(و) لما كان الجهل مقابلاً للاجتهاد ويلزم التقليد لأجله شرعاً وذلك يتوقف على معرفة ماهيته ومن يقلد ومن لا وما يقلد فيه وما لا ، حسن إلحاقه به فقال (التقليد) لغةً مأخوذة من القلادة كأن المستفتي جعل الفتيا قلادة في عنق المفتي أو عنقه نفسه واصطلاحاً (اتباع قول الغير) الناشئ عن قبوله أي اعقتاده والإذعان له والمراد بالقول الرأي والمذهب فيشمل القول والفعل والترك والتقرير وإضافته إلى الغير يخرج المعلوم ضرورة لعدم اختصاصه بذلك المجتهد وما كان من أقواله وأفعاله التي ليس فيها اجتهاد إذ لا يسمى قولاً له بالمعنى الذي ذكرناه وقوله (بلا حُجَّة) دليل أوأمارة (ولا شبهة) أي ما في صورتهما يخرج المجتهد الموافق اجتهاده لاجتهاد آخر لأنه إنما قبل ذلك الحكم وأخذه من الدليل لا من المجتهد وقولهم أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا تجوز ويخرج أيضاً الرجوع إلى قول النبي أو إلى الإجماع ورجوع القاضي إلى الشهود في شهادتهم لقيام الحُجَّة فيهما فقول النبي بالمعجزة والإجماع بما مر في حجيته والشاهد بالإجماع ولو سمي ذلك أو بعضه تقليداً أو استفتاء كما سمي في العرف أخذ العامي بقول المجتهد تقليداً فلا مشاحة في التسمية والاصطلاح(1/476)
(ولا يجوز) أي (التقليد(1) في الأصول) سواء كانت من أصول الدِّين كمعرفة الباري تعالى وصفاته وقدمه وأسمائه والوعد والوعيد والنبوءات وما يتعلق بذلك أو من أصول الفقه أو من أصول الشريعة التي هي الصلاة والصوم والحج ونحوها لاشتراط العلم فيها وعدم حصوله بالتقليد ولثبوت أن الحق فيها مع واحد والمخالف مخطئ آثم فلا يأمن المقلد أن يكون من قلده مخطئاً فيكون على ضلالة في دينه ويكون هالكاً سيما العقلية منها كمعرفته تعالى ولذا حث تعالى على النظر والفكر فقال ?وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ? [آل عمران191 ]الآية ?أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ? [الغاشية17]الآية وغير ذلك من القرآن كثير واحتج تعالى على الكفار في القرآن وذمهم على تقليدهم الآباء في قولهم? إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ?[الزخرف23 ]وأيضاً فإن معرفة الله تعالى وصفاته ونحوها واجبة بالإجماع فلو اقتضاها التقليد لزم اجتماع النقيضين فيكون كل منهما حقاً وهو محال
بيانه : أنه إذا قلد اثنان اثنين في المسائل المختلف فيها كحدوث العالم وقدمه كان المقلدان عالمين بهما فيلزم حقيقتهما وعدم إلزام الصحابة العوامَّ بالنظر ممنوع فقد ألزموهم وصدر منهم كما قال الأعرابي البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام على المسير أفسماء ذات بروج وأرض ذات فِجَاج لا يدلان على اللطيف الخبير ؟! ونهيه عن الكلام في القدر محمول على الجدال بالباطل والله أعلم .
(ولا) يجوز أيضاً (في العلميات) أي فيما يتعلق به علم سواء كان أصلياً كما تقدم آنفاً أو فرعياً كمسألة الشفاعة وفسق من خالف الإجماع فيكون من عطف العام على الخاص ليرتب
__________
(1) ـ لا أرى لإقامة الظاهر مقام المضمر وجها والله أعلم ويندفع بأي كما ذكرنا تمت منه(1/477)
(و) لا في (ما يترتب عليها) عليه كالموالاة وهي أن تحب لشخص ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لها ومن ذلك تعظيمه واحترَام عرضه فذلك وإن كان عملاً فلا يجوز التقليد فيه ولا العمل بالظن لأن ذلك لا يجوز إلا لمن علم إيمانه والأصل فيمن ظاهره الإسلام الإيمان ما لم يعلم أنه قد خرج عنه والمعاداة وهي نقيض الموالاة لا يجوز التقليد فيها أيضاً ولا يكفي في العمل بها إلا العلم لترتبها على الكفر أو الفسق وهما ممَّا لا يجوز فيه التقليد فكذا ما ترتب عليهما وأمر الأئمة بحرب نحو الباطنية أمر بالقتل لا بالاعتقاد كالأمر بالحد وإلا لزم تعذر المقصود بالإمامة من الجهاد والحدود ذكر معناه في الغيث وحكاه عن الحفيد وقال في تكملة البحر والمنصور بالله والنجري في شرح مقدمة البيان إن قول الإمام كالدليل إذ يفيد الحكم الشرعي كالحكم بالقصاص ونحوه ومن البعيد أن يفعل المأمور ذلك غير معتقد للسبب واختار الدواري وابن أبي الخير جواز التقليد فيما يترتب على علمي
(و) أمَّا ما عدا ما ذكر فقال الجمهور ومنهم المنصور بالله (عليه السلام) والحفيد إنه (يجب) إذ لا يمكن غير المجتهد العمل بغيره (في) الأحكام (العملية المحضة) أي ما لا يتعلق به إلا العمل الخالص ودون تحقيقها منفصلة عن الاعتقاد خرط القتاد (1) فغايتها ترتبها على علمي لا العلمية (2) ولا ما يترتب عليها كما سبق آنفاً سواءً كانت من (الظنية) أي التي دليلها ظني من نص آحادي أو قياس غير جامع لشروط القطع أو إجماع كذلك (والقطعية) أي التي [*] من النص المتواتر أو المتلقى بالقبول والإجماع والقياس القطعيين
__________
(1) ـ إذ لا يمكن أن تكون عملية إلا باعتقاد مدلولها فيحقق . ثم إنهم قد صرحوا بأن العملي يكون قلبيا كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة ، وأن الوتر مندوب وغير قلبي وهو ظاهر تمت منه
(2) ـ هذا مقابل المتن العملية المحضة تمت(1/478)
وقال أبو علي والشيرازي بجوازه في الاجتهادية دون القطعية لأن الحق فيها مع واحد .
