وبقي الكلام بعد هذه الجملة أن يقول طالب الحق: فيلزم كلاً من مدعي إمامة علي عليه السلام أو أبي بكر برهان ما يقتضي صحة دعواه. ولهذا قال عليه السلام محتجاً لصحة ما أجاب به السؤال المذكور [ فإن قيل: هذا ] الجواب المذكور آنفاً وهو أن الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه السلام [ دعوى، ] وحقيقة الدعوى: هو القول المفتقر إلى دليل مع خصم منازع، وحقيقة المذهب: هو الاعتقاد في المسألة المفتقرة إلى دليل وإن لم يكن ثمة خصم منازع، وحينئذ فإقامة بالبرهان معتبر في الدعوى وذلك حالة المناظرة، وفي المذهب وذلك حيث لا مناظر وأراد الإنسان معرفة الحق في المسألة، فإذا قال المناظر أو النفس المجردة من الإنسان عند الاستدلال على المذهب: [ فما برهانك؟ فقل: الكتاب، والسنة، والإجماع. ]والأفضلية والوصاية والعصمة على حسب ما ذكره القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج، وبعض المؤلفين يقتصر على دلالة السنة فقط، وبعضهم عليها هي والكتاب، وبعضهم يضم إليها الإجماع كالمؤلف عليه السلام وأكثر الزيدية والكل صحيح والبعض كاف في الاستدلال.
[ أما الكتاب ]
فآيات كثيرة وهي على ضربين: ضرب متواتر نزوله في أمير المؤمنين عليه السلام ، وضرب آحادي لكن لكثرته وتعدده وشواهد ألفاظه تواتر معناه، وقد ذكر الحاكم رحمه الله تعالى في شواهد التنزيل والإمام المنصور بالله صنو المؤلف الحسن بن بدر الدين عليهما السلام في أنوار اليقين وشيخنا صفي الدين رحمه الله تعالى في كتابه المسمى وغيرهم كثيراً من ذلك:(1/721)
أما الضرب الأول: [ فقوله تعالى: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ? ]{المائدة:55}، والكلام على هذه الآية في ثلاثة أطراف: أحدها: في بيان أن الآية نازلة في أمير المؤمنين عليه السلام خاصة دون غيره. الثاني: في بيان تواتر نزولها فيه عليه السلام . الثالث: في وجه الاستدلال بها على إمامته عليه السلام .
أما الطرف الأول: فيعلم باعتبارين:
أحدهما: ما أشار إليه بقوله [ ولم يؤت الزكاة في حال ركوعه غير علي عليه السلام ] وهذا لا خلاف فيه بين الموالف والمخالف، والمراد أنه لم يؤت الزكاة أحد حال ركوعه فنزل فيه ما نزل فيه عليه السلام ، ويدل عليه ما رواه الفقيه حميد الشهيد رحمه الله في محاسن الأزهار بإسناده إلى عمر بن الخطاب أخرجت مالي صدقة يتصدق بها عني وأنا راكع أربعاً وعشرين مرة على أن ينزل فيّ مثل ما نزل في علي فما نزل. وذكره المتوكل على الله عليه السلام ورواه الشريف الأعظم الإمام الموفق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني عليه السلام بإسناده إلى الحسن قال: قال عمر بن الخطاب الخ، [ وذلك أن سائلاً سأل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال ركوع علي عليه السلام ] وإنما قال [ في الصلاة، ] مع المعلوم أن الركوع ليس إلا في الصلاة إشارة إلى تأويل المخالف أن الركوع بمعنى الخضوع لئلا يلزم التكرار.(1/722)
قلنا: لا تكرار مع كون جملة ?وَهُمْ رَاكِعُونَ? حالاً وقيداً لإخراج الزكاة، فأما حملهم اللفظ على الخضوع فبعيد باطل لأنه إخراج اللفظ عن معناه الحقيقي بلا موجب إلا مجرد المذهب فلا يصح [ وذلك في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يعطه أحد شيئاً، فأشار إليه علي عليه السلام بخاتمه وهو راكع ونواه زكاة، فأخذه السائل ] قال الحاكم في روايته عن المقداد رضي الله عنه: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء أعرابي بدوي متنكب على قوسه وساق الحديث بطوله حتى قال: وعلي بن أبي طالب يصلي في وسط المسجد ركعات بين الظهر والعصر فناوله خاتمه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " وجبت الغرفات " فأنشأ الأعرابي يقول:
يا أولَ المؤمنين كُلَّهُمُ .... وسيدُ الأوصياءِ من آدمِ
قد فُزْتَ بالنَّيْل يا أَبَا حَسَنٍ .... إذ جَادَتِ الكَفُّ منك بالخَاتِمِ
فالجُودُ فرعٌ وأنتَ مَغْرِسُهُ .... وأَنْتُمْ سَادَةٌ لِذَا العَالَمِ
فعندها هبط جبريل عليه السلام بالآية ? إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ? الآية، انتهى من شرح الأساس. [ فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحال، فكانت ] بمقتضى هذا الاعتبار وما فهمه الصحابة كعمر والمقداد وغيرهما [ في علي عليه السلام خاصة دون غيره من الأُمَّةِ ].
