وذهب الجمهور إلى جوازه مطلقاً لما سبق من أنه لا مانع من تعلق المصحلة به عقلاً ولأنه أمر عقبة بن عامر وعمرو بن العاص أن يجتهدا في بعض الأحكام بحضرته وقال لهما : (إن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة) (1) .
وروي أيضاً أنه أمر غيرهما بذلك ولخبر معاذ المتلقى بالقبول . وما روي أنه قال لأبي موسى حين وجهه إلى اليمن (اجتهد رأيك) فلو لم يكن الاجتهاد جائزاً في عصره لما أمر من أمر و دعا لمن دعا ومن جعل هذه الأخبار دليلاً على الوقوع فقد أبعد سيما الآخرين
__________
(1) ـ لم يأمرهما في حالة واحدة بل أمر كل منهما على حدة هذا ما عثرنا عليه ، أما أمره لعمرو فقد أخرجه الحاكم في مستدركه والدارقطني في سننه و عبد بن حميد في مسنده ، وأما أمره لعقبة بن عامر فقد أخرجه الطبراني في معجميه الأوسط والصغير(1/456)


(و) اختلفوا في الوقوع فأكثرهم على (أنه وقع ممن عاصره في غيبته) عن مجلسه مسافة لا يمكن مراجعته في الحادثة لتضيقها ويحتمل أن المراد بالغيبة : الغيبة عن البلد أو مسافة القصر أو ما يشق معها الارتحال لخبر عمرو بن العاص قال كنت في غزوة ذات السلاسل (1) احتلمت في ليلة باردة فأشفقت على نفسي إن اغتسلت بالماء هلكت فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح فذكرت لرسول الله فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟! فقلت سمعت الله تعالى يقول ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا?[النساء 29] فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً (2) (وحضرته) ما ليس كذلك بإذنه كحكم سعد بن معاذ في بني قريظة وذلك أنه قال ألا ترضون أن نُحكم فيكم رجلاً منكم ؟ قالوا بلى قال فذلك إلى سعد بن معاذ وقد كان سعد جعله النبي في خيمة في جانب مسجده ليعوده من قريب فأتاه قومه فاحتملوه على حمار وأقبلوا به وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فيقول لهم قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فحينئذٍ أيس قومه من بني قريظة ونعوهم إلى أهليهم قبل أن يحكم ولما أقبل إلى النبي قال لمن عنده قوموا إلى سيدكم فقيل أراد بها الأنصار خاصة وقيل عم الكل فحكم سعد بقتل الرجال وقسمة الأموال وسبي الذراري والنساء فقال النبي
__________
(1) ـ قال فتح الباري ج: 8 ص: 74 :قيل سميت ذات السلاسل لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا وقيل لأن بها ماء يقال له السلسل وذكر بن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام قال وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة وقيل كانت سنة سبع وبه جزم بن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ ونقل بن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا بن إسحاق فقال قبلها
(2) ـ أخرجه الحاكم في مستدركه وأخرجه ابن حبان في صحيحه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى(1/457)


لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة بكسر ميم من على أنها حرف جر وإثبات تاء سبعة كذا في سائر كتب الأصول وفي كتب الحديث بحكم الملك العلام (1) وروي بفتحها وفي العضد بحكم من فوق سبعة بفتح من على أنها موصولة فحبسهم النبي في بيت واحد وخدَلهم أخاديد في موضع سوق المدينة وخرج بهم أرسالاً يضرب أعناقهم ثم يلقون في الأخاديد وترك منهم من لم ينبت (2) فممن ترك لعدم الانبات عطية القرضي جد محمَّد بن كعب المفسر الذي قال النبي في حقه (يخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن درساً لم يدرسه أحد قبله ولا يدرسه أحد بعده )(3)
__________
(1) ـ أخرجه البيهقي في سننه الكبرى والبخاري في الأدب المفرد و مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و ابن حبان في صحيحه و أبو داو في سننه وابن حنبل في مسنده و الطيالسي في مسنده و النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و عبد بن حميد في مسنده و عبد الرزاق في مصنفه و الطبراني في معجمه الأوسط
(2) ـ نص الحديث :- في سنن أبو داو ج 4/ص 141/ح حدثني عطية القرظي قال كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت وأخرجه النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثارو الطيالسي في مسنده و الحميدي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى
(3) ـ لم نعثر عليه بلفظه كاملا وإنما بنقص (لم يدرسه أحد قبله)والذي عثرنا عليه بواسطة موسوعة التخريج الكبرى سيخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد بعده أخرجه الطبراني في معجمه وابن حنبل في مسنده(1/458)


قيل وبغير إذنه وهو ظاهر المتن لما أخرج مسلم عن أبي قتادة الأنصاري ثم السلمي قال خرجت مع رسول الله عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة قطعت الدرع قال وأقبل علي فضمني ضمة وجدت معها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت له ما بال الناس ؟ فقال أمر الله قال ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله فقال من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سبله فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال مثل ذلك قال فقلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال مثل ذلك الثالثة فقمت فقال رسول الله مالك يا أبا قتادة ؟ فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فارضه من حقه فقال أبو بكر لاها الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سبله فقال النبي صدق فأعطه إياه فأعطاني فبعت الدرع فابتعت مخرفاً (1) في بني سلمة فإنه لأول ما تأثلته في الإسلام . قلنا أبو بكر إنما عمل بالنص وهو قوله من قتل قتيلاً فله سلبه لا بالاجتهاد وهو ظاهر وأيضاً قال الله تعالى ?لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ?[ الحجرات1] . وفاعل لا يعمد ويعطيك ضمير لرسول الله
__________
(1) ـ قال في فتح الباري (فابتعت): أي اشتريت (مخرفاً): بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء أي بستاناً (في بني سلمة): بكسر اللام (تأثلته): أي تكلفت جمعه وجعلته أصل مالي, وأثل كل شيء أصله. وفي الحديث دليل على أن السلب للقاتل وأنه لا يخمس, وللعلماء فيه اختلاف, وذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه إهـ .(1/459)


(و) اعلم (أن الحق في القطعيات) عقلية كانت وهي ما دل عليها قاطع من جهة العقل بالضرورة أو ما انتهى إليها أو سمعية كلامية أو أصولية (مع واحد و) أن (المخالف مخطيء آثم) كافر إن خالف ما علم من الدِّين ضرورة معاندة لأنه تكذيب لله تعالى ولرسوله وإن لم يعاند كان خطؤه مؤدياً إلى الجهل بالله تعالى وإنكار رسله في جميع ما بلغوه عن الله تعالى فهو آثم كافر أيضاً لأن المجسم يعبد غير الله ويعتقد أن التأثير لذلك الغير كالوثنوية والمنجمة والطبائعية ولا خلاف في كفرهم مع اجتهادهم والمتأول للشرائع بالسقوط نحو الباطنية مكذب لرسول الله فيما جاء به فهو كمن كذبه ولا خلاف في كفره مع اجتهاده ومن أخطأ في غير ذلك بعد التحري فمعفو عنه لقوله تعالى ?وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ?[ الأحزاب5] ولم يفصل وقوله : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولم يفصل وللإجماع على أنه من نكح امرأة في العدة جهلاً غيرُ آثم مع أنه قد خالف ما علم من الدِّين ضرورة هذا حكم المجتهد في اعتقاديات الأصول وقطعيات الفروع(1/460)

92 / 108
ع
En
A+
A-