قلنا: أول ما في هذا الكلام التهافت، وذلك من أدل الأدلة على بطلانه لأنه قال في الآية الأولى: إن المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أزواجكم وأموالكم لأنه لا قائل بأن الأئمة يتصرفون في أزواج المسلمين وأموالهم وإنما إليهم التحاكم في ذلك وقبض الزكوات، فلا يصح أن الله تعالى أراد هذا المعنى في الولاية المنهي عنها لليهود والنصارى لبطلانها من الدين بالضرورة في حق الأئمة المسلمين فبطلانها في حق اليهود والنصارى من باب الأولى، فلم يبق إلا أن المراد لا تتخذوهم ولاة أمر يحكمون في أزواجكم وأموالكم ويجبون الزكوات ونحوها منكم فيجب أن المراد بقوله: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ?، هذا المعنى وهذا ظاهر لكل من أنصف وترك التعصب، فتأمل.
وبعدُ فقد تقرر في أصول الفقه أنه لا مانع من حمل اللفظ المشترك على معنييه معاً إن لم يتنافيا بعد أن هدمنا قاعدة الأشعرية في منع ذلك بلزوم الهذر أو التحكم، وحينئذ فما المانع من أن المراد بالولاية المنهي عنها لليهود والنصارى والذين اتخذوا ديننا هزواً ولعباً من سائر الكفار والمأمور بها المسلمون لله ولمن عطف عليه هي المحبة والنصرة وجعلهم ولاة أمر، فلا معنىً لتفريقه بين معنى الآية السابقة والمتأخرة وبين المتوسطة إلزاماً لنا ما لا يلزمنا بأنه إلقاء كلام أجنبي إلا على زعمه إذ لم نفرق بين معنى الثلاث الآيات البتة.
ثم قال الحجة الثانية: أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب ما كان نافذ التصرف حال نزول الآية إلى آخر ما ذكر في هذه الحجة تركته اختصاراً لأنه في معنى ما ذكر فيما قبلها.(1/741)


قلنا: وكذلك يلزم أن الله تعالى ورسوله لم يكن أحدهما مالكاً للتصرف لا حال نزول الآية ولا بعدها لأنكم نفيتم عنها هذا المعنى رأساً، ولا يصح لكم أن تقولوا هو ثابت لله ولرسوله دون المؤمنين المذكورين في الآية لتأديته إلى تفكيك النَّظْم وتلبيس الكلام، ولا أن تقولوا هو ثابت بما هو معلوم من الدين ضرورة لأنا نقول: وهذا أحد الأدلة السمعية على ذلك.
وبعد فغاية ما في الآية ثبوت التصرف للذين آمنوا دلالة إطلاق أو عموم ولا يمتنع طرو التقييد والتخصيص بأن المراد فيما عدا زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وبعد فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام : " وأشركه في أمري "، وقال فيما رويتم: "واجعل لي وزيراً من أهلي أخي علياً" والوزير يتصرف بجنب الإمام وتنفذ تصرفاته ما لم ينهه عن شيء بعينه أو ينكشف الخطأ، لأن ذلك مقتضى الوزارة عرفاً، ولعله شرعاً كذلك يدل عليه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقض شيئاً مما كان يفعله علي عليه السلام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال فيما حكم به أمير المؤمنين في شأن زبية الأسد: "لا أجد لكم إلا ما حكم به علي" مع أنهم لم يرفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولاً ثم صرفهم إلى علي عليه السلام.
ثم قال الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله:?الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ?، وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
قلنا: حملناه على ذلك لأجل تظافر الأدلة وتطابقها أن المراد بها علي عليه السلام وبطلان القول بأنها عامة لفساد المعنى كما مر تقريره.(1/742)


وبعد فقد ذكرنا فيما مر وجهاً آخراً مصححاً لحمل اللفظ على إرادة أمير المؤمنين وأولاده الأئمة الهادين إلى يوم الدين عليهم السلام كما مر الاستدلال على ذلك فليراجع، فيكون من باب استعمال اللفظ في حقيقته لا في مجازه.
ثم قال الحجة الرابعة: أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ?وَمَنْ يَرْتَدَِّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ? إلى آخر الآية{المائدة:54}، من أقوى الدلائل على إمامة أبي بكر، فلو دلت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لزم التناقض بين الآيتين وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول.
قلنا: هذا باطل من وجهين:
أحدهما: المقابلة وهو أن نقول قد بينا بالبرهان البين أن هذه الآية ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ? من أقوى الدلائل على إمامة علي عليه السلام فلو دلت الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ?{المائدة:54} الآية على إمامة أبي بكر بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لزم التناقض بين الآيتين وذلك باطل، فوجب القطع بأن الآية المتقدمة لا دلالة فيها على أن أبا بكر هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.(1/743)


ثانيهما: النقض لما زعمه من البرهان البين في الآية المتقدمة على إمامة أبي بكر من حيث أن المراد بقوله: ?يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ? هو أبو بكر، ومن حيث أنه قاتل أهل الردة ومانعي الزكاة، ومن حيث أن المراد أن جهاده في الإسلام أكمل من جهاد علي عليه السلام قال لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار في أول البعثة وهناك الإسلام كان في غاية الضعف والكفر في غاية القوة، وكان يجاهد الكفار بمقدار قوته ويذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغاية وسعه، فأما علي عليه السلام فإنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة إلى ما ذكره.(1/744)


فنقول: أما ما ذكرت من أن أبا بكر هو المراد بقوله: ?يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ? فلا نسلم لك لأن في الآية صيغة الجمع وأبو بكر مفرد، وقد بينا أنها في علي عليه السلام وأولاده سيما وقد ذكرت أنت أن بعض المفسرين حملها على علي عليه السلام ، وذكرت حجتهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر:" يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله "، ثم اعترضت الدلالة بأن الحديث آحادي وأنه لا يصح العمل به عند الروافض وأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ثم لم تأتي في أبي بكر حديثاً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، لا آحادي ولا غيره، وما كان يتم لك الاحتجاج إلا لو وضعت حديثاً في ذلك لأنك لا تجد حديثاً بذلك اللفظ في غير علي عليه السلام يرويه موالف ولا مخالف، وأما ما استشهدت به أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله تعالى يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة". وقال: "ما صب في صدري شيئاً إلا وصبه في صدر أبي بكر"، فما ذكرت من أخرجهما فضلاً عن سند متصل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أنهما لا يصحان عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه إن أراد بالتجلي الكناية عن الرضا فلا معين كونه يتجلى للناس عامة لأن فيهم الكافر والفاسق والمنافق ولا معين للرضا عن أبي بكر خاصة، فأما قوله ما صب في صدري شيئاً إلا وصبه في صدر أبي بكر. فأظهر بطلاناً لأنه صب في صدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحكمة والنبوة والعلم بأحوال السماوات والأرضين وأخبار الفتن بعده وقصص الماضين وأحوال المعاد، فكيف يصح أن يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك مع بطلانه قطعاً؟! ولعل هذين الخبرين مما وضعه أهل الإلحاد لتفسيد كلام الرسول بما يلزم من بطلان كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، أو من الأحاديث المأمور بها زمن معاوية اللعين حيث كتب إلى كافة(1/745)

149 / 311
ع
En
A+
A-