لا يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا تحمل الآية على علي عليه السلام وحده وإن كان فعله هو السبب في نزولها، بل تعم كل من يتناوله العموم في صيغة الجمع في قوله ?الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ?.(1/723)
لأنا نقول: إن قوله تعالى: ?وَهُمْ رَاكِعُونَ? حال وقيد للحكم، فالعموم يتناول كل من وجد فيه هذا القيد، ومن المعلوم أنه لم يوجد في غير علي عليه السلام فعلم أن المراد بها علي عليه السلام دون غيره، لذلك قال عمر: أخرجت مالي يُتصدق به عني وأنا راكع أربعاً وعشرين مرة على أن ينزل فيَّ ما نزل في علي فلم ينزل، ولو كانت مراداً بها العموم لاستكفى عمر بذلك ولما احتاج إلى ما فعل بل كان يكفيه دخوله في العموم، قال المنصور بالله عليه السلام : وبالاتفاق أن أحداً من لدن آدم عليه السلام لم يؤت الزكاة حال الركوع إلا علي عليه السلام .
لا يقال: فمقتضى ما ذكرتم يلزم دخول عمر لأنه قد أتى الزكاة وهو راكع فيبطل أن المراد بها علي عليه السلام وحده.
لأنا نقول: إن عمر لم يؤتِ الزكاة في حال ركوعه حقيقة، وإنما أمر بذلك وليس الأمر بالشيء فعل له حقيقة بل مجاز والواجب حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه، وبعد فما المانع من أن يكون المراد حال نزول الآية من قد اتصف بهذه الصفة قبل نزولها لا من سيتصف في المستقبل ولذلك لم يُعد عمر ما فعله بعد نزولها مقتضياً لدخوله في الآية، بل أَمَّلَ أن ينزل فيه مثل ما نزل في علي عليه السلام فما نزل، فبهذا الاعتبار وأجوبة ما يرد عليه من السؤالين المذكورين علم أن المراد بها علي عليه السلام خاصة دون غيره.(1/724)
الاعتبار الثاني: أنا لو حملناها على العموم لفسد معنى الآية الكريمة وكلام الله تعالى يجب أن يحمل على الوجوه الصحيحة دون الفاسدة، وذلك أنا لو قلنا: إنها عامة لكل المؤمنين مع أن المراد بالولي مالك التصرف كما سيأتي تقريره، لصار التقرير إنما مالك أمركم الله ورسوله وكل أحد منكم مالك أمركم أيضاً، وهذا المعنى فاسد بل مستحيل لأنه لا يصح أن يكون كل واحد من المؤمنين مالك أمر المؤمنين، فثبت كون هذه الآية خاصة في أمير المؤمنين دون غيره، فأما ورودها بصيغة الجمع فلا يقدح في الخصوصية إذ لا يمتنع أن لله حكمة في ورودها بصيغة الجمع وإن أريد به الخاص، ويمكن أن تكون الحكمة في العدول إلى صيغة الجمع، الإشارة إلى أن ذرية علي عليه السلام حكمهم حكمه في ملك الولاية على الأمة وتدل على ذلك الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌo إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ?الآية{المائدة:55،54}، فقد روى بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى: ?بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ?: أمير المؤمنين والحسنين، ولا يبعد ذلك لقوله تعالى ?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ?{الطور:21}، وقد زعم المخالفون أن المراد بذلك أبو بكر وعمر ولا وجه له إلا لو صحت إمامتهما، لأن القتال لا يكون في سبيل الله إلا إذا كان مع الإمام أو مدافعة عن النفس، ولأن الله تعالى وصف القوم بصفة هي في أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام موجودة قطعاً بإجماع الأمة وهي كونه عز وجل يحبهم(1/725)