بعض ما ورد في صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدي سلام الله عليه، وإنما ذكرناه لعظم نعمِ الله تعالى بذلك على محمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وعلى هذه الأمة التي خصها الله تعالى بالفضائل حتى صار إمامها المهدي صلى الله عليه من ولد فاطمة عليها السلام، يصلي خلفه روح الله وكلمته ونبيه ورسوله عيسى بن مريم العذراء البتول المطهرة المكرمة، فالحمدلله على جزيل نعمه، وجليل كرمه، حمداً كبيراً كما هو أهله ومستحقه.
فالآن تقررت الجملة المتفق عليها، فمن ادَّعى شيئاً زائداً على هذه الجملة لزمه البيان فقد تقرر أن لا بد من المهدي عليه السلام في هذه الأمة، وأنه من أهل البيت عليهم السلام وأنه من ولد فاطمة عليها السلام خاصة.
وبقي النزاع هل هو من ولد الحسن أو من ولد الحسين عليهم السلام فقد تظاهرت الأخبار أنه من ولد الحسن عليه السلام، وفي بعضها وهو الأقل أنه من ولد الحسين، وقد رجح أهل العلم بالأخبار الأخبار المتظاهرة على الأقل وذلك معلوم في موضعه من أصول الفقه، وقد أجمل كثير من الأئمة عليهم السلام في هذا الباب وذكروا أن المهدي من ولد فاطمة عليها السلام، ولم يعنوا بما وراء ذلك، وهل هو من ولد الحسن أو من ولد الحسين عليهم السلام لأن الكل معدن الإمامة ومحل الرئاسة والزعامة.(1/191)


[كلامهم في الغيبة والرد عليه]
وإذ قد تقررت هذه الجملة فلنذكر كلامهم في الغيبة ونوسع فيه بعض توسيع، لأن المدعين للغيبة فرق كثيرة كما قدمنا في صدر كتابنا، وادعوا الغيبة لأعداد من أهل البيت عليهم السلام كثيرٌ، ولكن صارت القطعية أكثر الفرق رجالاً وأتباعاً وشيعاً وتصنيفاً ورواية وما سقطت به دعواهم سقطت دعوى من سواهم ممن قوله مثل قولهم لأن الدليل واحد والمدلول عليه كذلك، ولسنا نتكلم على بطلان ما قالوه وذهبوا إليه حتى نذكر طرفاً من أقوالهم وأخبارهم التي رووها في هذا الباب، وما يمكنهم أن يتعلقوا به في هذا الشأن وأن ما جاءوا به لا ينبغي أن يكون دليلاً على شيء من أصول الدين فكيف يجعلونه دليلاً على أهم أصول الدين وأكبرها وهيأصول الإمامة التي هي خلافة النبوة، ولا بدنا نذكر اختلال نقلهم فيما نقلوا وما يتعلق به من المناقضة واختلاف الرواية فيستدل العاقل على بطلان ما خالف الحق، لأن الحق لا يختلف ولا يتناقض، ومن الله تعالى نستمد التوفيق [والهداية]، ونروي أصول أسانيدهم إذ روايتها على التمام تؤدي إلى نقض الغرض في الإختصار.
فنقول: روى أبو عبدالله محمد بن إبراهيم النعماني، في كتابه عن محمد بن همام، عن بعض رجاله، قال: حدثنا إسحاق بن سنان، قال: حدثنا عبيد بن خارجة، عن عامر بن عثمان، عن فرات بن أحنف، عن أبي عبدالله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه فركب هو وابناه الحسن والحسين عليهما السلام فمرَّ بثقيف، فقالوا: قد جاء أمير المؤمنين علي يرد الماء، فقال أمير المؤمنين [علي] عليه السلام: أما والله لأقتلنَّ أنا وابناي هذان، وليبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنَّ عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد حاجة.(1/192)


