(وبمماثلة ما نص عليه) لغيره في علته وإن لم ينص عليه كان يقول في اشتباه ثوبين أحدهما متنجس يجتهد في ذلك فيعرف أن مذهبه اشتباه طعامين كذلك مثل ذلك لعلة الإشتباه إلا أن ينص على ما نقيضه في مثلها فلا ينقل حكم أحدهما إلى الأخرى
(وبتعليله بعلة يوجد) أي يعلم وجودها بأحد طرقها (في غير ما نص عليه) وذكره مع دخوله في المماثلة إذ هي أعم منه مطلقاً ليرتب عليه قوله (وإن كان يرى جواز تخصيص العلة) وهو [*]تخلف الحكم عنها وأنه لا يقدح في عليتها كأن يعلل حرمة الربا في البُّر بكونه مكيلاً مثلاً فتلحق به سائر المكيلات والأخذ من هذه الوجوه التي يعرف بها مذهبه ما عدا صريح النص يعبر عنه بالتخريج(1)
وقد اختلف في التخريج على أصل مجتهد
فقال بعض أئمتنا (عليهم السلام) يضاف إليه واختاره في الفصول مع التقييد بأنه تخريج لئلا يوهم الكذب وليتميز عن نصوصه وعن ذلك فرعوا الفروع ويعبر عنها بالتخاريج والوجوه
__________
(1) ـ ذكر معناه المهدي والسيد أحمد بن لقمان (عليهم السلام) وابن حميد في شرح مقدمة الأزهار إهـ .(1/471)


وعند بعضهم لا يضاف إليه ، وجواز التقليد فيها وعدمه ينبني على ذلك وقد هجن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمَّد (عليه السلام) على القائلين بالتخريج قال لأن الأحكام الشرعية قول عن الله تعالى إجماعاً(1) لأنه إنما يسأل المفتي عما يثبت من الأحكام عن الله تعالى ولا يثبت شيءٌ من الأحكام الشرعية بعد انقطاع الوحي إلا في كتابه وفي سنة رسوله بالنص والقياس ، والمقلد إذا أفتى بشيءٍ فرعه على نصوص المجتهد لا يعلم أصولها من الكتاب والسنة لا سيما مع ما تقدم من قاعدتهم في ذلك من عدم لزوم البحث عن الناسخ والمخصص وعن مذهبه في تخصيص العلة فمن أفتى بذلك فقد قال على الله بما لا يعلم وقد قال تعالى ?وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ? [البقرة 168 ] ?إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ? [ البقرة 169] ونحوها وقد أوسع (عليه السلام) الكلام في هذا المقام في الإرشاد فليطالع وللقاضي عبد الله الدواري (2) نحوٌ من ذلك . قلت وأيضاً قال تعالى ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي? [ المائدة 3]الآية و قال تعالى : ? مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ
__________
(1) ـ ونقل عن جماعة القول بإبطاله كالهادي وأبي طالب والإمام المهدي والناصر الحسن بن علي بن داود (عليهم السلام) ونقله أيضاً عن الذهبي والله أعلم تمت منه
(2) ـ عبد الله بن الحسن بن عطية المؤيد الدواري، الصعدي . عالم ، فقيه ، مجتهد مصنف ، كثير التأليف ، أخذ العلم عن مشاهير علماء عصره ، وتتلمذ عليه كبار العلماء كالهادي بن إبراهيم الوزير ، والعلامة عبد الله النجري وغيرهم ، كان مرجعا لعلماء عصره ، كان الناس يتوقفون عن مبايعة الإمام حتى يحضر من أشهر مؤلفاته شرح الأصول الخمسة للسيد ما نكديم تمت أعلام المؤلفين للسيد عبد السلام الوجيه(1/472)


? [الأنعام 38]وقال ما علمت شيئاً يقربكم من الجَنَّة إلا ودللتكم عليه ولا شيئاً يباعدكم عن النار إلا وقد(1) حذرتكم منه أو كما قال .
(و) إذا كانت المسئلة اجتهادية واجتهد فيها المجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم معين ثم تغير اجتهاده فأحواله في ذلك ثلاثة :
أحدها أن يتغير اجتهاده وقد عمل بحسب الاجتهاد الأول وفرغ من عمله وليس لتلك الحادثة فرع ولا حكم مستقل فما فعله بالاجتهاد الأول فهو صحيح مثل أن يكون رأيه في التيمم أنه إلى الرسغين ثم فعل ذلك وصلى به ثم أحدث وتغير اجتهاده إلى أنه إلى المرفقين فإن صلاته بذلك التيمم صحيحة ولا يلزمه إعادتها
وثانيها أن يتغير اجتهاده ولم يفعل بحسب الاجتهاد الأول فهذا يلزمه العمل بالاجتهاد الثاني ولا خلاف أعلمه كأن يرى التيمم إلى المرفقين قبل أن يتيمم إلى الرسغين
__________
(1) ـ ومن ثم قال الشافعي جميع ما تقوله الأُمَّة شرح للسنة وجميع السنة شرح للقرآن وقال بعض السلف ما سمعت حديثاً إلا التمست له آية من كتاب الله وقال سعيد بن جبير ما بلغني حديث عن رسول الله على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله أخرجه ابن أبي حاتم وقال ابن مسعود أنزل في القرآن كل علم وبيَّن لنا فيه كل شيءٍ ولكن علمنا يقصر عن ما بُيِّن لنا في القرآن أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة وقال الشافعي أيضاً جميع ما حكم به النبي فهومما فهمه من القرآن قال السيوطي ويؤيده قوله إنِّي لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه رواه باللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة وقال الشافعي أيضاً ليست تنزل بأحد في الدِّين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى والله أعلم تمت منه(1/473)


