وأما الطرف الثاني: وهو في بيان تواتر نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام فقد قال ابن مؤمن الشيرازي: لا خلاف بين المفسرين أنها نزلت في علي عليه السلام ، وقال الإمام الناطق بالحق أبو طالب عليه السلام في كتابه زيادات شرح الأصول ما هذا لفظه: ومنها النقل المتواتر القاطع للعذر أن الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، ونقل ذلك الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي بطرق كثيرة عن الموالف والمخالف كرزين العبدي في الجمع بين الصحاح الستة والثعلبي في تفسيره وابن المغازلي، وذكره الحاكم الإمام أبو القاسم عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني بطرق عديدة، والحاكم المتكلم المحُسِّن بن كرامة الجشمي في كتاب تنبيه الغافلين،وذكره الإمام المرشد بالله عليه السلام من طرق عديدة في الأمالي، ونقل ذلك صاحب المحيط بطرق عديدة كلها بأسانيد متصلة بجماعة من الصحابة وقال في الأساس للإمام أمير المؤمنين القاسم بن محمد قدس الله روحه ما لفظه: إن المعني بقوله تعالى: ?والذين آمنوا ? إلى آخرها علي عليه السلام لوقوع التواتر بذلك من المفسرين وأهل التواريخ وإطباق العترة عليهم السلام وشيعتهم على ذلك، وقد ذكره شيخنا رحمه الله تعالى صفي الإسلام في سمط الجمان بنحو سبع وأربعين طريقاً عمن ذكره من المخرجين تنتهي إلى عشرين رجلاً من الصحابة والتابعين ثم قال: والأئمة كلهم، وذكره شيخه سيدي العلامة وجيه الإسلام عبد الكريم بن عبد الله أبو طالب رحمه الله في كتابه الإرشاد الهادي عن جماعة من علماء المخالفين والموالفين، وذكر عن الأمير المؤلف عليه السلام أنه قال ما لفظه: واعلم أيها المسترشد أنا قد جعلنا الرواية مضافة إلى هؤلاء الرواة ونسبناها إلى كتبهم لاشتهار كتبهم عندهم فإن الصحاح مشهورة والفقهاء عن يد معتمدون على ما فيها، فألزمنا الخصوم قبول رواية أهل مذهبهم وأئمتهم ليكون أبلغ في الاحتجاج وتَنَكَّبنا عن(1/731)


طريق رواية أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الأعلام على اتساع نطاقها وثبوت ساقها، ليعلم المستبصر أن طريق الحق واضحة وأعلامه لائحة، فإذا كان المخالفون يروون في كتبهم أن هذه الآية نازلة في علي عليه السلام مع رواية سائر الموافقين اتضح بذلك الكلام في الوجه الأول وهو أنها نازلة في علي عليه السلام انتهى كلامه والمسك ختامه، وكذلك ذكر صنو المؤلف الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين عليهما السلام في كتابه أنوار اليقين، والسيد المولى العلامة إسحاق بن يوسف بن المتوكل على الله إسماعيل عليهم السلام في التفريج طرقاً كثيرة عن المحدثين.
قلت وبالله التوفيق: وناهيك أيها الطالب أن إمامي التفسير الزمخشري والرازي قد ذكرا في تفسيريهما نزولها في علي عليه السلام وإن ادعى الرازي مشاركة غيره عليه السلام له فيها، وكذلك أبو السعود في تفسيره وإن كان بصيغة التمريض مع أن هؤلاء ممن يخالفنا في هذه المسألة، وكذلك ابن حجر الهيثمي في صواعقه سلم نزولها فيه عليه السلام وإنما نازع الشيعة في دعواهم الإجماع فقال: لا إجماع، ومثله ذكر السيد أحمد دحلان مع أن هذين الرجلين ممن ينتصر لمعاوية اللعين وقد ألفا في وجوب موالاته ومحبته، فلو لم يكن نزول الآية في أمير المؤمنين عليه السلام متواتراً لما أقر به الخصوم.(1/732)


وعلى الجملة أنَّا إذا فرضنا أن اتفاق علماء الموالفين والمخالفين على نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام لا يفيد التواتر ارتفعت الثقة بنقل ما هذا حاله، فلا متواتر حينئذ في تفسير القرآن ولا السنة النبوية لأنه لم ينقل خبر ولا تفسير مثل ما نقل من الأخبار والتفاسير في أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام إلا نحو حديث الغدير والمنزلة وحديث المحبة والبغاضة له عليه السلام ، ونحو: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم"، "وأهل بيتي كسفينة نوح"، وحديث الكساء ونحو ذلك مما يشمله عليه السلام هو وأهل بيته صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين إلى يوم الدين.(1/733)


