل بلغك أن أبا بكر برز يوم الخندق وبذل مهجته ليكفي المسلمين شر الشرك كله حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لم يبق عنق مسلم إلا ولعلي فيه المنة " لأنه ما من بيت من المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو بن عبد ود، وما من بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله ذل بقتل عمرو بن عبد ود، أم هل نقل إليك أن الوصي صلوات الله عليه حزن في أي حالة خزن أبي بكر في الغار حتى نهاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسكن روعته بقوله: إن الله معنا. ومَنْ الفَرَّار في اليوم السابق في قتال خيبر ورجع منهزماً مكسوراً، ومن الكَرَّار في اليوم اللاحق حتى فتح الله على يديه وعاد مؤيداً منصوراً، هيهات ضلت الحلوم وتعامت عن درك العلوم أخبرنا عن عدد مقاتيل أبي بكر في الإسلام، فإنك لا تجد له محجمة دم قبل يوم بدر ولا بعده، وحدثنا عن وقائع الوصي مع الكفار والبغاة من الناكثين والقاسطين والمارقين وعن عدد قتلائه من الفئتين أجمعين، فلعلك لا تعرف هذا الشأن ولا متطلع لهذا الميدان، وقد قال الإمام المتوكل على الله عليه السلام في معنى ذلك ولله دره وهو أعرف بأحوال أبيه:
ورآه النبي من أفضل النا .... فأعطاه سَيْفَهُ ذَا الفقارِ
فَتُوفي به ثمانين ألفاً .... من ضِرار البُغَاةِ والكفارِ(1/748)
ولقد أجاد بعض علماء الشيعة رحمه الله تعالى حيث يقول:
بما نُصَر الإسلامُ في عهدِ أحمدَ .... بسيفِ عليٍّ أم بسيفِ أبي بكرِ
فما نُصِرَ الإسلامُ إلا بِسَيْفِهِ .... وما عطلت إلا به مللُ الكفرِ
وأما قوله: إن أبا بكر كان يجاهد الكفار من أول البعثة، ويذب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فلو أن أبا بكر فرج عن بني هاشم إذ كانوا محصورين في الشعب وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قاطعتهم قريش وحاصروهم ومنعوهم الميرة والمحالفة والمبايعة والمناكحة، فلو جاهد أبو بكر الكفار وفرج عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصره وأخرجه هو ومن معه من بني هاشم من الشعب آمنين منصورين لأمكن صحة هذه الدعوى، وما كان الأمر كذلك بل كان أبو بكر إذ ذاك في جوار، لأن المشركين كانوا يؤذون ويعذبون من أسلم حتى يفتنونه عن دينه أو يصبر حتى يجعل الله له مخرجاً إلا من أخذ جواراً من أحد من كبراء المشركين ترك عن الإيذاء والتعذيب، فكان أبو بكر آمناً مطمئناً لمكان الجوار الذي دخل بسببه في منة من أعطاه إياه وحرم لأجله أجر الصبر على ما صبر عليه غيره من سائر المؤمنين المعذبين في الله كبلال وعمار رحمهم الله تعالى، على أنا لا نعد القتال في ذلك الوقت مندوحة لما ذكره الإسكافي رحمه الله تعالى راداً على الجاحظ أو غيره، حيث احتج الجاحظ لنصرته أبا بكر بما ذكره الرازي من مجاهدته الكفار وهو بمكة، فأجاب الإسكافي رحمه الله على الجاحظ بأن الجهاد منهي عنه إذ ذاك لقوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ? الآية {النساء:77}.(1/749)
ثم قال الحجة الخامسة: أن علياً عليه السلام كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا تركه للتقية فإنهم ينقلون أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله تعالى انتهى.
قلنا: بل احتج عليهم بهذه الآية وأوردها في مناشدته يوم الشورى، ولعل الرازي لم يطلع إلا على بعض الروايات المختصرة لأن خبر المناشدة مروي من طرق عديدة مختلفة بعضها أبسط من بعض وقد رواه الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين عليهما السلام في كتابه أنوار اليقين بثلاث روايات أحدها عن أحمد بن موسى الطبري وفي كلها احتجاجه عليه السلام بالآية الكريمة على إمامته عليه السلام وأفضليته، فكيف ساغ له أن يجزم بأن أمير المؤمنين ما تمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته لو لا قلة التحصيل والأمر كما قيل: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء.(1/750)