فصل في الكلام في أن الله تعالى لا يكلف أحداً ما لا يطيق وفي حقيقة التكليف وحسنه وشرطه
أما حقيقة التكليف فهو لغة: إلزام الغير ما فيه كلفة -أي مشقة على النفس- من فعل أو ترك. واصطلاحاً: هو إعلام الله العبد وإلزامه فعل ما فيه المصلحة وترك ما فيه المفسدة، قال في الأساس: ووجه حسنه كونه عرضاً على الخير.
قلت: هذا الوجه غير كاف في الحُسن، لأن العَرْض على الخير لا يلزم المكلِّف فعل ولا المكلَّف قبوله.
فإن قيل: إنما يقدح هذا في الوجوب لا في الحُسن فهو حَسن.
قلنا: إن كان حُسنه لمجرد نفع الغير الذي هو العبد المكلف فهذا معارض لحسن التفضل عليه بالنفع من دون تكليف وتحميله المشاق بل ذلك أبلغ في نفعه والإنعام عليه، وإن كان لنفع المكلِّف الحكيم فهو متعالي عن ذلك، وإن كان لنفع غيرهما سواء كان مكلفاً أم لا لم يعقل وجه ذلك، ومن ثمة عَقَّب الشارح كلام الإمام عليهما السلام بدليل آخر إجمالي فقال: وأيضاً قد تقرر أن الله غني حكيم، فإذا صدر من جهته تعالى فَعَلَ وغَمُضَ علينا وجه المصلحة على جهة التفصيل رددناه إلى هذه القاعدة وقضينا بكونه حكمة وصلاحاً سواء كان تكليفاً أو غير تكليف، قال: وهذا جواب مقنع لا يرد عليه شيء، وقد أشار إليه القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في جواب الملحد انتهى كلامه عليه السلام .(1/521)


وجه وجوب التكليف العقلي
قلت: ويمكن أن يقال: إن التكليف لما كان على ضربين عقلي وشرعي، فلا مانع من أن يُفَصَّل بينهما بأن يقال وجه حسن التكليف العقلي ووجوبه فعلاً كان أو تركاً، إن في فعله صلاح العالم وسلامته من المهالك والمتالف، إذ لو ترك الناس وشأنهم مع ما فيهم من الشهوات الداعية إلى تناول المستلذات على أي وجه، لكان يؤدي ذلك إلى:
تغلب بعضهم على بعض.
وارتكاب المفاسد العقلية من الظلم والكذب.
وعدم رد الوديعة وقضاء الدين وشكر المنعم.
ويَؤُول بهم ذلك إلى هلاك الضعيف على يد القوي.
فيعود الأمر على الغرض المقصود من خلق العالم وعمارة الكون بالنقض والإبطال، فلزم وجوب التكليف بالعقليات ودخل الحسن تحت الوجوب، لأن ما كان يعود على الغرض المقصود بالنقض والإبطال وجب الاحتراز عنه إلزاماً وقبولاً فعلاً أو تركاً، ومن ثمة رَكَّب الله تعالى في عقول جميع العقلاء قبح الظلم والكذب والاستخفاف بالمنعم وجحد الوديعة وعدم قضاء الدين، وحَسَّن أضداد هذه وهي العدل والإنصاف والشكر للمنعم ورد الوديعة وقضاء الدين، وأوجب في عقل كل مكلف وكلف جميع العقلاء ترك هذه وفعل هذه، ولم يوقف علمهم بذلك على مجيء الرسل إليهم، بل جعل ذلك أمراً عقلياً مركوزاً في عقل كل من بلغ حد البلوغ الشرعي، بل يدركه الأكثر من حال التمييز، وإن جاءت الرسل بالأمر أو النهي عن شيء منها، فإنما هو على جهة تأكيد الحجة العقلية ورفع توهم عدم المؤاخذة لمن فعل ما يقبح أو أخل بما يجب من ذلك، وهذا واضح لمن تأمله وبالله التوفيق.(1/522)