وأما الطرف الثالث: وهو وجه الاستدلال بالآية على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، فعنده معترك النزاع وفيه مختلف الأنظار بين طائفة الحق وأهل الابتداع، ولو حصل الإنصاف وتركت الأهواء إلى الواجب من الائتلاف لما حصل الاختلاف، لأن الأمر في ذلك أظهر من أن يحتاج فيه إلى مزيد عناية في استخراج المعنى المراد من الآية الكريمة لولا تقديم النزاع والخصام في السقيفة على تجهيز سيد كل نسمة شريفة ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ?{النساء:83}، لكن لما آثروا ذلك على تجهيز المصطفى واغتنموا اشتغال أخيه به صلى الله عليه وآله وسلم صارت هذه المسألة كأنها مما اشتبه أمره واختفى، وليت شعري لو وردت هذه الآية في أبي بكر وعمر هل يعتريهم شك أن يفيد ثبوت الأمر له؟ بلى والله ما يعتري ناظراً في ذلك شك، إذ لا وجه له مع أن المعلوم من الدين ضرورة أن الله سبحانه وتعالى ولي الأمر وكذلك رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فلا وجه لصرف الآية عن هذا المعنى وتطلب معنىً آخر لها مع ثبوته في نفسه بالنظر إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا سبق العقد لأبي بكر، فلو كان ذلك العقد عن أمر الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لكان وجهاً في صرف الآية عن معناها الحقيقي الثابت لله تعالى من قبل ومن بعد ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الوجه الذي يُكَفَّر منكره، [ و ] حينئذ فالواجب فيما عطف على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحمل على ذلك المعنى، إذ لو حمل على غيره لأدى إلى تفكيك النَّظْمِ وضعف الكلام وإخراجه عن قانون الفصاحة والبلاغة وذلك لا يجوز في كلام الحكيم، لأن الآية [ هي ] صريحة في أن الولي هو الله تعالى ورسوله بمعنى: ملك الأمر، فيجب أن [ تفيد معنى الإمامة ] لعلي عليه السلام وهذا(1/734)


واضح بلا ريب ولا تردد.
لا يقال: فيلزم على هذا أن الله تعالى إمام وكذلك الرسول وهو معلوم البطلان.
لأنا نقول: ليست الدلالة مبنية على أن الولي ليس إلا بمعنى الإمام فقط حتى يرد ما ذكره السائل، بل الدلالة مبنية على وجه آخر فيسقط معه الاعتراض بأن قلنا [ لأن الولي هو ] في اللغة وعرفها وعرف الشرع [ المالك للتصرف، ] فإن كان مالكاً للتصرف بالخلق والرزق فهو إله، وإن كان بالإرسال والإنباء فهو نبي، وإن كان بغير ذلك فهو الإمام إن كان تصرفه عاماً وليس فوق يده يد مخلوق، وإنما قلنا: إن الولي هو المالك للتصرف. لأنه معلوم من اللغة ومن الشرع [ كما يقال: هذا ولي المرأة، وولي اليتيم للذي يملك التصرف عليهما ] ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أيما امرأة أنكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل "، وقوله تعالى: ?فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ? {البقرة:282}، أي مالك أمره.
وجه آخر في الاستدلال: وهو أن يقال: سلمنا أن الولي مشترك بين معانٍ، فقد صار في عرف الاستعمال غالباً في ملك التصرف، فلهذا لا يسبق إلى الفهم من قولهم ولي الدار وولي الدابة وولي الصبي إلا المالك للتصرف.
وجه آخر: يجب حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه إن لم تقم قرينة معينة لواحد منها فيدخل مالك التصرف في ذلك، وحينئذ فَلَنَا في الاستدلال مسلكان:
أحدهما: أن نقول إن القرينة موجودة عقلاً، وهي ما قد علم أن الله تعالى مالك للتصرف على عباده وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجب مثل ذلك لعلي عليه السلام .
وثانيهما: أن نقول سلمنا على التنزل عدم القرينة فيجب حمل اللفظ على جميع معانيه فيدخل مالك التصرف، والمُؤَدِّ، والناصر، ولا تنافي بين اجتماعها.(1/735)

147 / 311
ع
En
A+
A-