وثالثها أن يتغير اجتهاده بعد أن عمل بالأول إلا أن للأول أحكاماً تتبعه مستقلة أو يخل بطاعة مما تقضى وله فيها مذهب وأراد جبرها بالقضاء وقد ذهب إلى مذهب فأحد قولي المؤيد بالله والمنصور بالله عليهما السلام ومحمَّد بن الحسن وصححه فقهاء المؤيد بالله كأبي مضر وعلي بن خليل وبعض المتأخرين والحفيد أنه يعمل على الاجتهاد الأول ولا يلتفت إلى الثاني
وقال الحقيني والمهدي أحمد بن الحسين وأحد قولي المؤيد بالله (عليهم السلام) إنه يعمل على الاجتهاد الثاني وكذا الحكم فيمن قلده فإنه لا يزال العمل على الاجتهاد الأول حتى يعلم انتقاله عنه ولا يلزمه تكرير السؤال مرة بعد أخرى هل تغير اجتهادك أو لا ؟ فلذا قلنا أنه إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى معين وأفتى من قلده فيه ثم تغير اجتهاد إلى غيره فإنه (إذا رجع عن اجتهاد) قد أفتى به إلى اجتهاد آخر وتمكن من إخبار المستفتي ولم يكن قد عمل بالأول ولم يقلد غيره معه في تلك المسئلة ممن يوافقه(1) فيها نحو أن يتزوج امرأة مثلاً بغير ولي عند ظن إمامه صحة ذلك ثم تغير اجتهاده إلى عدم الصحة أو سافر بريداً وهو يرى وجوب القصر فيه ثم رأى بعد خروج وقت الصلاة أنه لا يوجبها (وجب عليه إيذان مقلده) ليرجع المقلد عن رأيه الأول ليعمل على القول الثاني لأن المفروض أن مستند العامي وقائده إلى العمل كون ما عمل به قولاً لذلك المجتهد وإلا كان على مراحل من العمل ومعلوم أنه بعد الرجوع لم يبق قول له فلا يصح أن يعمل به بعده لبطلان شرط العمل وانهدام أصله فيجب عليه أن يعمل بالثاني
__________
(1) ـ أما لو قلد من يوافقه فيها معه لم يلزمه إعلامه لأنه في ذلك الحكم عامل بمذهب إمام آخر والله أعلم تمت منه(1/474)


أما لو كانت المسألة قطعية وأخطأ فيها المفتي بفتياه أو الحاكم بحكمه ، أو اجتهادية وقصَّر في الاجتهاد فلا شبهة في أنه يجب عليه الإعلام بالخطأ ولو احتاج إلى مال كثير في التوصل إلى تعريفه الخطأ ما لم يخش ضرراً أو فوات أهم منه من الواجبات وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يخبر ما أفتاه بتغيير اجتهاده حيث يتغير وروي أن محمَّد بن الحسن أنفق عشرة آلاف درهم في تلافي فتوى أفتى بها خلاف الصواب وهو محمول على أن خطأه خلاف الإجماع أو قصَّر في الاجتهاد أو يكون ذلك منه على جهة الاستحباب
(و) قد وقع (في جواز تجزيء الاجتهاد) بجريانه في مسألة أو مسائل مخصوصة(1) (خلاف) بين العلماء ،فذهب المؤيد بالله والمنصور بالله والدَّاعِي الأمير علي بن الحسين والإمام يحيى والمهدي، والغزالي والرازي وغيرهم إلى جوازه لجواز اطلاع القاصر عن مرتبة الاجتهاد على أمارات مسألة على حد اطلاع المجتهد وتكفيه معرفة ما يتعلق بها ولا يضره جهل ما عداه
وقيل :لا يصح تجزبه لجواز تعلقها بما لا يعلمه .
قلنا :احتمال تعلق المجهول بالمسألة المجتهد فيها لا يدفع الظن الحاصل للفقيه لأن المفروض حصول جميع ما هو مادة في تلك المسألة في ظنه نفياً وإثباتاً إما بأخذه عن مجتهد وإما بعد تقرير الأئمة الأمارات وضم كل جنس إلى جنسه فيتجزأ حينئذٍ الاجتهاد .
(فصل)
__________
(1) ـ قالوا وفي فن دون آخر وفيه أن الاجتهاد يختص فن الأحكام والفروع دون سائر الفنون من النحو وغيره كما يفهم من حد الاجتهاد وإن كان الحق إمكان الاستنباط في سائر الفنون إلا أنه خلاف الاصطلاح فتأمل تمت منه(1/475)

95 / 108
ع
En
A+
A-