وحجة أهل القول الثاني: أن ما ذكر من مقتضى التكليف بالإمامة من حفظ بيضة الإسلام وإقامة الحدود ونحو ذلك واجبات شرعية ولا مجال للعقل في وجوبها، وما كان المقتضي لوجوبه شرعياً فهو شرعي لا عقلي.
وأجيب: بأن التظالم والفتن لا تكاد تنفك في الأزمنة والبلدان فوجب دفعه عقلاً لأن دفع الضرر عن النفس واجب عند جميع العقلاء، ولهذا فإنه لا يخلو عصر أو قطر في الإسلام أو غيره من سائر الملل عن نصب رئيس ذي سلطان وأعوان يدفعون عن آحاد الناس ما وقع بهم من تعدي بعضهم على بعض، وإذا كان ذلك الرئيس ذي نظر سديد في دفع الفتن والمفاسد وجلب المصالح وكان عادلاً في الرعية صلحت أمور العباد وقل الظلم والفساد فيما تحت ولايته من البلاد وهذا لا شك فيه، ولم يفترق الحال فيه بين ما كان أهل ذلك العصر أو القطر ينتسبون إلى شرع نبي أو لا، ولو كانت شرعية محضة لاختص بذلك أول الشرائع فقط كالمسلمين والكتابيين على أنه لا يسلم أن ما كان المقتضي لوجوبه شرعي فهو شرعي فقط، بل يمكن أن يقال إذا نص الشارع بوجوب قطع يد السارق وخلف من سعى في الأرض فساداً وكان القطع لا يتم إلا بسكين حاد فتوحيد سكين على تلك الصفة واجب،وهذا الوجوب لم يَنُص عليه الشارع لترك النص عليه لما علم أن عقول المكلفين بذلك الفعل ستقضي به من باب ما لا يتم الواجب إلا به يجب لوجوبه.
لا يقال: إن مالا يتم الواجب إلا به، لا يخلو إما أن يكون وجوب ذلك الواجب عقلياً فوجوب ما لا يتم إلا به مسلم أن وجوبه عقلاً كوجوب النظر في معرفة الله، فإنه وجب عقلاً لما كان الواجب شكر نعمه تعالى بضرورة العقل، ولا يتم الشكر إلا بالنظر عقلاً أو لما كانت المعرفة لطفاً، وإما أن يكون وجوب ذلك الواجب بالشرع فقط كما ذكر من مسألة القطع فلا نسلم أن وجوب ما لا يتم إلا به عقلاً بل شرعاً فقط.(1/706)
لأنا نقول: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن لا يتم شرعاً فقط كالطهارة للصلاة والنية فيها وفي الصوم ونحو ذلك فمسلم أن الوجوب فيه شرعي لا غير دون العقل، إذ يمكن حصول الصلاة بلا طهارة ولا نية في الخارج وإنما منع من ذلك الشرع، وإما أن لا يتم عقلاً بمعنى أنه لا يمكن تحصيل الواجب وإبرازه إلى الخارج إلا مع تحصيل ما لا يتم إلا به فذلك الوجوب عقلي، ولهذا نص الشارع على جميع الشروط الشرعية دون العقلية فلا حاجة إلى النص عليها فإن وجد في شيء منها فذلك على جهة التأكيد.
هذا ولا يقدح في المسألة الاختلاف المذكور إذ قد اتفق على أصل المسألة وهو وجوب الإمامة ويدل عليه قوله تعالى: ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ? الآية{آل عمران:104}، وقوله تعالى: ?وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا? الآية{السجدة:24}، ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ? {النساء:59}، ?اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ?{التوبة:119}، ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? {المائدة:2}، ?يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ?{الأحقاف:31}، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ".
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات ليس بإمام جماعة ولا لإمام جماعة في عنقه طاعة مات ميتة جاهلية".
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من بلغته داعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر جهنم ".
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : وإنما الأئمة قوام الله في أرضه وعرفاؤه على خلقه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.(1/707)
وقال الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ?أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا?{النساء:54}: نحن الناس المحسودون والله الملك العظيم أن جعل الله فينا أئمة من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، فهذا ملك عظيم.
وغير ذلك من السنة ومن أقوال الأئمة عليهم السلام، وقد ذكر شطراً من ذلك في شرح الأساس وغيره من بسائط الفن.(1/708)
الإمامة أصل من أصول الدين
واعلم أن الإمامة مرتبة شريفة ودرجة عالية منيفة، وهي أصل من أصول الدين العظيمة، وعليها مدار الشريعة المطهرة المستقيمة لأنها خلافة النبوة المختومة ومقام الرسالة بالشرائع المحتومة، وهي حراسة التوحيد عن زيغ الإلحاد، وعاصمة العدل والوعد والوعيد عن ريب أهل الفساد، بها يعرف الله ويوحد وتحفظ شرائعه على ممر الأبد حتى يأتي وعد الله ويبعث الخلق لقيامهم ?يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ?، ومن حيث أنها كذلك حبا بها نبيه الكريم، وأكرم بها خليله إبراهيم بعد أن كان صديقاً نبياً ومع ما اتخذه خليلاً وولياً فقال عز من قائل حكيم مخاطباً لذلك النبي العظيم: ?إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا? {البقرة:124}.(1/709)
ولما كانت الإمامة بالمرتبة العظمى والرئاسة التي يحرس بها عن كل فتنة دهماء تاقت نفس الخليل إلى أن تكون في ذريته فقال: ?وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? {البقرة:124}، فأجاب سؤاله فيمن صلح من ذريته وأخرج عن استحقاق الإمامة من كان ظالماً، فلا تصح إمامة الفاسق والمفضول مع وجود الفاضل وطلبه لها لأنه بتناولها يكون ظالماً لذلك الفاضل وهذا أحد الأدلة القطعية على بطلان إمامة الفاسق، وقد جود الرازي والزمخشري الاستدلال بالآية الكريمة على بطلان إمامة الفاسق وهو إجماع العترة المطهرة عليهم السلام وإجماعهم حجة قطعية، أيضاً وعلم من الآية الكريمة أن الإمامة عهدٌ وولايةٌ لله تعالى يختص به من يشاء من عباده، فليس للناس أن يختاروا لأنفسهم من يريدون على حسب هوى النفس والمحاباة وإيثار الحياة الدنيا، يؤكد ذلك قوله تعالى: ?وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ? {القصص:68}، وقوله تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا? {الأحزاب:36}.(1/710)