وقيل يكون ناسخاً مطلقاً لأنه لا يقوله إلا عن نقل غالباً وكحداثته وتأخر إسلامه لأن منقول متأخر الصحبة لحداثة السن وتأخر الإسلام قد يكون متقدماً ومنقول متقدم الصحبة قد يكون متأخراً فلا دلالة في ذلك على النسخ وكترتيبه في المصحف فإن الآيات لم ترتب ترتيب النزول ألا ترى أن وجوب الاعتداد حولاً المستفاد من قوله ?مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ?[البقرة240] منسوخ بوجوب التربص أربعة أشهر وعشراً المستفاد من قوله تعالى ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا?[البقرة234] مع تقدم الناسخ في التلاوة وهي نظير قوله تعالى ?سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ?[البقرة 142]الآية مع قوله تعالى ?قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ?[البقرة144] وكموافقة الأصل فلا يحكم بتقدم الموافق ولا بتأخره إذ لا يمتنع أن يكون ابتداء الشريعة جاءت بخلاف ما في الأصل أو بما يوافقه وكأخفية الحكم لأن الأحكام مراعى فيها المصالح فيجوز أن تكون المصلحة في تأخر الأشق [*] كما سبق مثاله في الصيام فإن عرف الناسخ بطريق معتبر عمل به وإلا وجب الترجيح بين المتعارضين بأحد طرقه الآتية في بابه إن شاء الله تعالى إن أمكن وإلا رجع إلى غيرهما .
ولما كان بحث الأصولي عن الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ،منطوقا ومفهوما ،حقيقة ومجازا ، أمرا ونهيا ، عاما وخاصا ، مطلقا ومقيدا ، مجملا ومبينا ، ظاهرا ومأولا ، ناسخا ومنسوخا ، من حيث أنه يستنبط الأحكام منها ، وطريق ذلك هو الإجتهاد ختم تلك الأبحاث بباب الإجتهاد وذكر التقليد معه للمناسبة والمناقضة فقال :
(الباب التاسع)(1/446)


(في الاجتهاد و التقليد ، الاجتهاد) لغة تحمل الجهد والمشقة واصطلاحاً (استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظن) أو علم (بحكم شرعي) أي ما أسند إلى دليل شرعي كقياس تحريم النبيذ على الخمر وقطع سارق عشرين درهماً على [*]سارق العشرة وهو المراد بقولهم بذل المجهود لنيل المقصود ومعنى استفراغ الوسع بذل تمام الطاقة بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه فخرج استفراغ غير الفقيه وسعه مطلقاً [*]وبذل الفقيه وسعه في الظن بحكم غير شرعي فالاجتهاد أعم من القياس فيشمل أنواع الأدلة نصاً وظاهراً ومفهوماً وقياساً وغيرها وهو مذهب أئمتنا (عليهم السلام) والجمهور ويسميان عندهم دين الله
(والفقيه) لغة كثير الفقه وقد تقدم تعريف الفقه واصطلاحاً هو المجتهد فأخذه في حد الاجتهاد دور بمرتبة كما ذكرته في إيضاح المغني وهو (من يتمكن) إشارة إلى أن الاجتهاد هو التأهل وإن لم يحصل بالفعل (من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها) وأماراتها (التفصيلية) ولو غير إمام خلافاً للإمامية أو من غير العترة خلافاً لظاهر قول الهادي عليه السلام والناصر عليه السلام للمشاركة في الطريق إلى الاجتهاد وقد تقدم بيان هذه القيود أول الكتاب وقد شاع اسم الفقيه على من يعلم فن الفروع وإن لم يكن مجتهداً والمجتهد فيه : الحكم الشرعي العملي (وإنما يتمكن من ذلك) الاستنباط (من حصل ما يحتاج إليه فيه) أي في فن الاجتهاد(1/447)


والمحتاج إليه في ذلك علوم خمسة :أولها أنواع : (من علم العربية) اللغة والنحو(1) والتصريف والمعاني والبيان فيعرف معاني المفردات والمركبات وخواصها تعلماً أو سليقه لأن خطاب الشارع من اللغة العربية فيتوقف معرفة مراده على معرفتها
(و) ثانيها علم (الأصول) أي أصول الفقه لانصرافه إليه عند الاطلاق لأنه مشتمل على معرفة حكم العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والإجمال والتبيين وشروط النسخ وما يصح منها وما يقتضيه الأمر والنهي من الوجوب والفور والتكرار وغيرها ومعرفة الإجماع والقياس وشروطهما صحيحهما وفاسدهما مع ما ضم إلى معرفة المفاهيم والترجيحات والحقيقة والمجاز .
وأما أصول الدين فقيل ليس بشرط والأولى اشتراط معرفة الله ورسوله ليتم له نسبة الأحكام إلى الله ورسوله وإن لم يتبحر في أدلته
__________
(1) ـ قال أبو داود سمعت الأصمعي يقول إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار لأنه لم يلحن فمهما روى عنه ملحون فقد كذب عليه وعن سالم بن قتيبة قال كنت عند أبي هبيرة الأكبر فجرى ذكر العربية فقال والله ما استوى رجلان دينهما واحد وحسبهما واحد ومروتهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يلحن لأن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن فقلت أصلح الله الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته أفرأيت الآخر ما له أفضل فيها ؟ فقال إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله وأن الذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل فيها ما ليس منه ويخرج ما هو فيه قلت صدق الأمير وير ذكر معناه في الغاية في علم الرواية تمت منه .(1/448)


