قلت: الذي يأتي على أصل القائلين بعدم وجوب اللطف إن سلبه وعدم إيصاله إلى من لا يلتطف لا يصح أن يكون عقوبة، إذ لو صح لسقط من عقابه بقدر تلك العقوبة، إذ من شأن المعاقبة إسقاط ما يستحق بمقابلها من العقاب ولا قائل إنه يسقط من عقاب الكفار والفساق بقدر ما فاتهم من منافع اللطف الذي سلبوه، وإنما لم يفعل لهم اللطف لعدم أهليتهم له واستحقاقهم إياه لعنادهم وإصرارهم وعدم إصغائهم وانقيادهم لما بلغتهم الرسل ودعتهم إليه وبينوا ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا لا عقوبة كما يقول الحاكم، وظاهر عبارات الزمخشري وغيرهما كالجلال والسيد هاشم بن يحيى والسيد محمد بن إسماعيل الأمير وغيرهم، ولا لعدم اللطف كما يظهر من كلام المهدي عليه السلام وغيره من الزيدية والمعتزلة، وقد أخذ القائلون بأن ذلك عقوبة بظواهر آيات من الكتاب العزيز نحو قوله تعالى: ?أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ?{المائدة:41}، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا?{الأنعام:125}، وقوله تعالى: ?فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ?{الصف:5}?بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ?{النساء:155}.(1/606)
والجواب: أنه لا دلالة في الآيات المذكورة على أن ذلك عقوبة لهم، أما قوله: ?لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ? فغايتها لم يفعل لهم اللطف المفضي إلى التطهير فمن أين أن ذلك عقوبة، بل لعدم لزومه واستحقاقهم إياه، وأما قوله: ?وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ?فمعنى من يرد أن يحكم عليه أو يسميه بالضلال فلا يعطه التنوير في القلب المقتضي للّطف فيبقى صدره ضيقاً لا يتسع لمعرفة الحق والاصطبار على النظر في وجه الحق فمن أين أن ذلك عقوبة؟ ومثل معناها معنى قوله تعالى: ?فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ? إلا أنه سمى عدم اللطف زيغاً في الثاني مشاكلة للأول، وقوله: ?بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ? ليس الطبع على حقيقته اتفاقاً، وقوله: ?بِكُفْرِهِمْ?وإن أفادت الباء السببية ظاهراً فيحتمل التسبيب لعدم اللطف وليس كل مسبب هو عقاب عن سببه بل في المسببات ما لم يكن به عقاباً وفيها ما هو عقاب، والدلالة العقلية التي ذكرناها تمنع أن يكون ذلك عقاباً وتعين أن عدم فعل اللطف ليس عقوبة ولا لعدم إمكانه، وقد تأول الإمام المهدي عليه السلام الآيات المذكورة ليردها إلى القول بوجوب اللطف في حق من له لطف، وعدم إمكانه في من لا لطف له بأنه لا امتناع في أن يعلم الله تعالى أن في بعض الأفعال لطفاً للعبد بشرط أن لا يفعل معصية معينة ومتى فعلها كانت مفسدة له مبطلة لذلك اللطف، فجرى سلب اللطفية منه مجرى العقوبة لما كان سبب عصيانه.(1/607)
مسألة: اختلف في معنى عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام فقال في القلائد ونسبه الشارح إلى أكثر العدلية: إن معنى العصمة في حقهم هو اللطف في الترك -أي ترك المعاصي-، هذا معنى ما ذكره الماتن ولم يزد، قال الشارح: لكن قد علم الله أنهم يلتطفون فيما هم معصومون عنه فلا يفعلوه، وإنما لم يفعلوه اختياراً منهم للخير وتنكباً عن سبيل الهلكة.
قلت: وكلام الماتن يحتاج إلى تكميل وكلام الشارح فيه نظر.