قلنا :الفرق يقتضي أن يحصِّل العامي درجة الاجتهاد ثم يقلد إذ لا يميز بينهما بدون تقليد إلا المجتهد
وقالت البغدادية لا يجوز مطلقاً بل يجب على المفتي تبيين الوجه فيما يفتي به قالوا لأن الخطأ من المجتهد جائز الوقوع وعلى تقدير وقوعه يجب اتباعه .
قلنا :والخطأ أيضاً جائز مع ابداء المستند من المجتهد للمقلد لكون البيان ظنياً وأنتم تقولون إن المجتهد إذا أبدى مستنده لغيره وجب اتباعه وكذلك المجتهد يجب عليه مع احتماله الخطأ فما هو جوابكم فهو جوابنا
قالوا :قال تعالى ?وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون ?[الأعراف33] .
قلنا :يختص بالعقليات جمعاً بينه وبين أدلة اتباع الظن
قالوا :قد ذم تعالى التقليد بقوله حاكياً ?إنَّا وجدنا آبائنا على أمة? [الزخرف23 ]قلنا :المذموم :التقليد الباطل الجاري على خلاف الدليل الواضح وفي العقليات
وهذا الخلاف في جوازه ووجوبه (على غير المجتهد) سواءً كان عامياً صرفاً أو عارفاً بشطر صالح من علوم الاجتهاد فأما المجتهد فيحرم عليه بعد الاجتهاد اتفاقاً وقبله على الخلاف كما سبق وإنما يقلد ويستفتى مجتهد عدل تصريحاً وتأويلاً ولذا (و) جب (على المقلد) أي من يريد التقليد وإنما أتى به ظاهراً مع كون المقام مقام الإضمار لئلا يوهم قبل التأمل عوده إلى المجتهد والله أعلم (البحث عن كمال من يقلده في علمه وعدالته) كذلك إذا جهلهما لاشتراط صلاحيته للفتوى بالعلم والعدالة وإنما ينكشف بالبحث فلا يجوز تقليد الفاسق إذ ليس أهلاً لذلك وكيف يقوم الظل والعود أعوج ؟ ولا المجهول لعدم الظن بصحة فتواه أما في مجهولهما معاً فلأنهما شرطان والأصل عدمهما ولأن الغالب على الناس التجاري على مقتضيات السمو والرفعة وعدم التحري والتثبت وأما في مجهول العلم وحده فلأن غلبة الجهالة على الناس توجب الظن بانتفاء العلم(1/479)
وقالت الحنفية :يجوز استفتاء المجهول علمه حملاً على السلامة وأنه لا يفتي إلا بما يعلم وأن الغالب على المجتهدين العدالة.
قلنا :معارض بظهور الجهل وكون الأكثر غير عدل قال تعالى ?وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين ?[الأعرافَ102]ومعرفتهما تحصل إما بالخبر أو الشهرة
(ويكفيه) أي يكفي من يريد التقليد من البحث في تحصيل ذلك إن لم يحصل أحد الأمرين (انتصابه للفتيا) من غير قدح من يعتد به فأما إذا قدح من يعتد به في العلم والورع في ذلك المنتصب لم يحصل الظن إذ مع القدح لا يحصل الظن بعدالته فلا يجوز الأخذ بفتواه إلا أن يعارض قدح القادح خبر من مثله بعدالة المنتصب رجع إلى الترجيح .
وأما قدح من لا يعتد به فغير ضائر وإنما يكفي انتصابه للفتيا حيث كان (في بلد محق) أي شوكته منسوبة إلى محق سواء كان إماماً أو محتسباً أو ذا صلاحية أو منصوب الخمسة إذا كان ذلك المحق (لا يجيز تقليد كافر التأويل وفاسقه) وقد تقدم تحقيقهما والخلاف في قبول روايتهما أما إذا كان من تقدم يرى جواز الأخذ عنهما لم يجز الأخذ عن ذلك المجهول بل لا بد من اختباره وكأن مذهب المصنف الفرق بين روايته وتقليده حيث قال هنا لا يجيز وفيما تقدم واختلف .
ثم إن المستفتي إن لم يجد مفتياً في بلده وجب عليه الخروج في طلبه حتى يجده وإن وجده في بلده متحداً فإن كان لا غيره فيها ولا في غيرها يعلمه تعين عليه العمل بقوله ولعله اتفاق
وإن تعدد فإما أن يتفقوا أو يختلفوا إن اتفقوا وجب عليه اتباعهم لأنهم إذا كانوا كل المجتهدين من العترة أو الأُمّة فللإجماع وإن كان غيرهم مجتهداً ولم يكونوا كل أهل الإجماع فلأنه لا طريق له في الحادثة إلا قولهم(1/480)