شرع الصلاة لهم بكل تشهد

وكفى لهم شرفاً ومجداً باذخاً

وقال إبراهيم بن محمد الحداد يخاطب الناصر بن الهادي عليهما السلام
فرض على كل من صلَّى ومن خطبا
حق الصلاة عليكم و الدعالكم

نكتة(1)
__________
(1) ـ النكتة : الدقيقة سميت بذلك لتأثيرها في النفوس من نكت في الأرض إذا ضرب فأثر فيها بقضيب أو نحوه أولحصولها بحالة فكرية شبيهة بالنكت أو مقارنة له غالباً ويقال لها اللطيفة إذا كان تأثيرها في النفس بحيث تورث معنى من الانبساط ذكره الشلبي والله أعلم تمت منه
روى قطب عباد زمانه صارم الدِّين إبراهيم بن أحمد الكينعي عن الفقيه شرف الدِّين الحسن بن محمَّد النحوي رحمهما الله تعالى أن ملكاً من ملوك الإسلام اختلفت عليه آراء العقائد والمذاهب فجمع علماء الإسلام فقال التبست عليَّ العقائد والمذاهب فدلوني على عقيدة ألقى الله بها وكان فيهم السيد الرضي مصنف نهج البلاغة وحضرت الصلاة فقدموه ليصلي بهم فصلَّى بهم وتشهد فقال اللَّهُمَّ صلَّ على محمَّد وأبي بكر وعمر وعثمان فصاحوا من خلفه أفسدت الصلاة أبطلت صلاتنا فتبسم الملك وقال هكذا بطلت الصلاة ؟ فقالوا نعم قد بطلت الصلاة بأجمعهم فنفض الملك ثيابه وقام وعرف أن متابعة العترة هو الأمر المجمع عليه وما زال على ذلك . وكانت هذه النكتة ثابتة في الأصل فأنزلناها في الحاشية تبعا للمؤلف حيث قال في نسخته : جعلت النكتة حاشية لأنه أنسب كما لا يخفى والله أعلم تمت منه(1/486)


فكانت عقيدتهم أحوط لعدم الندم عليها يوم القطع بهلكة المخطيء ولا يشك عاقل مطلق نفسه من وثاق التعصب في كونهم أكمل الناس وأولاهم أيضاً فقد قال : ( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ومن ولد إسماعيل كنانة ومن كنانة قريشاً ومن قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) (1) ولا معنى لذلك إِلاَّ الأفضلية ولا معنى للأفضلية الشرعية إلا أنها أبلغ في اللطفية وأن الإلتطاف بمثل الاقتداء بهم أعظم ولقرب نسب الشافعي من رسول الله نص الشافعية في أوائل مؤلفاتهم على أن تقليده أولى فكيف بأولاده الذين لا ولد له سواهم ؟! وقد تقدم من الأدلة في الإجماع : الكثير النافع (2) ولهذا ترى كل من كان أوسع باعاً في علم الحديث من المتقدمين والمتأخرين فإنه يتشيع إما ظاهراً أو باطناً كالثوري والأعمش ووهب وطاووس وعبد الرزاق وهمام وغيرهم من المتقدمين وابن جرير والحاكم والزمخشري والدار قطني والماوردي ومن الخلفاء الأموية الأشج والناقص وتشيع الشافعي : ظاهر يشهد به أقواله وأفعاله وغير هؤلاء ولما ذكرنا يظهر أن المراد بالأولوية هنا الوجوب كما قاله عبد الله النجري في شرحه لمقدمة البيان
__________
(1) ـ أخرجه الترمذي في سننه و ابن حنبل في مسنده و عبد الرزاق في مصنفه وأخرج نحوه ابن عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني و مسلم في صحيحه و ابن حبان في صحيحه والترمذي في سننه و الحاكم في مستدركه و الطيالسي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و الدارمي في سننه
(2) ـ وإذا كان الاصطفاء هو المعنى المراد في الأمكنة كالمساجد والأزمنة كشهر رمضان فهو في العقلاء أولى تمت .(1/487)


(والتزام مذهب إمام معين) بأن يعزم على الأخذ بمذهبه في رخصه وعزائمه كزيد بن علي والقاسم والهادي (عليهم السلام) من أهل البيت وكالشافعي وأبي حنيفة من غيرهم (أولى) من تركه والاعتماد على سؤال من عرض فميا عرض ومن التزام مذهب إمامين فصاعداً أيضاً (اتفاقاً) بين القائلين بالتقليد لكون الالتزام أقرب إلى الأخذ بما يقرب من الإجماع لأنهم بين قائل بالندب وقائل بالوجوب (1) ولذا قال (وفي وجوبه) أي الالتزام المذكور (خلاف) بينهم فقال المنصور بالله وشيخه وروي عن أبي الحسين إنه يجب وقال الجمهور لا يجب للإجماع المعنوي من الصحابة فإن العوام كانوا يسألون من صادفوا منهم عما عرض لهم من دون إلزام لهم بذلك ولا إنكار على من لم يلتزم مذهباً معيناً إذ لو كان لنقل كما نقل عنهم الإنكار في غير ذلك
(وبعد التزام مذهب مجتهد) بأي وجوه الالتزام الآتية إن شاء الله تعالى وسواء كان ذلك الالتزام لمذهب حال كونه (جملة) أي في جملة المذهب بأن ينوي اتباعه في رخصه وعزائمه جميعاً (أو في محكم معيَّن) فقط بأن ينوي اتباعه في ذلك الحكم وحده أو في حكمين أو في أحكام معينة فإنه متى حصل أي ذلك (يحرم) عليه العمل بقول غير إمامه و(الانتقال) إلى مذهب غيره (بحسب ذلك) الالتزام (على) المذهب (المختار) وهو مذهب الجمهور قياساً على المجتهد إذا اجتهد ووفى الاجتهاد حقه فأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام لم يجز له العمل بقول غيره لغير مرجح كما تقدم .
__________
(1) ـ هذا أولى من التعليل بأنه يؤدي إلى النهي واتباع الشهوات كما في الشرح الصغير والله أعلم تمت منه(1/488)


