وروى النسائي عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف عن خالته قالت : (لقد أقرأناها رسول الله آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة بما قضيا لذتهما ) ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه وفي روايتهما أنها كانت في سورة الأحزاب والمراد بالشيخ والشيخة المحصنان فالحكم باقٍ واللفظ مرتفع .
وأما الحكم دون التلاوة بأن يبقى اللفظ قرآنا يتلى معجزاً ولا يبقى الحكم الدال هو عليه فذلك كثير(1) كالآيات المنسوخة بآية السيف
[آية السيف]
وهي قوله تعالى ? فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ ? الآية [التوبة 5] فإنها نسخت ما فيه الصفح والإعراض مائة وأربعاً وعشرين آيه وقيل نيفاً وثلاث مائة آية فما نسخ تلاوته وحكمه أو تلاوته فقط جاز للجنب ونحوه مسه وقراءته وما بقيت تلاوته لم يجز له ذلك
وذهب قدماء أهل البيت عليهم السلام وبعض متأخريهم كالإمام المهدي أحمد بن يحيى والإمام المنصور بالله القاسم بن محمَّد وولده إما م عصرنا المؤيد بالله محمد عليهم السلام وبعض شيعتهم رحمهم الله تعالى إلى جواز نسخ الحكم دون التلاوة وحكى الإمامان عبد الله بن الحسين في كتابه الناسخ والمنسوخ وأحمد بن سليمان في حقائق المعرفة الإجماع على ذلك والأخبار التي رويت آحادية فلا يجوز القطع بكونها قرآنا فلا تنسخ القطعي ولا ترفعه وأيضاً
__________
(1) ـ ومثل بآية الاعتداد بالحول ، وفيه أنه ليس من باب النسخ ، لأن آية الحول ظاهرة في أمر من مات بالوصية بذلك ، وأية الأربعة أشهر والعشر أمر للنسوة قبل ، وكذا في سائر ما يدعى فيه النسخ ، والله أعلم تمت منه(1/431)


قال سيد الوصيين ووصي خير النبيين جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله رواه في مجموع زيد بن علي عليهما السلام وأصول الأحكام وغيرهما من كتب أهل البيت عليهم السلام وفي البخاري فلو كان حديث الرجم قرآناً كما زعموا لقال رجمتها بكتاب الله فثبت أن النسخ في كتاب الله إنما هو للحكم دون التلاوة
(ولا خلاف) في جواز نسخ (مفهوم الموافقه مع أصله) والنسخ به عند القائلين بأنه ليس من باب القياس
(و) المختار جواز نسخ (أصله) الثابت هو به كنسخ تحريم التأفيف (دونه) أي دون الضرب مثلاً وذلك لأنه رفع للملزوم مع بقاء لازمه ، وأنه لا يمتنع (وكذا العكس) بأن ينسخ المفهوم دون أصله (إن لم يكن فحوى) بأن يكون مساوياً كوجوب ثبات الواحد للاثنين المفهوم من وجوب ثبات المائة للمائتين فيجوز أن يقال لا يجب على الواحد أن يثبت للاثنين فينسخ مفهوم الآية فإن كان فحوى بأن كان فيه معنى الأولى كرفع تحريم الضرب مع بقاء تحريم التأفيف لم يجز إذ لم يلزم منه وجود الملزوم مع عدم اللازم وأنه محال . وأما دليل الخطاب على القول به فإنه يجوز نسخه مع أصله ونسخ أصله دونه والعكس .
قلت ومثال نسخهما أن يقال : (في سائمة الغنم زكاة) ، (لا زكاة في السائمة )ومثال ما نسخ أصله دونه أن يقول بعد ذلك كما لا تجب في المعلوفة لا تجب في السائمة . ومثال العكس أن يقول بعد ذلك تجب الزكاة في المعلوفة والسائمة ومن أمثلته قوله تعالى ? ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ?[البقرة 187]ثم يرد دليل بإدخال جزء من الليل كان نسخاً للمفهوم والله أعلم
(و) اعلم أنه لا يثبت الحكم سواء كان مبتدأ أو ناسخاً قبل أن يبلغه جبريل عليه السلام إلى نبينا وكذا بعد تبليغه إلى النبي وقبل تبليغ النبي للمكلفين عند الجمهور لأن القول به يؤدي إلى تكليف ما لا يعلم وهو قبيح .(1/432)


وقال بعض الشافعية بوصوله إلى النبي صار الحكم منسوخاً عنا قياساً على تكليف الكفار بالتكاليف الشرعية لما بلغت الرسول وإن لم يعلموها . قلنا هم متمكنون من العلم بها فهم مأتيون من قبل أنفسهم .
وفائدة الخلاف فيما لو كان المنسوخ عبادة واجبة فيمن يقول بنسخها لا يوجب القضاء على المخل بها قبل تمكنه من العلم بالناسخ ومن لا يجيزه يوجبه
وأما بعد تبليغ النبي إلى المكلفين فإن نسخ بعد إمكان فعله بأن يمضى وقت يمكن فعله فيه وإنما يكون ذلك في الوقت الموسع والمطلق جاز اتفاقاً ، وإن كان قبل إمكانه فعند أئمتنا عليهم السلام والمعتزلة والصيرفي وحكي عن أكثر الحنفية والحنابلة أنه (لا يجوز نسخ الشيء قبل إمكان فعله) أي إمكان المكلف أن يفعله فلا يصح ولا يجوز أن يقول صلوا ركعتين ثم يقول لا تصلُّوا ركعتين قبل مضي وقت يسعها لأنه لو صح ذلك وجاز لكان نهياً عن نفس ما أمر به أو أمراً بنفس ما نهى عنه فإن كان ذلك لأنه ظهر له من بعد القبح أو الحسن كان بدا وإن كان لأنه لم يظهر له شيءٌ من ذلك كان عبثاً أو تجهيلاً والكل على الله تعالى محال
وأجازه جمهور الأشاعرة وبعض الفقهاء محتجين بأن كل نسخ قبل وقت الفعل وهو ثابت بالاتفاق يلزم تجويزه قبل الفعل بيانه أن التكليف بالفعل بعد وقته محال لأنه إن فعل أطاع وإن ترك عصى فلا نسخ .
قلنا هذا غير النزاع لأن النزاع في وقوعه قبل الوقت الذي قدر الشارع للفعل والمذكور في شبهتكم قبل مباشرة الفعل فأين أحدهما من الآخر (1) ؟
__________
(1) ـ وأيضا قولهم وكذلك في وقت فعله ... إلخ غير مسلم فإنه بعد الشروع في المأمور به لا يعد ممتثلا حتى يفرغ منه مع الإمكان تمت منه(1/433)


