قلنا لزوم التناقض في موضع الخلاف ممنوع لما بيناه وإنما يلزم فيما نص على تأبيد الحكم واستمراره ولا خلاف في منع نسخه
قالوا نسخ وجوب الصيام المؤبد(1) يجعله غير مؤبد لأنه إذا لم يجب جاز تركه فلم يدم فيكون مبطلاً لنصوصية تأبيد الفعل كتأبيد الحكم .
قلنا نسخ الوجوب المؤبد يستلزم اجتماع الحسن والقبح في زمن واحد ولو في بعض أزمنة الأبد بخلاف نسخ الفعل المؤبد لاحتمال أن يكون زمن الوجوب غير زمن الفعل .
فإن قيل تقييد الفعل بالأبدية لا من حيث هو بل من حيث كلف به فيستلزم أبدية التكليف به فإذا انتفت أبدية التكليف به بالنسخ انتفت أبديته . أجيب بالمنع وإن سلم فغايته الظهور ، وقوله ونسخ ما قيد بالتأبيد عطف على المضمر المجرور من غير إعادة الخافض كما أشرت إليه
__________
(1) ـ المؤبد صفة للصيام - الذي هو محل الخلاف - لا للوجوب - الذي ليس محلاً للخلاف - ، فتأمل ، والله أعلم تمت منه .(1/426)


(و) اختلف في جوازه (إلى غير بدل) بمعنى هل يجوز النسخ للحكم الشرعي بلا حكم آخر ثان يدل الدليل على ارتفاع الحكم السابق من غير إثبات حكم آخر شرعي ؟ فجوزه الجمهور أما من يقول بمراعاة المصالح فلجواز أن تكون المصلحة في انقضاء التعبد بذلك الحكم من دون تبديل له بحكم آخر والعقل يقضي بأنه لا استحالة في ذلك قضاء قطعياً وأما من لم يقل بها فجوازه عنده أظهر وأيضاً فإنه قد وقع ومثل بآية صدقة(1) النجوى المنسوخة ب? فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا?[المجادلة 13] الآية فإنه قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن مجاهد قال علي عليه السلام ما عمل بها غيري حتى نسخت وأحسبه قال وما كان إلا ساعة من نهار وفيه أن نسخ الوجوب لا يرفع الجواز ندباً أو إباحة شرعية
وذهب بعض أهل الظاهر وغيرهم إلى منعه وبنى عليه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمَّد عليه السلام لأن الله عزّ وَجلّ أخبر بقوله ?مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ?[البقرة 106] أنه لا ينسخ إلا ببدل إذ لا يتصور أن يكون خيراً أو مثلاً إلا فيه والخلف في خبر الصادق محال .
__________
(1) ـ وذهب بعضهم إلى أن البدل ما في الآية من إقامة الصلاة وما بعدها ، ولا يمتنع أن يحب الشيء لنفسه أو لغيره لجواز تعليل الحكم بعلتين غائيتين ، وبعضهم إلى أنها صريح في النسخ قبل التمكن لأنه بيد الأمر بالمناجاة ، ثم نسخ قبل الوقت في حق أكثرهم ، فهو كما قالوا : صم غداً ، ثم نسخ اليوم ، وأجيب : بأنه من العموم المراد به الخصوص ، وقد فعله أمير المؤمنين كرم الله وجهه قبل أن ينسخ إهـ .(1/427)


وأجيب بأن المراد بالآية اللفظ فبدلها كذلك فالمراد نأت بلفظ خير لا بحكم خير والنزاع في الثاني ولا دلالة عليه سلمنا أن المراد بحكم خيرٍ منها(1) لكن لفظ الآية محتمل للتخصيص فلم لا يكون مخصصاً بما نسخ لا إلى بدل ؟
(و) أما إلى بدل فقد اتفق العلماء على جواز نسخ الأشق بالأخف كنسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله ووجوب مصابرة كل طائفة من المسلمين لعشرة أمثالهم بوجوب مصابرتهم الضعف للضعف وعلى جواز نسخ المماثل بمثله كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة .
واختلفوا في جواز نسخ الحكم (الأخف) بالحكم (الأشق) والجمهور على جوازه (كالعكس) اللغوي(2) أي كما يجوز نسخ الأشق بالأخف لما تقدم من المصلحة عند معتبرها والوقوع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وصوم عاشوراء وهو يوم بصوم شهر رمضان والصفح عن الكفار بقتال مقاتلهم ثم بقتالهم كافة
وذهب بعض الشافعية وبعض الظاهرية إلى منعه لأن النقل من الأخف إلى الأثقل أبعد في المصلحة لكونه إضراراً في حق المكلفين لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة وإن تركوا استضروا بالعقوبة وهو غير لائق بحكمة الشارع .
قلنا ذلك لازم لكم في ابتداء الحكم لنقل المكلف من الإباحة الأصلية والإطلاق إلى مشقة التكليف ، وأيضا لا نسلم الأبعدية لجواز أن يعلم الشارع أن الأصلح للمكلف هو النقل إلى الأثقل كما ينقلهم من الصحة إلى السقم ومن الشباب إلى الهرم .
__________
(1) ـ قال بعض المحققين : سلمنا أن المراد بحكم خيرٍ ، فلا نسلم أن المراد به هو الشرعي ؛ بل المراد أعم منه ومن الأصلي ، فلعل الخير في حكم الله تعالى عدم الحكم وهو حكم أصلي ، وفيه أن قوله : نأت بخير منها ، يناقض كون الأصل مرداً فتأمل تمت منه
(2) ـ قيده باللغوي دون الاصطلاحي ، لأنه عبارة عن المستوي وعن عكس النقيض ، ولكل منهما شروط ذكرت فيما سبق ، بخلاف اللغوي فإنه مجرد تقديم وتأخير ، والله أعلم تمت منه(1/428)