وروى بإسناده إلى عمرو بن سعد، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال يوماً لحذيفة بن اليمان: (يا حذيفة، لا تحدث الناس بما لا يعلمون فيطغوا ويكفروا، وإن من العلم صعباً شديداً محمله لو حملته الجبال عجزت عن حمله، إن علمنا أهل البيت سينكر ويبطل ويقتل راويته، ويساء إلى من يتلوه بغياً وحسداً لما فضَّل الله به عترة الوصي وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يا ابن اليمان، إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفل في فمي وأمرَّ يده على صدري، وقال: ((اللهم، اعطِ خليفتي ووصيي وقاضي ديني ومنجز وعدي وأبا ابنيَّ ووليي وناصري على عدوك وعدوي، ومفرج الكرب عن وجهي ما أعطيت آدم من العلم، وما أعطيت نوحاً من الحلم، وإبراهيم من العترة الطيبة والسماحة، وما أعطيت أيوب من الصبر عند البلاء، [وما أعطيت] داوود من الشدة عند منازلة الأقران، وما أعطيت سليمان من الفهم اللهم، لا تخف عن عَلِيَّ شيئاً من أمر الدنيا حتى يجعلها كلها بين عينيه مثل المائدة الصغيرة بين يديه اللهم، أعطه ولادة موسى، واجعل في نسله شبيه عيسى اللهم، إنك خليفتي عليه وعلى عترته وذريته الطيبة المطهرة التي أذهبت عنها الرجس، والنجس، وصرفت عنها ملامسة الشياطين اللهم، إن بَغَتْ قريش عليه وقدمت غيره عليه فاجعله بمنزلة هارون [من موسى] إذ غاب عنه موسى، ثم قال: يا علي، كم من ولدك من ورائك فاضل يُقتَل والناس قيام ينظرون لايغيرون، فقبحت من أمة ترى ولد نبيها يقتلون ظلماً وهم لا يغيرون، إن القاتل والآمر والشاهد الذي لا يغير كلهم في الإثم واللّعان سواء مشتركون.
يا ابن اليمان، إن قريشاً لا تنشرح صدورها، ولا ترضى قلوبها، ولا تجري ألسنتها ببيعة علي وموالاة علي إلاَّ على الكره والقمار والصغار.(1/193)


يا ابن اليمان ستبايع قريش علياً، ثم تنكث عليه وتحاربه وتناضله وترميه بالعظائم، وبعد علي سينكث بابنه الحسن ثم الحسين وتقتله أمة جدِّه، لعنت من أمة، ولعن القائد لها، والمونب لفاسقها، فوالذي نفس علي بيده لا تزال هذه الأمة بعد قتل الحسين ابني في ضلال، وظلم، وعسف، وجور واختلاف في الدين، وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه، وإظهار البدع، وإبطال السنن، واحتيال، وقياس مشتبهات، وترك محكمات حتى تنسلخ من الإسلام، وتدخل في العمى، والتلدد، والتكسع، مالك (يا) بني أمية لاهديت، ومالك بني فلان لك الإتعاس، فما في بني فلان إلاَّ ظالم متعد يتمرد على الله بالمعاصي، قتَّال ولدي هتاك ستر حرمي، فلا تزال هذه الأمة حيارى يتكالبون على حرام الدنيا، منغمسين في بحار الهلكات في أودية الدماء حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس، وهاج الناس بفقده أو بقتله أو بموته، أطلقت الفتنة، ونزلت البلية، والتحمت المصيبة، وغلا الناس في دينهم، وأجمعوا أن الحجة ذاهبة، والإمامة باطلة، وحج حجيج الناس في تلك السنة من شيعة علي للجسيس والتحسيس عن خلف الخلف، فلا يرى له أثر، ولا يعرف له خبر، فعند ذلك سب شيعة علي على سبها أعداؤها، وظهرت عليها الفسَّاق والأشرار باحتجاجها حتى إذا اتقنت الأمة وتدلهت وأكثرت في قولها: إن الحجة هالكة، والإمامة باطلة، فورب علي أن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقاتها داخلة في دورها وقصورها، جوَّالة في شرق هذه الأرض وغربها، تسمع الكلام وتسلم على الجماعة، وترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد، وينادي المنادي من السماء ذلك يوم فيه سرور ولد علي وشيعة علي)).(1/194)


فتأمل هذا الخبر وما فيه من الإختلال لمن كان له نظرٌ ثاقب، منها أنه نص على مغيب الحجة، ولا يلزم فرضها إلاَّ بحضورها، ومنها أنه قال: إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها داخلة في دورها، حوالة في حضورها، جوالة في شرق الأرض وغربها، تسمع الكلام، وتسلم على الجماعة وترى ولا ترى، فأي ذنب على المتحير إذا كانت هذه صفة الحجة، ولم يجد طريقاً إلى الإتصال بها، فما جرمه عند ربه، وعلى أن الأئمة يجب عليها إقامة الحجة ونصح الأمة ولا سيما من كان راغباً في حضورها ساعياً في تغليظ جمهورها، وأمَّا ما ذكر من الوعد فأين الطريق إلى العلم بالوعد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إن كان من فرض المكلفين انتظاره ؛ لأن الله تعالى لا يأمرهم بأمرٍ ولا يجعل لهم سبيلاً إليه.(1/195)

39 / 73
ع
En
A+
A-