وقد أجمع المسلمون كافة على أنه يصح من الله تعالى ويجوز أن يختار للخلق إماماً معيناً، وإنما اختلفوا هل وقع ذلك أم لا على حسب ما سيأتي، وأجمعوا أيضاً على أنه إذا نص الله تعالى على إمام معين فإنه لا يجوز للخلق اختيار غيره ونصب سواه، قال قوم: إلا لعذر منع المنصوص عليه، وقال الجمهور: ولا لعذر لأن الله أعلم حيث يعجل رسالاته فكذلك ما هو خلافة الرسالة. وبقي الكلام فيما إذا لم يعين الله تعالى ويختار للناس إماماً أو انقرض المنصوص عليه، فقالت الخوارج والحشوية وإن لم يقولوا بوجوب الإمامة: إن الاختيار في ذلك إلى الخلق فمن نصبوه من أفناء الناس عجميهم أو عربيهم شريفهم أو وضيعهم فهو إمام. وقال غيرهم من سائر فرق الإسلام: بل قد بين الله تعالى للناس واختار لهم منصباً معيناً فيجب عليهم نصب من صلح من ذلك المنصب على خلاف بينهم في تعيينه كما سيأتي إنشاء الله تعالى، ولا يجوز للخلق أن يختاروا إماما من غير ذلك المنصب. قال قوم: إلا لعذر كما مر آنفاً.(1/711)


وجوب طاعة ونصرة الإمام
إذا عرفت ذلك، فقد حصل من جميع ما ذكرنا مسائل متفق عليها ومسائل مختلف فيها فيما يتعلق بفرض الإمامة وكيفية استحقاق تلك الزعامة.
فمن الضرب الأول: أن الإمام واجب طاعته ونصرته وإعظامه واحترامه، وأنه لا بد للخلق من إمام عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه يجب على الإمام القيام بأعباء الإمامة ويسير في الأمة بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ما استطاع، وأنه يجب على المسلمين إذا مات الإمام نصب إمام بعده كذلك ما بقي التكليف.
ومن الضرب الثاني: تعيين الإمام عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وما الطريق التي صار بها إماماً، هل النص من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ام الاختيار من كل الخلق أو بعضهم، وعلى القول بالنص فهو نص على إمام بعد الأول أم لا؟ وعلى القول به فهل نص على ثالث أم لا ؟ وهل ثم نص على إمام بعينه بعد الثالث جملي أو تفصيلي أم لا على حسب ما سيأتي؟ وكذلك اختلف في حكم من عصى الإمام وإن اتفقوا على وجوب طاعته هل يكفر بذلك أم يفسق أم لا أيهما ؟ وكذلك اختلف في الشروط المعتبرة في الإمام، وما حكم من تصدى للإمامة وليس بمستكمل شروطها؟ وبما تبطل إمامة الإمام بعد انعقادها؟
ويدخل تحت هذه الجملة مسائل كثيرة:
· منها: ما هو أصل يتفرع عليها أحكام ومسائل أُخر.
· ومنها: ما ليس كذلك.
· ومنها: ما هو بمنزلة فرض العين.
· ومنها: ما هو بمنزلة فرض الكفاية.
· ومنها: ما هو بمنزلة الواجب المخير.
· ومنها: ما هو بمنزل المندوب.
· ومنها: ما هو بمنزلة المباح.
· ومنها: ما هو بمنزلة المكروه.
· ومنها: ما هو محرم.(1/712)


وقد أدرج العلماء رحمهم الله تعالى ما كان أصلاً من هذه المسائل لغيره من سائر المسائل وأحكام الشريعة، أو كان فرض عين في مسائل علم الكلام وأصول الدين التي لا يعذر بجهلها أحد لمشابهتها لسائر مسائل أصول الدين في أنه لا يعذر بجهلها وأن الحق فيها مع واحد وأن المخالف فيها آثم على الجملة، وما عدا ذلك من سائر المسائل المتعلقة بالإمامة فقد ذكروه في علم الفروع ووضعوا لذلك كتاب السير، وقد ذكر المؤلف عليه السلام في هذا المختصر ما يجب على المكلف معرفته لكونه أصلاً حسبما ذكرنا وبدأ بالمسألة المذكورة في أول الضرب الثاني وهي مسألة تعيين الإمام عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنها أصل ومرجع لأكثر مسائل الإمامة، وعليها تدور رحى السياسة والزعامة، وبها يعرف كيفية سير الأئمة بعده إلى يوم القيامة.(1/713)


فصل في الكلام على إمامة أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام
فقال عليه السلام : [ فإن قيل: ] لك [ فمن أول الأئمة وأولى الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقل: ذاك أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام ]، وهذا مذهب العترة عليهم السلام وأتباعهم الزيدية وهو قول الإمامية والباطنية، وقالت المعتزلة والأشعرية وغيرهم من سائر الفرق: بل الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم اتفقت الأمة على إمامة علي عليه السلام بعد عثمان، إلا ما كان من الفئة الباغية فلا يعتد به، إذ قد صح أنهم دعاة إلى النار، وكذلك مخالفة الخوارج وأهل الجمل له عليه السلام فلا يعتد بها لأنهم قد سلموا له أنه الإمام بعد مقتل عثمان وإنما نكثوا بيعته وتركوا طاعته اتباعاً للأهواء وميلاً إلى الحسد، فانتقمهم الله تعالى وأبادهم بسيف الوصي وأهلكهم بذنوبهم وأفناهم على يد ذلك الولي، فأما عبد الله بن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما ممن قعد عن نصرته عليه السلام ، فقد اختلفت الأقوال والروايات عنهم فقيل: لم يخالفوا في كونه الإمام بعد مقتل عثمان، وإنما اشتبه عليهم قتال من خالفه فقعدوا عن نصرته والقتال معه، وقيل: بل توقفوا عن البيعة له ولم يدخلوا في إمامته ولم يقولوا بإمامة أحد، فتركهم الوصي وشأنهم حيث لم يخشى منهم ضرراً واشتغل بما هو أهم وهو قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.(1/714)


فهذه صفة الاختلاف بين الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب على العاقل أن ينظر الحق ويجتهد في طلبه حتى يتيقنه وأن يكون كما أمره الله تعالى من ?الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ? {الزمر:18}، هذا ولا يخفى على كل ذي عقل سليم ولب مستقيم أنه لا يمكن أن يكون الجميع مصيبين لاستحالة صدق النقيضين، ولا أن يكونوا كلهم مخطئين لاستحالة ارتفاعهما، فلا بد أن يكون الحق في أحد الجانبين فيجب النظر أي الفريقين أحق بالأمن ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ?{الأنعام:82}، ?وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ?{الأعراف:181}، وإذا أردت معرفة الحق من ذلك ومعرفة الباطل من جميع ما هنالك.(1/715)

143 / 311
ع
En
A+
A-