ويحبونه وليست في أبي بكر وعمر إلا بدعوى الخصم ولأنه تعالى وصف القوم بكونهم ?أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ? وهذا الوصف متحقق في أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام غير متحقق في أبي بكر وعمر مع ما روي عنهما من التهديد لأمير المؤمنين وغيره ممن امتنع من بيعة أبي بكر من بني هاشم وسائر المؤمنين من المهاجرين والأنصار كما ذلك مسطور في كتب التواريخ والأخبار، ولا بد يمر في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى بعض من ذلك.
لا يقال: فقد قلتم: إنها في علي عليه السلام خاصة وهذا يناقض ما ذكرتم من الخصوصية.
لأنا نقول: إن المراد بالخصوصية عدم دخول أحد من المكلفين في الآية حال نزولها غير علي عليه السلام فيخرج عنها جميع الصحابة لا نفس الحسنين وذريتهما الأئمة الهادين بهديهما فليس ثمة دليل على إخراجهم، بل لا يبعد أن المراد بالعدول إلى صيغة الجمع هو إدخالهم ويدل عليه ما تقدم ? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ?، وما ذكر من الأوصاف المذكورة يحبهم ويحبونه إلى آخر ما ذكر.
لا يقال: فالحسنان عليهما السلام وكذلك ذريتهما عليهم السلام لم توجد فيهم تلك الصفة التي اختص بها أمير المؤمنين عليه السلام وهي إخراج الزكاة حال الركوع.(1/726)


لأنا نقول: حصولها من أبيهم كحصولها منهم لما كانوا راضين بذلك، فإن ما فعله الآباء ينسب إلى الأبناء وذلك شائع كثير إذا كان الأبناء يرضونه، ومنه ما أسنده الله تعالى إلى اليهود الموجودين في عصره صلى الله عليه وآله وسلم من قتل الأنبياء عليهم السلام في قوله ?فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ?{البقرة:91}، فثبت بهذا أنه لا مانع من أن السر والنكتة والحكمة في العدول إلى صيغة الجمع إلحاق ذرية علي عليه السلام من الحسنين به عليه السلام ، يزيده وضوحاً أنه أتى بسوف التي تدل على المستقبل مع التراخي ليناول ولاة الأمر من ذرية علي عليه السلام إلى منقطع التكليف لأن الخطاب في قوله: ?يا أيها الذين آمنوا? للصحابة ولمن بعدهم إلى منقطع التكليف، والقصد من الارتداد هو الارتداد عن الحق الذي سيفارقهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليه سواء كان إلى كفر أو إلى فسق وبغي، وهذا هو المناسب لاتصال الآية: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ? بالآية التي قبلها لأنه ينشأ من تلك الآية السابقة لما ذكر فيها من التهديد عن الارتداد عن الحق والوعيد عليه بإتيان قوم صفتهم ما ذكر.
سؤال: وهو أن نقول لو قال قائل فمن الذي تجب علينا متابعته والاقتداء به وبفعله عند الاختلاف بين الأمة في ذات بينهم؟
فأجاب عن هذا السؤال الناشيء: إنما وليكم الله ورسوله والقوم الذين آمنوا، الذين فيهم صفة لا توجد في غيرهم وهو إيتاء الزكاة حال الركوع، وهذا واضح لمن نظر فيه بعين البصيرة.(1/727)


وأما حمل المخالف ما في الآية السابقة على أبي بكر وعمر مع أنه مسلم نزول الأخيرة في علي عليه السلام وكون المخاطب بهما معاً هم المؤمنون لا غيرهم فلا تناسب بين الآيتين، بل المعنى في ذلك متنافر والتنافر من عيوب الكلام المخلة بفصاحته ولأنه لا يتأتى معنى سوف فيهما وذريتهما كما تأتى في علي عليه السلام وذريته لأنه ليس في ذريتهما من قام بالإمامة أصلاً إلا أن عمر بن عبد العزيز ينتسب إلى عند عمر بن الخطاب من جهة الأم وولي مدة يسيرة، والمقصود من الكلام هو أن يكون أئمة هادين ما بقي التكليف، فلا يصح أن يكونا هما المرادان بذلك، فتأمل.(1/728)