وجه وجوب التكليف الشرعي
ووجه وجوب التكليف الشرعي أن به يحصل استيداء شكر المنعم وتوقي كفر نِعَمه والاستخفاف به. أو لأن فيها ألطاف في أداء تلك الواجبات العقلية وقبول ما جاؤوا به وإلا أدى ذلك إلى استحقاق النقمة والهلاك بارتكابهم كفر النعمة وإخلالهم بشكرها، فوجب على الحكيم إرسال الرسل بالشرائع ليتميز بها الشاكر الطائع من الكافر المخالع، واختلفت وجوه المصالح فيها باختلاف الأحوال والأوقات والأمكنة والأشخاص،ومن ثمة جاز النسخ فيها دون ما عداها ولم يجعل للعقول مجالاً في إدراك ما يجب وما يندب وما يحرم وما يكره وما يباح منها على التعيين إلا على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم، لئلا يبطل الغرض المقصود بإرسالهم ويُستغْنى عنهم فيؤدي إلى سقوط مرتبتهم وتتطرق الأهواء والأغراض الذاتية إلى تغييرها وتبديلها وذلك في الشرعيات المحضة الخالصة كالعبادات الواجبات والمندوبات وكالمحرمات والمكروهات الشرعية، وقلنا: المحضة. احترازاً من المشوبة المركبة من العقلي والشرعي كالمعاملات التي يؤول العمل فيها بخلاف الحكم الثابت لها إلى الإضرار بالعالم أو بعضه، وتلتحق بالعقليات كنقص الميزان والبخس والزنا ونحو ذلك مما يدرك العقل قبح ذلك بالتأمل وورد الشرع بتحريمه وإيجاب ضده، فإن هذه لا تسقط مرتبة الرسل صلوات الله عليهم إذا عرفها الناس بعقولهم واستغنوا في معرفتها عن تبليغهم الرسل إياها، ولا تتطرق إليها الأهواء والأغراض إلا لمن تجاسر وعاند قضية العقل وجهل الوعيد فيها من جهة النقل، فعلم بهذا حسن التكليف الشرعي ووجوبه.(1/523)


ولما كان الله تعالى غنياً عن عبادة العابدين وشكر الشاكرين وذكر الذاكرين، وكان من حكمته ورحمته بخلقه وجوب التناصف فيما بينهم وعدم رضائه بالكفر لهم، وجب أن يقرن التكليف بالثواب والعقاب ليكونا داعيين وذائدين إلى فعل ما كلفوا فعله وعن فعل ما كلفوا تركه من عقلي أو شرعي أو مركب، وكان الثواب والعقاب بالغين مبلغاً لا مجال للعقل بكميته لئلا تستخف العقول الضعيفة المقرونة بالأهواء السخيفة.
وبهذا يعلم صحة ما أشار إليه الإمام عليه السلام من قوله: ووجه حسنه كونه عَرْضاً على الخير. وإذا تأملت جميع ما ذكرنا في التكليف العقلي والشرعي علمت بعد ذلك أن الله تعالى محسن إلينا ومنعم علينا بالتكليف جميعه، وأن وجه الإحسان في ذلك ثابت بالنسبة إلى كل من المؤمن والكافر على سواء، لأن الوجوه المذكورة لا فرق فيها بين مؤمن وبين فاجر ولا بين شاكر وبين كافر، فإذا كفر الكافر وفسق الفاجر بعد انبرام التكليف في حقهما على وجه الصحة بل على سبيل الإحسان إليهما والوجوب في حقهما كما ثبت في غيرهما، فإنما أُتيا بعد ذلك من جهة أنفسهما فلا يلزم قبح التكليف من المعلوم حاله أنه يكفر أو يعصي كما لا يلزم قبح المطالبة بالدين والوديعة من المعلوم من حاله أنه يجحدهما ويمطلهما، فإن الطلب حسن ونعمة لما فيه من براءة الذمة واستحقاق الثواب،وإن فرضنا أنه يؤول بالمطالَب إلى الحبس أو القيد أو الهلاك فثبت حسن التكليف ووجوبه، يزيده وضوحاً ما قاله بعض المتأخرين رحمه الله تعالى: إن التكليف كالتوظيف وزناً ومعنىً وجناساً ومبنى، فكما أن التوظيف فيه نفع زائد على مشقة ما وظف به حسن ونعمة من المُوظِّف إلى المُوَظَّف سيما إذا ضاعف له الأجرة على ما يستحق بمجرى العادة فكذلك التكليف، بل هو أبلغ وأدخل في الحسن والإنعام لأن فيه جلب نفع ودفع ضرر ما لا حصر لهما، وإذا حسن من الناس طلب الوظائف والتوصل إليها بشفاعة أهل الوجاهة لدى الملوك ويبذلون الأموال(1/524)


والرُّشَا لمن سعى لهم فيها ويكثرون الثناء والمدح له ويعدون ذلك نعمة من الملك والساعي، فهلا حسن الابتداء بالتكليف من مالك الملوك الذي أوجب التكليف على نفسه رعاية لمصلحة عبده مع عناية عن العبد وتكليفه، وهلا حسن الثناء والمدح والإعظام لهذا الملك وللمبلغ عنه بلا أجرة ولا رشوة، ومن هنا يعلم أن نعمة التكليف من المكلِّف الحكيم ومِنَّة المُبَلِّغ وهو الرسول الكريم ثابتتان وعامتان ومنوطتان بعنق كل مكلَّف قبل التكليف أورده أحسن العمل فيه بأن وقف عنده أم أساء العمل وتجاوز حده.(1/525)

105 / 311
ع
En
A+
A-