ولا بد(1) مع ذلك من ذكاء يتمكن به من استنباط الأحكام فإنه قد شوهد من جمع هذه العلوم أو أكثرها ولا يتمكن من الاستنباط لعدم فقه نفسه ولذا قال بعضهم لما قيل له أتحب أن يكون لك نقل القاضي عبد الجَبَّار ؟ وكان القاضي في نقل العلوم وروايتها عن ظهر قلب بلغ مبلغاً عظيماً لم يبلغه سواه أو نظر أبي الحسين وكان ممن يسبق النظار في ميدان الأفكار ولذا تراه قد استبد بأقوال وآراء في العلوم وامتاز بها عمَّن قبله وبعده فاختار نظر أبي الحسين وذلك لأن صاحبه أي حادثة نزلت به يمكنه أن يستخرج حكمها بالنظر فيأتي بما يحفظه الحافظ وغيره
وقد علم من الحد وما بعده أنه لا يشترط علم الفروع لأنه نتيجة الاجتهاد وثمرته واجتهاد رجال مثله ولا يجب عليه معرفة اجتهاد غيره إذ لا يجوز له العمل به فلا يحتاجه إلا أنه معونة عليه . ولا العدالة إلا في الأخذ عنه ولا الذكورة ولا الحد والبرهان من المنطق لإمكان إقامة البرهان بدونه ولا معرفة أسباب النزول إذ لا يقصر العموم على سببه خلافاً لزاعمي ذلك . والأولى اشتراط معرفة سبب النزول إذ بها يعرف أنه قطعي الدخول فلا يخصصه
(و) اعلم أنه لا خلاف في أن النبي يجوز له الاجتهاد في الآراء الدنيوية والحروب إلا ما يروى عن الجبائي وابنه والأصح عنهما خلافه
__________
(1) ـ البد : الفراق مفتوح لأنه اسم لا لنفي الجنس ومن ذكاء خبرها ومع ذلك ظرف بد وقيل أنه في مثل هذا التركيب مشبه بالمضاف لتعلق الجار والمجرور به وإنما لم ينصبه وينونه جرياً على بعض اللغات في المشبه بالمضاف والله أعلم تمت منه(1/451)


واختلف في تعبده بالاجتهاد فيما لا نص فيه من الأحكام الشرعية على قولين (المختار) عند المصنف منهما قول المنصور بالله وأبي طالب وحكايته عن أبي عبد الله البصري في المجزي والشيخ الحسن وغيرهم (جواز تعبده بالاجتهاد) إذ لا يمتنع تعلق المصلحة به (عقلاً) فيكون حكمه حكمنا في تعلق مصلحته بالتوصل إلى كثير من الأحكام من طريق القياس والاجتهاد فيتعبد بذلك كما تعبدنا
وحكي عن بعض أئمتنا (عليهم السلام) المنع لأنه قادر على اليقين في الحكم بانتظار الوحي فيحرم عليه الظن الذي لا يحصل من الاجتهاد سواه ورد بالمنع فإن إنزال الوحي غير مقدور له وانتظاره لا يستلزمه ولذا كان يحكم بالشهادة مع أنها لا تفيد إلا الظن وتجويز خطأه فيه ممنوع لعصمته واستلزامه عدم الثقة بقوله سلمنا ذلك كما ذهب إليه بعض القائلين بالوقوع فلا يقر عليه اتفاقاً فلا يلزم منه عدم الثقة بقوله
ثم اختلف القائلون بالجواز وهم الأكثر في وقوع تعبده بالاجتهاد في الأحكام الدينية فقال أبو طالب (عليه السلام) وأكثر المعتزلة إنه لم يقع لقوله تعالى ?وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إن هو إلا وحي يوحى?[النجم 3-4] إذ معناه أن كل ما ينطق به عن وحي وهو ينفي الاجتهاد . ورد بتخصيصه بما بلغ من القرآن لأنها لرد قولهم فيه أنه مفتر(1/452)