أما التكميل فلأن ما ذكره عليه السلام يتناول العصمة عن فعل المحرمات ولم يتناول العصمة عن الإخلال بالواجبات مع أن عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام في الطرفين، فيقال حينئذ: العصمة في حق الأنبياء والملائكة هي اللطف في فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات القطعية مطلقاً والظنية الثابتة لديهم، فيفارقون غيرهم بعموم اللطف في ذلك، فينتج القطع بنجاتهم وأن الحق فيما يدينونه ويعتقدون من المعارف الإلهية وما يتبعها من النبوات والمعاد وسائر ما يتعلق بالعقائد، وأنهم لا يفعلون كبيرة البتة سواء كانت من قبيل فعل محرم أو ترك واجب وكذلك الصغائر إلا ما ليس فيه خسة ولا يقدح في التبليغ على خلاف بين أئمتنا عليهم السلام هل صدور ذلك منهم مع التأويل كما هو الأظهر أم يمكن ولو مع العمد، والله أعلم.(1/608)
وأما النظر في كلام الشارح رحمه الله فهو أنه قال: يلتطفون فيما هم معصومون عنه، وهو في سياق الكلام على ماهية العصمة وبيانها في حق الأنبياء والملائكة فلا يصح قوله: في ما هم معصومون عنه، لأنه لا يؤخذ في التفريعات اسم المعرف ولا ما هو مأخوذ منه لئلا يلزم الدور مع أنه يرد عليه ما ورد على عبارة الماتن من عدم شمول الطرفين الطاعة والمعصية، فصواب العبارة يلتطفون في فعل كل واجب وترك كل محرم غالباً، قيل بل معنى عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام هي بُنْيَة مخصوصة ركبهم الله عليها فهم لمكانها ينفرون عن المعاصي ويرتاحون إلى الطاعات روي هذا عن الإمامية وحكاه الشارح عن الإمام يحيى عليه السلام ، والصحيح الأول وهو أنها من قبيل الألطاف لكن يفارقون غيرهم من جهة العموم كما ذكرنا وغيرهم لا طريق لنا إلى العلم بذلك في حقه إلا من أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعصمته كأهل الكساء عليهم السلام، وإنما قلنا: الصحيح الأول. لأنه يلزم على القول الأخير أن لا يستحق الأنبياء والملائكة عليهم السلام ثواباً ولا مدحاً إذ لا مشقة عليهم مع ذلك حيث لم يفعلوا إلا ما يشتهونه ولا يتركون إلا ما ينفرون عنه، وقالت المجبرة والرافضة: بل العصمة في حقهم عليهم السلام هي المنع من فعل المعصية كما قالوه في عصمة غيرهم، ويمكن أن يفرقوا بعد ذلك بأنها في حق الملائكة والأنبياء عليهم السلام عامة وفي غيرهم لا دلالة على العموم، ولهذا ينازعنا المجبرة في عصمة الوصي وسائر أهل الكساء عليهم السلام ما خلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
والجواب: أن هذا بناءٌ على الجبر وقد فُرِغ من إبطاله.(1/609)
فرع: وإذا كانت العصمة في حق الأنبياء والملائكة كما ذكر عن جمهور العدلية أو كما ذكر عن غيرهم فهل يصح ويجوز من المكلف الدعاء بالعصمة وطلبها على حسب عصمة الملائكة والأنبياء عليهم السلام أم لا ؟
الأظهر الجواز إذ لا مانع عقلاً ولا شرعاً من أن يدعو المكلف بأن يقول: اللهم وفقني لكل ما يرضيك واعصمني عن جميع معاصيك، بل هو من أجل الأدعية التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي علمها أمته.
لا يقال: يلزم على ذلك جواز الدعاء بأن يجعله الله تعالى في مرتبة الملائكة والأنبياء عليهم السلام والإجماع منعقد على أنه لا أحد في مرتبتهم.
لأنا نقول: إن على الملائكة والأنبياء عليهم السلام تكاليف ولهم فضائل أعمال لم يوجد مثلها في حق غيرهم ولهم من رفع الدرجات والتقريب من ذي العزة ما لا يجوز مثله في غيرهم ولا أحد يفضلهم ولا يساويهم في الفضل، فالإجماع منعقد على أن ليس لأحد مرتبتهم ولا أفضليتهم فلا يجوز الدعاء بذلك، فأما دعاء المكلف بأن يوفقه الله لكل ما يرضيه منه ويعصمه عن كل ما نهاه عنه فأمر وراء ذلك، والله أعلم.(1/610)