بيانه أنا لو جوزناه لجاز للإنسان أن يقلد في معرفة الله تعالى وأن يتيمم بتراب البرذعة (1) أوبما صعد على الأرض حيث لم يكن الماء في حضرته جائز وأنه لمجرد المشقة جائز وأنه لا تجب أذكار الصلاة وأنه يجوز تركها حيث عزم على القضاء وأن الواجبات على التراخي فيترك الصلاة متى شاء وإذا صلى لم يطهر بدنه ولا ثيابه ولا ينوي ولا يذكر الله تعالى ولا يفعل من أركانها إلا أقل ما يمكنه ويأخذ من أموال الناس ما يسد جوعه ويستر عورته وينكح من عرض من النساء من غير ولي ولا شهود ويعاملها على يوم أو أقل أو أكثر ثم يرتفع النكاح بينهما لا بطلاق وهي تزوج من غير اعتداد حيث خالعها الزوج ثم عقد ثم طلق قبل الدخول ويجوز له بيع الربا إذ لا ربا إلا في النسية ويجوز له النظر إلى كل الأجنبيات من النساء ما عدا (2) باطن الفرج من غير الزوجة لأن صلاة الفريضة تسقطه وتقبيل الأجنبيات ولمس فروجهن عند من فسر اللم بذلك وشراب المسكرات من الأمزار والمثلثات ولا يستر من غير القبل والدبر ويجمع بين تسع زوجات ويطأهن ولا يغتسل من الجنابة ما لم ينزل ويصلي ولو كان قد أمذى في الفرج ولا يحدث وضوءً وإذا أحدث في صلاته لم يعدها فيؤدي إلى مثل ما قاله المعري (3)
__________
(1) ـ مختار الصحاح ج: 1 ص: 19ب ر ذ ع البَرذَعَةُ بالفتح الحلس الذي يلقى تحت الرحل تمت
(2) ـ في نسخة زيادة القبل والدبر ومملوكه الذكر والاستمتاع بما عدا
(3) ـ لعل الصواب ما أثبتناه بالنسبة للبيت الأخير غير مافي نسخة المؤلف والذي في نسخة المؤلف: فافسق وقامر ولط واشرب على أمن وخذ في كل مسألة بقول إمام. وبالنسبة لقائلها فقد بحثت في ديوان المعري فلم أجد هذه اللأبيات بتات(1/491)
الشافعي من الأئمة واحد
وأبو حنيفة قال وهو مصدق
شرب المثلث والمنصف جائز
وأجاز مالك اللواط تطرفاً
وأرى أناساً قد أجازوا متعة
وأجاز داود السماع فإنه
فاشرب ولط وازن على أمن
ولديهم الشطرنج غير حرام
فيما يفسره من الأحكام
فاشرب على أمن من الآثام
وهم دعائم ملة الإسلام
بالقول لا بالعقد والإبرام
طرب النفوس وصحة الأجسام
وخذ في كل مسألة بقوم إمام
ولا شك أن من هذه حاله في صلاته وأنكحته وبيوعه فقد انخزل عن الدِّين وارتبك ظلمة الكافرين أعاذنا الله من تتبع الشهوات ووقانا حبائل الهفوات فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(و) اختلف بماذا يصير ملتزماً فقال الإمام المهدي وحفيده الإمام شرف الدِّين عليهما السلام وغيرهما أنه (يصير ملتزماً) لمذهب إمام معين كذلك (بالنية) للإلتزام أي العزم على العمل بمذهبه فكان الأنسب تقديم هذه المسألة على قوله والتزام وما بعده كما لا يخفى
(وقيل) أنه يصير ملتزماً كذلك بها (مع لفظ) بأن يقول قد التزمت مذهب فلان في كذا أو في جميع مسائله لأن ذلك إيجاب على النفس ألا يعدل عن قول هذا العالم والإيجاب كالنذر فكما لا ينعقد النذر بمجرد النية بل لا بد من لفظ أو عمل كذلك التزام المذهب في حكم أو مطلقاً . قلنا: لا نسلم أنه إيجاب وإنما هو اجتهاد واختيار فلا يلزم ما ذكر
(وقيل بالشروع في العمل) وإن لم يتم (وقيل باعتقاد صحة قوله) أي المجتهد وإن لم يعزم على متابعته ولا لفظ بها ولا عمل ولا شرع ولا سأل نسب هذا القول إلى ابن السمعاني(1/492)
(وقيل بمجرد سؤاله) أي إذا سأل العامي مجتهداً عن مذهبه جملة أو في حكم معين لم يكن له أن يستفتي غيره في ذلك الحكم ولا غيرِه بل يجب عليه اتباعه في سائر الأحكام الشرعية لأن المقلد في اختيار من يقلده بمنزلة المجتهد في ترجيح الأمارات فمتى اختار عالماً بفتواه فقد صار ذلك العالم بمنزلة الأمارة الراجحة عند المقلد ينسب هذا القول إلى المنصور بالله (عليه السلام) قال في المنهاج ولقد شدد المنصور بالله في ذلك ورد بأن الإجماع على خلافة للقطع بأن الناس في كل عصر يستفتون المفتين كيف اتفق ولا يلتزمون سؤال مفتٍ بعينه وشاع وتكرر ولم ينكر
وقال الحاكم يصير ملتزماً بالنية أو الشروع في العمل وقيل بها مع الشروع في العمل وقيل بأيها (1)
وقال الجمهور بالعمل فيما عمله خاصة فإذا عمل العامي بقول مجتهد في حكم مسألة فليس له الرجوع إلى غيره وحكى في العضد الاتفاق على ذلك . قلنا لا عمل إلا بنية