(وثالثها) معرفة ما يتعلق بالأحكام من (الكتاب) العزيز لغة وشريعة أما لغة فبأن يعرف معاني المفردات والمركبات وخواصها في الإفادة فلذا افتقر إلى العربية تعلماً أو سليقة كما سبق . وأما شريعة فبأن يعرف المعاني المؤثرة في الأحكام مثلاً يعرف في قوله تعالى ?أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ?[المائدة6] أن المراد بالغائط الحدث وأن علة الحكم خروج النجاسة عن بدن الإنسان وبأقسامه من الخاص والعام والمشترك والمجمل والمبين وغير ذلك فلذا احتيج إلى أصول الفقه كما سبق ولا خفاء في أن هذا مغاير لمعرفة المعاني
(و) رابعها معرفة ما يتعلق بها من (السنة) النبويَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الطاهرين الكرام كذلك وسندها وهو طريق وصولها إلينا من تواتر وآحاد وتتضمن معرفة حال الرواة والجرح والتعديل والصحة والسقم وغيرها وطريقه في زماننا الاكتفاء بتعديل الأئمة الموثوق بهم لتعذر معرفة أحوال الرواة على حقيقتها في وقتنا فيكفيه كتاب مصحح جامع لأكثر ما ورد في الأحكام في ظنة(1) ويعرف موضع كل باب بحيث يتمكن من الرجوع إليها ككتاب الشفاء وأصول الأحكام من كتبنا وسنن أبي داود من كتب الفقهاء ، وقد قيل أن عدد الأحاديث التي يحتاج إليها ألف ألف حديث وقيل ستمائة ألف حديث وروي في حاشية الفصول عن الإمام يحيى (عليه السلام) أنه يكفي شرح النكت (2)
__________
(1) ـ إنما قيد بظنه لأن الكثرة أمر نسبي لا يعرف إلا بمعرفة الجميع تأمل تمت منه
(2) ـ قال في العواصم : إنحصرت رواية المحدثين عن علي عليه السلام في خمسمائة حديث وستة وثمانين حديثا ، وعن ابن مسعود في ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثا ، وعن أبي ذر في مائتين وثمانين حديثا ، وعن سلمان في ستين حديثا ،وعن أبي عبيدة الجراح في أربعة عشر حديثا إنتهى بالمعنى تمت منه(1/449)


(و) قد دخل(1) في علم الأصول معرفة القياس كما سبق فلا وجه لعده على حده شرطاً وهو يستلزم أيضاً
خامسها وهو معرفة (مسائل الإجماع) التي وقع الإجماع عليها من العترة (عليهم السلام) أو الأُمَّة والمراد القطعي لئلا يخالفه وكذا كل قاطع شرعي وإنما اشترط معرفة هذه لأنها مأخذ الأحكام فلا يمكن الاجتهاد إلا بعد الفحص والتفتيش فيها .
قال الإمام المهدي (عليه السلام) وذلك يسير على من علت همته وأنف عن ارتداء رذائل التقليد قال والعجب كله من ذوي الأبصار يدعون أن الاجتهاد قد صار متعذراً مع اطلاعهم على نصوص كثير من العلماء ـ قديماً وأخيراًـ أن المعتبر في الاجتهاد لا يزيد على ما ذكرنا فأين التعذر ؟ بل هو على من علت همته وأنف عن رذائل التقليد أيسر من طلب نقل ما فرعته الأئمة السابقون فإن تفريعهم قد بلغ في الاتساع مبلغاً عظيماً يشق حمله ويصعب نقله ولو اشتغل طالبه بطلب الاجتهاد بلغه في مدة أقصر من مدة نقله لما فرعوه وصار بذلك غنياً عنهم رفيعاً عن وهيطة (2) التقليد انتهى .
[ويكفي في معرفة ما ذكر إمكان الاطلاع عليها بحيث يعرف السور والأبواب التي هي فيها وإن لم يحفظها غيباً ](3)
__________
(1) ـ على الصحيح من كون القياس من الأصول ومن الدِّين أما كونه من الأصول فظاهر وأما كونه من الدين فلما روي أن هذا العلم دين ...الخبر والقياس علم فهو من الدِّين تمت منه
(2) ـ الوهيط المكان المنخفض من الأرض ، وفي الأم الوهيصة والوهص شدة الوطء
(3) ـ ما بين المعكوفين غير موجود في نسخة المؤلف(1/450)

90 / 108
ع
En
A+
A-