قالوا :قال الله تعالى:?يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ?[البقرة 185]? يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم?[النساء28] . قلنا اليسر والعسر والتخفيف في الآيتين مطلق لا عام واللام للجنس لا للاستغراق ولو سلم فالمراد في الآخرة كتخفيف الحساب وتكثير الثواب ولو سلم فمجاز باعتبار ما يؤول إليه لأن عاقبة التكليف هذان . ولو سلم كونه دنيوياً وحقيقة فمخصوص بما ذكرناه من النسخ بالأثقل كتخصيصه بالتكاليف الثقيلة الشاقة وأنواع الابتلاء في الأبدان والأموال اتفاقاً .
قالوا قال تعالى ?مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ?[البقرة 106] والخير هو الأخف والمثل هو المساوي والأشق ليس شيئاً منهما .
قلنا الأشق خير باعتبار الثواب بدليل قوله تعالى ?وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ?[البقرة216] وقوله تعالى ?لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ ?[التوبة 120] الآية وبقول الطبيب للمريض الجوع خير لك
(و) لا خلاف أنه لم ينسخ مجموع القرآن وأما نسخ بعضه فمنعه أبو مسلم كما سبق لقوله تعالى ?لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ٍ?[فصلت42] فلو نسخ بعضه لتطرق إليه البطلان .
قلنا النسخ ليس باطلاً بل هو حق قطعاً والباطل غير الحق وكذلك المنسوخ ليس باطلاً لوقوعه على وفق المصلحة وارتفاعه بارتفاعها . ولأن بيان انتهاء حكم وإزالته لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته(1/429)


ومختار جمهورهم جواز نسخه بالقرآن أو السنة (التلاوة) فلا يبقى اللفظ قرآناً (والحكم) فلا يبقى حكمه معمولاً به (جميعاً) يجوز أن يكون حالاً من مفعول المصدر أي يجوز نسخهما حال كونهما مجتمعين ويرادف كلاً في العموم ولا يفيد الإجماع في الزمن بخلاف مع وأن يكون تأكيداً فإن ابن مالك قد عدها من ألفاظ التأكيد قال وأغفلها النحويون وقد نبَّه سيبويه على أنها بمنزلة كل معنى واستعمالاً ولم يذكر لها شاهداً من كلام العرب وقد ظفرت بشاهد له وهو قول امرأة من العرب ترقص ابنها
(فداك خولان ،جميعهم ،وهمدان ،وكل آل قحطان ،والأكرمون عرفان ) فعلى رأيه يعرب هنا تأكيداً للمفعول والله أعلم .
وإنما جاز نسخهما لحديث عائشة (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله وهي فيما يقرأ من القرآن ) رواه مسلم فإنه لم يبق لهذا اللفظ حكم القرآن لا في الاستدلال ولا في غيره
فأما قولها فتوفي عليه السلام وهي فيما يتلى من القرآن فمحمول على أن من لم يبلغه نسخ تلاوته يتلوه وهو معذور وإنما أول بذلك لإجماع الصحابة ومن بعدهم على تركها من المصحف (وأحدهما دون الآخر) أي إما التلاوة فلا يبقى اللفظ قرآنا دون الحكم فيبقى كما رواه مسلم (كان فيما أنزل الله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ثم نسخ تلاوته )
قال النووي في شرحه وكما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب عن عمر قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أو يقول قائل لا تجد حدين في كتاب الله عزّ وَجَلّ فلقد رجم رسول الله والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عزّ وَجلّ لأثبتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها )
وروى الترمذي نحوه والبخاري ومسلم عن ابن عباس عن عمر قريباً من هذا(1/430)

86 / 108
ع
En
A+
A-