(واختلف في جواز تقليد إمامين فصاعداً) مع الاستواء في كمال الاجتهاد والعلم والورع ونحو ذلك مع بعده فمن أوجب التزام إمام معين لم يجزه فقد دخلت هذه المسألة في مفهوم قوله: والتزام مذهب ..إلخ وجوزه بعضهم مطلقا والإمام المهدي علي بن محمَّد والإمام شرف الدِّين (عليه السلام) تقليد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) جملة أما حيث يتفقون فظاهر وأما حيث يختلفون فيرجح أو يخير
(و) على القول بجوازه (لا يجمع بين قولين) فصاعداً (في حكم) واحد (على وجه لا يقول به أي القائلين) سواء وافق غيرهما أو لا أما إن لم يوافق فلخرقه الإجماع كتزوج رفيعه بغير ولي وشهود وإن وافق فلعدم عمله بمن التزمه فتأمل والله أعلم . ولا يخفى أن الأنسب جعل هذه المسألة عقيب قوله والتزام مذهب إمام معين إلى آخره فليتأمل
__________
(1) ـ أي بأي الثلاثة الأمور النية أو الشروع أو النية مع الشروع تمت(1/493)
(و) اعلم أن المفتي إما أن يكون مجتهداً أو لا إن كان مجتهداً لم يجز له إذا سئل عما عنده أن يفتي إلا باجتهاده لا باجتهاد غيره (1) إلا أن يسأل الحكاية لم يجب تغييرها لتطابق السؤال وللمستفتي أن يسأل عن المستند استرشاداً وإذا أفتاه بمجمع عليه لم يخيره في القبول اتفاقاً وكذا إذا كان مختلفاً فيه إِلاَّ أن يعرف ذلك من قصده وعليه سؤال غيره إن لم تسكن نفسه بفتواه
فإن كان غير مجتهد فإنه (يجوز لغير المجتهد) إذا كان له رشد عارفاً بالفروع جامعاً لشروط الرواية (أن يفتي بمذهب مجتهد حكاية مطلقاً) سواء كان مطلعاً على المأخذ أهلا للنظر في الترجيح أو لا بلا خلاف كمن يفتي بما حفظ في الكتب فإنه راو يعتبر فيه شروط الرواية
(و) إن كان غير حكاية بل (تخريجاً) على أصوله الممهدة فذهب الإمام المهدي (عليه السلام) وابن الحاجب إلى جواز ذلك (إن كان مطلعاً على المأخذ) الذي يريد أخذ تلك المسألة منه (أهلاً للنظر) في الترجيح بأن يكون عارفاً بدلالة الخطاب والساقط منها والمأخوذ به المتقدمة فإذا كان كذلك قبل منه التخريج وقد تقدمت أنواعه وهذا هو المسمى بِمُجْتَهِد المذهب وألفاظه أن يقول تخريجاً أو على أصل الإمام أو على قياسه أو على مقتضى أو موجب أو ما دل
__________
(1) ـ في نسخة زيادة وإلا لزم أن يجوز من العامي الصرف أن يفتي من أي كتاب وقف عليه ولا يجوز له إجماعاً تمت(1/494)
(وإذا اختلف المفتون) فمع التفاوت المختار وجوب العمل بقول أوقعهم في نفس المقلد علماً وورعاً ومع الاستواء في العلم والورع ونحوهما مع بعده فإن الأغلب عدم انفكاك التفاوت في المكلفين (على المستفتي) أي طالب الفتيا (غير الملتزم ) إذ لو كان ملتزماً وجب عليه اتباع من التزم مذهبه منهم واستثناؤه بناءً على أنه أخص أو أن الاستثناء منقطع (فقيل) أي قال المنصور بالله والشيخ الحسن وحفيده إنه يخير في الرجوع إلى أيهم شاء ثم بعد ذلك لا يخير بل يستلزم و(يأخذ بأول فُتْيَا) صدرت في رخص قائلها وعزائمه لأنه قد ثبت أن كل واحد لا مزية له على صاحبه في جواز الرجوع إليه وإذا لم يكن هناك مزية فانتقاله إلى مذهب آخر في حادثة أخرى اتباع للهوى والتشهي والشرع لا يقول بذلك .
قلت والجواب ما تقدم من الإجماع على عدم إلزام من استفتاهم بالأخذ بأول فتيا
(وقيل بما يظنه الأصح) من أقوالهم (وقيل يخير) فيأخذ بأي الفتاوى شاء في أي حادثة من غير حجر لأن المفروض استواؤهم في العلم والورع ونحوهما فليس بعضهم حينئذٍ أولى من بعض فله أن يسأل أولاً من شاء وأن يسأل ثانياً غير من سأل أولاً وأيضاً فإن ذلك قد وقع كما سبق من الصحابة وغيرهم واختاره في المعيار والفصول
(وقيل) بل يفصل بأن يقال (يأخذ بالأخف) من أقوالهم إذا كان ذلك (في حق الله تعالى) لقوله تعالى ?يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ? [البقرة 185 ] ?وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? [الحج 78] فالأخذ بالأخف في حقه تعالى يوافق الآيتين
(و) يأخذ (بالأشد في حق العباد) لأنه أحوط (وقيل) بل (يخير في حق الله تعالى) فيأخذ بأيها شاء لأنه أسمح الغرماء ولما تقدم (ويعمل في حق العباد بحكم الحاكم) لأنه أقطع للشجار ولم يشر المصنف إلى اختيار أي هذه الأقوال .(1/495)