كيفية الانتصاب للإمامة
فاعلم أولاً أن مجرد انتصاب الرجل للإمامة وتصديه لمرتبة الزعامة لا يدل على صحة إمامته، لأن مجرد الوقوع لشيء لا يدل على صحته حتى يعلم موافقته لما أمر الله تعالى به وشرعه على الصفة التي بينها والشروط التي فيه اعتبرها، وإلا لزم صحة ولاية الكفار والظلمة والمتغلبين على أموال اليتامى وغيرهم، ويلزم صحة إمامة المتعارضين المتقاتلين وتصويب كل منهما وجميع ذلك باطل بلا مرية ولا شبهة، فكذلك كلما أدى إليه وهو مجرد انتصاب الشخص للإمامة بلا دليل شرعي على صحة إمامته وحقية زعامته، وقد انتصب في هذه الأمة عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر بن أبي قحافة، واسم أبي بكر: عبد الله ويسمى عتيقاً التيمي نسبة إلى تيم بن مرة، واسم أبي قحافة، عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند مرة بن كعب لأنه صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب.
ثم لما مات أبو بكر انتصب بعده عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رباح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند كعب بن لؤي، فكان نسبه أبعد من نسب أبي بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.(1/716)
ثم لما قتل عمر وكنيته أبو حفص العدوي نسبة إلى عدي بن كعب انتصب بعده عثمان بن عفان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي يلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عبد مناف بن قصي فكان نسبه أقرب من نسب أبي بكر وعمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، فكان نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقرب من الجميع لأنه ابن عمه بل أخوه وصنوه وأقرب الناس إليه، ثم أن غالباً هو ابن فهر بن مالك بن النضر وهو: قريش. الذي جعله المعتزلة والأشعرية ونحوهم منصب الخلافة ومعدن الرئاسة، ولا وجه لذلك يناسب جعل الخلافة في ذريته إلا القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي شرفت قريش بشرفه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشرف هو صلى الله عليه وآله وسلم بشرف قريش، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أشرف الثقلين وسيد الكونين، فيكون الأقرب إليه نسباً مع العلم بما جاء به واتباعه والاهتداء بهديه صلى الله عليه وآله وسلم أولى الناس بمقامه وأفضلهم بعده صلى الله عليه وآله وسلم.(1/717)
مقدمة في الإمامة ينبغي معرفتها
فهذه مقدمة ينبغي معرفتها والعلم بها ليرجع إليها إن لم تقم دلالة قطعية على تعيين أحدهما سواها، إذ لا إمام سوى الرجلين اللذين اختلفت الأمة فيهما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب الهاشمي وأبي بكر بن قحافة التيمي، فينظر بعد ذلك في دليل من ادعى تعيين أحدهما بدلالة قاطعة أو راجحة على قرب النسب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع العلم بما جاء به والاتباع له.(1/718)
فنقول: أما أبو بكر فقد اختلف المثبتون لإمامته في الطريق التي لأجلها صار إماماً فقال الجمهور منهم: للإجماع عليه من الصحابة وذلك أنه وقع العقد له بالإمامة يوم السقيفة من البعض، والبعض الآخر بين مبايع له بعد يوم السقيفة، وبين ساكت سكوت رضىً فكان إجماعاً على بيعته. وقال بعضهم: بل ثبتت إمامته بنص جلي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا قول البكرية أصحاب بكر بن عبد الواحد، وقال بعضهم: بل ثبتت إمامته بنص خفي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم قدمه للصلاة في مرضه. فهذا هو عمدة ما استدل به المثبتون لإمامة أبي بكر وقد لزم من هذه الثلاثة الأقوال أنه لا دليل على إمامة أبي بكر سواها، وأن مجرد قيامه وانتصابه للأمر ليس بكاف في صحة إمامته لذلك ضم كل منهم إلى القيام دليل آخر حسبما ذكر، ودل اختلافهم في هذه الثلاث الطرق أن أحدها غير متفق عليه لأن المدعين للإجماع يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على إمام معين أصلاً، والقائلين بالنص الجلي أو الخفي إنما ادعوه حيث لم يصح لهم الإجماع، والقائلين بالنص الخفي إنما ادعوه لعدم صحة النص الجلي لديهم، ثم غير خاف أن صحة دلالة الأول من هذه الثلاثة وهو الإجماع متوقفة على عدم النص على غير أبي بكر إذ قد تقدم أن ليس للأمة أن يختاروا إماماً غير من نص الله تعالى عليه، فأما الأخيران وهما مدعي النص الجلي وقول مدعي النص الخفي فلا تتوقف صحة دلالتهما لإمامة أبي بكر على فقد النص على غيره، إذ يمكن النص على أبي بكر وعلى غيره على سبيل الترتيب بينهما، لكن النص على إمامة أبي بكر لا تتم دلالته حتى تكون أظهر وأصح وأقوى وأرجح من النص الوارد في غيره بأن يكون نقله أكثر ولفظه صريحاً وأظهر من المقابل له في غيره في الدلالة على المطلوب.(1/719)
الأدلة على أن الإمام عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي بن أبي طالب عليه السلام بلا فصل
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فالقائلون بإمامته عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلفون أن المثبت لإمامته هو النص وإن اختلفوا هل هو جلي أو خفي، فاختلافهم هاهنا لا يقدح فيه كما قدح الاختلاف في النص المدعى على إمامة أبي بكر هل جلي أم خفي، لأن القائلين بالنص في أبي بكر اختلفوا في ذاته وعينه ما هو، هل هو من قبيل الأقوال أو من قبيل الأفعال وهو تقديمه للصلاة، فالقائل بأحدهما لم يكن قائلاً بالآخر، بخلاف المختلفين في النص على أمير المؤمنين عليه السلام فلم يختلفوا في ذات النص وعينه بل اتفقوا على وجوده وتعيينه بل وافقهم على ثبوت لفظه الأمة، وإنما اختلفوا في صفته وهي دلالته على المطلوب هل يحتاج إلى تأمل ونظر فهو الخفي أم لا فهو الجلي، أم ليس فيها دلالة على إمامته أصلاً كما يقوله مخالفوهم من سائر الأمة مع أن الذات والعين الموصوفة بالجلاء هي الموصوفة بالخفاء أو عدم الدلالة وإنما وصفت بالجلاء أو الخفاء أو عدم الدلالة، باختلاف النظر فيها، وهذا واضح لمن تأمل.
فهذه الجملة ينبني على معرفتها العلم بكيفية توجيه الاستدلال على إمامة إمام الحق بعده صلى الله عليه وآله وسلم حيث قد كثر النزاع والاختلاف، وعظمت البلوى بسبب العصبية وعدم الائتلاف، وتعارضت الأقوال والأهواء حتى صار كل حزب بما لديهم فرحون، وتنافرت مقاصد الرجال في ذلك حتى ضل بعضهم لبعض يجرحون وعند الساعة يخسر المبطلون، ?وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ?.(1/720)