وإن سلّم عمومه فتعبده بالاجتهاد ثابت بالوحي فيكون الحكم الثابت بالاجتهاد ثابتاً بالوحي وقال الشافعي والفقيه يوسف وراتضاه ابن الحاجب بوقوعه لما روي عنه من تحويله في قتل خالد بن الوليد وإيجابه في كل نصف الدية (1)
__________
(1) ـ في كتاب الفروع للمقدسي ج: 6 ص: 200وقد بعث النبي وهو مقيم بمكة عام الفتح قبل خروجه خالد لما رجع من هدم العزى وقتل المرأة السوداء العريانة الناشرة الرأس وهي العزى وكانت بنخلة لقريش وكنانة وكانت أعظم أصنامهم وبعثه إلى بني جذيمة فأسلموا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالواة صبأنا صبأنا فلم يقبل منهم وقال ليس هذا بإسلام فقتلهم فأنكر عليه من معه كسالم مولى أبي حذيفة وابن عمر فلما بلغه عليه السلام رفع يديه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين وبعث عليا بمال فوداهم بنصف الدية وضمن لهم ما تلف إهـ
هذا وقد روى تبري النبي من صنع خالد البخار في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن حنبل في مسنده و النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى و عبد بن حميد في مسنده و ابن أبي شيبة في مصنفه(1/453)


وما روي أن سعد بن الربيع وكان نقيباً من نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله فقال أفرشته كريمتي فلطمها فقال لتقتص منه فنزل قوله تعالى ?وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ? [النساء 34] الآية فقال : ( أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص ) (1) ولذا قال الزهري لا قصاص بين الرجل وزوجته فيما دون النفس ولكن يجب العقل . وما روي أنه قال : (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم )(2)
__________
(1) ـ في فتح القدير للشوكاني الجزء :1 الصفحة :694وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن: أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي بينهما القصاص، فنزل "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه" فسكت رسول الله ( ) ونزل القرآن "الرجال قوامون على النساء" الآية، فقال رسول الله : أردنا أمراً وأراد الله غيره. وأخرج ابن مردويه عن علي نحوه. وفي تفسير القرطبي ج: 5 ص: 168والآية نزلت في سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد إبن خارجة بن أبي زهير فلطمها فقال أبوها يارسول الله أفرشته كريمتي فلطمها فقال عليه السلام لتقتص من زوجها فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال عليه السلام أرجعوا هذا جبريل أتاني فأنزل الله هذه الآية فقال عليه السلام أردنا أمرا وأراد الله غيره وفي رواية أخرى أردت شيئا وما أراد الله خير ونقض الحكم الأول
(2) ـ الغيلة أن يجامعها وهي ترضع تمت وأخرج الحديث الدارمي في سننه و مسلم في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطيالسي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى(1/454)


قال العلماء وسبب همه بالنهي عنها أنه يُخَاف منه ضرر الولد المرضع قالوا والأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وهي هنا بكسر الغين ويقال له الغيل بفتح الغين وحذف الهاء والغيال بكسر الغين كما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة . قال مالك في الموطأ والأصمعي وغيره هي أن يجامع امرأته وهي ترضع يقال أغال الرجل وأغيل إذا فعل ذلك . وقال ابن السكيت هي أن يفعل ذلك وهي حامل يقال غَالَتْ وَأغْيَلَتْ
(و) اختار المصنف ما ذهب إليه القاضي عبد الجَبَّار وأبو الحسين وارتضاه الإمام يحيى وعزاه إلى أكثر علماء الأصول من الوقف من (أنه لايقطع بوقوع ذلك ولا انتفائه) لتعارض الأدلة كما سبق
واختلف في جواز الاجتهاد من الصحابة في عصره فذهب الأقل إلى منعه مطلقاً في الحاضر والغائب مع الإذن وعدمه للتمكن من العلم بالرجوع إلى الرسول والاجتهاد إنما يحصل به الظن ولا يصار إليه إلا مع تعذر العلم ورد بالمنع فإن إخبار النبي غير مقدور لهم
فإن قيل يجب عليه الإخبار إذا سألوه ففرضهم السؤال وهو مقدور لهم قطعاً . أجيب بأنه إذا كانت المصلحة في أن يعمل المكلفون في بعض الأحكام باجتهادهم وسلكوا فيه طريق الظن لم يجب أن يبيِّن لهم الرسول تلك الأحكام من طريق النص بل لم يجز فلا تمكن من العلم .
فإن قيل تجويز ذلك يستلزم الاستغناء عنه في تلك الأحكام التي يتوصل إليها بالاجتهاد .قلنا ذلك ممنوع كيف والاجتهاد فيما لا يتم إلا بإلحاقها بالمنصوصات وإلا لزم أن تكون الصحابة بعده قد استغنت عنه في أحكام الحوادث التي اجتهدت فيها وهو ظاهر الفساد .(1/455)

91 / 108
ع
En
A+
A-