ووجه آخر: يمكن أن يكون هو السر والحكمة في العدول إلى صيغة الجمع، وهو أن الله تعالى علم أنه لا بد أن تقع المخالفة على أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سيعضد المخالف الجم الغفير من الأعراب المنافقين ومن أهل المدينة الذين مردوا على النفاق كما قال تعالى: ?وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ? الآية{التوبة:101}، وأن أمير المؤمنين ومن لا يريد مخالفته سيكونون نزراً يسيراً بالنسبة إلى أولئك الجم الغفير من المنافقين ومن المسلمين الذين لم ينافقوا، لكن سيعضدون المخالف لشبهة تطرأ عليهم أو لغرض دنيوي كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر: أشدد له الأمر اليوم ليرده إليك غداً. اقتضت الحكمة شيئاً يسيراً من الإيهام لئلا يكون ما لدى أولئك النزر اليسير قاطعاً على تكفير المخالف ومن أعانه من المسلمين، فيتفاقم الخطب وتعظم الفتنة بين المسلمين حيث يكفر بعضهم بعضاً مع كونهم الجميع تجمعهم صلاة وحج ونبي وكتاب واحد، ويتفرق جمعهم عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتنشق العصا بينهم حتى يتناولهم العدو من الملل الكفرية قبل أن يتقووا ويتسع نطاق الإسلام بما فتح من الأقطار أيام الثلاثة فتنطفىء الشريعة المحمدية وتجهل الأحكام الشرعية حيث يشتغل العلماء من الصحابة رضي الله عنهم عن النظر فيها واستنباطها بالقتال بينهم عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام بقتال الثلاثة مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم بما سيكون منهم من المخالفة حتى تقوت عرى الإسلام وتقررت مسائل الشريعة والأحكام وضبطها أولئك العلماء الأعلام في الدفاتر، وهلك الجم الغفير من أهل النفاق ومضى الثلاثة لسبيلهم، واجتمع المسلمون إلى الإمام فبايعوه طوعاً واختياراً وكانوا بحيث لا تنالهم يد العدو من الملل(1/729)


الكفرية إن اختلفوا فيما بينهم فكان حينئذ ليس في القتال بينهم والاختلاف من المفسدة مثل ما يكون منها في القتال عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
فهذان الوجهان كلاهما حكمة باهرة وسر عظيم في العدول إلى صيغة الجمع ولهذا ذهب كثير من أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم الأعلام إلى أن النص على أمير المؤمنين خفي إذ لا مصلحة في وروده جلياً لكنه عند النظر فيه يعلم المراد منه وهو إثبات الإمامة قطعاً، لذلك أجمعوا أن إمامته عليه السلام قطعية.
فأما قول كثير من الأصحاب رحمهم الله تعالى عند التكلم على صيغة الجمع واقتصارهم على قولهم: وورود اللفظ بصيغة الجمع جائز من دون بيان الوجه الذي لأجله جاز استعمال صيغة الجمع للمفرد.
فغير سديد ولا مقنع للخصم ولا مفيد للمسترشد إلا على جهة التقليد، مع أن ذلك لا يجوز في اللغة إلا لنكتة من تعظيم المتكلم نفسه أو المخاطب المفرد بتنزيل النفس أو المخاطب بمنزلة الجمع أو يستحيل الحكم اللازم لفعل فاعله المفرد على من شاركه بالرضا كما أسند قتل عاقر الناقة إلى ثمود مع أن قاتلها ليس إلا وحداً منهم، فأما من دون نكتة مسوغة فلا يصح، إذ في ذلك نقض قواعد العربية التي ينبني عليها استنباط الأحكام الشرعية، والله أعلم.(1/730)

146 / 311
ع
En
A+
A-