وقد يفرق بأنه إنما حرم على المجتهد الانتقال لأنه متى حصل له من نظره في أمارة ظن بحكم جزم بوجوب عمله بمقتضاه لانعقاد الإجماع على أنه يجب عليه العمل بمقتضى ظنه وليس كذلك المقلد فإن ظنه لا يفضيه إلى علم إذ لم ينعقد إجماع على وجوب اتباعه لظنه بل انعقد على خلافه (إلا) أن يعمل بقول غير إمامه لمرجح ديني يغلب ظنه أنه الذي أمره الله به بأن يكون أحوط ، وإنما تتصور الحيطة في الأفعال والتروك لا في الاعتقادات لأن اعتقاد ذلك لا يؤمن كونه جهلاً فيقبح (1) أو بأن يجد من هو أعلم من إمامه أو أورع أو لكونه مقلداً لغير أهل المذهب (عليهم السلام) فينتقل من مذهبهم
أو (إلى ترجيح نفسه إن كان) أي صار (أهلاً للترجيح) حيث يصير مجتهداً مطلقاً أو في ذلك الحكم بحيث يستوفي طرق الحكم الذي يريد الانتقال فيه وهي الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ودليل العقل فمتى استوفاها حتى لا يغيب عنه شيءٌ مما يحتج به عليه ورجح ما رجح عنده وجب عليه ذلك كالمجتهد إذا رجح عنده خلاف الاجتهاد الأول
أو بأن يفسق المجتهد الذي كان المتلزم التزم مذهبه فإنه أيضاً يجب عليه الانتقال من مذهبه فيما تعقب الفسق من أقواله لا فيما قبله إلا أنه ينبغي له أن لا يعتزي إليه فيها بل إلى موافقه فيه إن كان ثم إن تاب قبل انتقاله لم يتعين عليه البقاء بل يخير بينه وبين غيره لبطلان تقليده إياه بفسقه ما لم تصر المسألة إجماعية كأن يقول بمذهبه أحد المجتهدين مثلاً حال الفسق وإلا لم يجز له ولا لمقلده العمل بمذهبه الأول لانعقاد الإجماع على خلافه(2)
__________
(1) ـ يقال : الحيطة في الاعتقاد ممتنعة لأن اعتقاد نقيض الاعتقاد الأول لا يتصور ما دام الاعتقاد الأول وبعد زواله لا حيطة لوجوب العمل بالثاني تمت
(2) ـ لما قلنا أن الأمة إذا اختلفت على قولين ثم فسقت أحدى الطائفتين صارت المسألة اجماعية كما سبق في الإجماع والله أعلم تمت منه(1/489)


أو بأن ينكشف للملتزم نقصان من التزم مذهبه عن درجة الاجتهاد أو كمال العدالة المشروطة في المجتهد المقلد فإنه يجب على المقلد تقليد غيره حينئذٍ
وأجاز الإمام علي بن محمَّد (عليه السلام) التنقل في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لعدم الحرج على من لم يخرج من السفينة وأجازه الإمام يحيى (عليه السلام) في بعض فتاويه وأبو مضر لغير مرجح لأنا إذا قلنا كل مجتهد مصيب لم يحرم علينا في الشرع إلا الانتقال من الصواب إلى الخطأ لا من صواب إلى صواب فلا مقتضى لتحريمه لا عقلاً ولا شرعاً إذ يصير كالواجب المخير كمن شرع في أي أنواع الكفارة ثم ترجح له فعل النوع الثاني فكما لا خطر عليه في ذلك كذلك المقلد وإنما الخطر في ذلك مع القول بأن الحق مع واحد والمخالف مخطيء وكما جاز للمقلد اختيار ما شاء من المذاهب ابتدأ بلا خلاف [*]استصحبنا الحال بعد تقليده لأيهم إذا لم يتجدد له ما يحرم ذلك .
قلنا لا نسلم أنه منتقل من صواب إلى صواب بل قد صار بعد التزامه قول إمام ممنوعاً من الخروج منه كما وقع الإجماع على أن المجتهد بعد اجتهاده ليس له أن يعمل بخلافه وإن كان صواباً بالنظر إلى قائله
أما التنقل لمجرد تتبع الشهوات فقد نص العلماء على تحريمه إجماعاً وأن الإجماع على ذلك معلوم . ذكر الذهبي في تذكرته عن الأوزاعي من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام (1). وفي تلخيص ابن حجر روى عبد الرزاق عن معمر مثل ذلك ومثله عن المنصور بالله والمهدي عليهما السلام
__________
(1) ـ في سنن البيهقي الكبرى ج: 10 ص: 211 أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول سمعت العباس بن الوليد يقول سمعت محمد بن شعيب بن شابور يقول سمعت الأوزاعي يقول من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام وفي سير أعلام النبلاء ج: 7 ص: 125قال محمد بن شعيب سمعت الأوزاعي يقول من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام(1/490)

98 / 108
ع
En
A+
A-