قالوا قد وقع النسخ قبل التمكن والوقوع فرع الجواز فمن ذلك قصة إبراهيم عليه السلام فإنه أمر بذبح ولده عليه السلام بدليل قوله تعالى حاكياً عنه ? افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ?[الصافات102] ولأنه أقدم على الذبح وترويع الولد ولو لم يكن مأموراً به لكان ذلك ممتنعاً شرعاً وعادة ونسخ عنه قبل التمكن من الفعل لأنه لم يفعل فلو كان عدم الفعل عند حضور الوقت لكان عاصياً ومنه حديث المعراج فإنه يدل على نسخ الزائد من الخمسين صلاة عن الخمس قبل التمكن . قلنا: لا نسلم أن شيئاً مما ذكرتموه : من ذلك
أمَّا قصة إبراهيم (عليه السلام) فلجواز أن يكون المراد : ? افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? [الصافات102] في المستقبل بدليل افعل ما تؤمر لا ما أُمرت سلمنا أنه قد أمر فلا نسلم أنه أمر بالذبح بل أمر بالمقدمات من الإضجاع وتحديد المدية والانتظار لما يترتب عليها من ذبح أو غيره ومثل هذا الانتظار بلاء يحسن معه الفداء سلمنا أنه أمر بالذبح نفسه لكن الوقت موسع وقد تقضى منه ما يسعه ولا يعصى به ومثل هذا التعليق بالمستقبل لا يمنع النسخ .
وقولهم :لو كان موسعاً لأخر الإقدام والترويع رجاء أنه ينسخ أو يموت فمثله من عظائم الأمور يؤخر عادة :ممنوع الملازمة فإن الأنبياء (عليهم السلام) إنما يستبعد منهم عدم المسارعة إلى الامتثال فكثير من مثله التراخي إلى أن مضى من الوقت ما يسع الفعل ولو سلم فلا نسلم عدم التأخير لجواز أن يكون الإقدام والترويع في آخر أوقات الإمكان والتقدير غير ممنوع فالنسخ بعد التمكن وامتناعه لمانع خارجي(1/434)


وأما حديث المعراج فإنه يستلزم النسخ قبل بلوغه المكلفين وعقد قلوبهم على الامتثال ولا قائل(1) به فيجب تأويله بأن المراد فرض الخمسين أن المفروض من الصلوات الخمس ثوابه ثواب الخمسين وبيّن ذلك الاقتصار على الخمس قبل وقت الإمكان ويتأيد هذا التأويل بأن حديث المعراج متأخر عن شرع الصلاة فإن المشهور أن رسول الله وأصحابه كانوا يصلون الخمس قبل ذلك بمدة مديدة .
فإن قيل إن ذلك يشتمل على فائدة التكليف التي هي الابتلاء فيصير مطيعاً عاصياً بالعزم على الفعل والترك فيكون أسبق الخطابين موجهاً إلى العزم والآخر إلى الفعل فلم يتواردا على محل واحد فلا يؤدي إلى ما ذكرتم .
أجيب بأن وجوب العزم فرع وجوب المعزوم عليه فإذا لم يجب لم يجب فلا يطيع ولا يعصي به سلمنا فالتعبير عن العزم بالفعل إلغاز وتعمية إذ لم يوضع له ولا قرينة تدل عليه ولو سلم لم يكن من النسخ في شيءٍ لاختلاف المتعلقين (والزيادة على العبادة) إن لم يكن لها تعلق بالمزيد عليه كصلاة سادسة فليست بنسخ اتفاقاً إلا ما يحكى عن بعض العراقيين من الحنفية لأنها تخرج الوسطى عن كونها وسطى فيبطل وجوب المحافظة عليها الثابت بقوله تعالى ?حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ? [البقرة238].
__________
(1) ـ ويستلزم أن يكون موسى أعلم بالمصالح من الله تعالى عن ذلك حيث قال إن أمتك لا تطيق ذلك وتجويز الكبائر على الأنبياء (عليهم السلام) حيث جوزوا على الله أن يتعبد بما ليس فيه مصلحة فشفعوا في اسقاطه أو أنهم علموا أنه مصلحة فشفعوا في اسقاطها ويستلزم تجويز الجور على الله تعالى حيث أمر بما لا يطاق وأيضاً فإن حديث المعراج وإن كان قطعي الجمله فهو ظني التفصيل وهذا من الظني لا تثبت به الاعتقادات والله أعلم وقال السهيلي إنما نسخ التبليغ به عن رسول الله وأما أُمَّته فلم ينسخ عنهم حكم تمت منه(1/435)

87 / 108
ع
En
A+
A-