وأجيب بأن المخاطب بالعام ممنوع عن اعتقاد شموله حتى يقع البحث عن مخصصه كذلك فلا يجده وأما الخطاب بالمجمل ففائدته توطين النفس على الامتثال متى بين وبالوقوع كما روي عن ابن عباس أنه قال أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كحة وثلاث بنات له منها فقام ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً وإنما يورثون الرجال وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة قال:فجاءت أم كحة إلى رسول الله فقالت:يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك علي بناتاً وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناتي من المال شيئاً فدعاهما رسول الله فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاً ولا ينكي عدواً فقال رسول الله انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن . فانصرفوا فأنزل الله تعالى ?لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ?[النساء7] الآية فبعث إليهما (لايفرقان من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبيِّن حتى تبين فنزل : ?يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ْ? [النساء11] فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابن العم .
ولما فرغ من بيان المجمل والمبين أخذ يبيِّن الظاهر والمأول فقال :
(فصل)(1/416)


(والظاهر) لغة :الواضح يقال : ظهر الشيء ظهوراً إذا وضح بعد خفائه ومنه قيل : ظهر لي رأي أي علمت ما لم أكن علمته وظهر الحمل إذا تبين ويقال :ظهرت عليه أي اطلعت وظهرت على الحائط علوته ومنه ظهر على عدوه إذا غلبه واصطلاحاً (قد يطلق) تارة (على ما يقابل النص) فيكون قسيماً له فهو اللفظ السابق إلى الفهم منه معنى راجح مع احتماله لمعنى مرجوح لم يحمل عليه (و) أخرى (على ما يقابل المجمل) وحقيقته حينئذٍ ما يفهم المراد به تفصيلاً فيكون النص قسماً منه لأن ما يفهم المراد منه تفصيلاً قد يفيد معنى لا يحتمل سواه احتمالاً مرجوحاً وهو النص وقد يفيد معنى مرجوحاً ولم يحمل عليه لقرينة (وقد تقدما) يحتمل أن يعود الضمير إلى النص والمجمل وإن يعود إلى الظاهر مقابل النص والظاهر مقابل المجمل وتقدمهما على التقديرين في باب المنطوق والمفهوم وفي باب المجمل والمبين ؛ لأن الظاهر يرادف المبين وقد تقدم تفسير المبين فاللام للعهد الذكري مطلقاً (والمأول ما يراد به خلاف ظاهره) لدليل يصيره راجحاً قطعياً عقلياً كان أو شرعياً أو ظنياً فيخرج المجمل إذ لا يفهم المراد به وهذا قد فهم أن المراد به خلاف ظاهره ويخرج الظاهر لأن المراد به ظاهره ويخرج المهمل أيضاً إذ لا يراد به شيءٌ
(و) أما (التأويل) لغة فهو مصدر أول مأخوذ من آل يؤول إذا رجع ومآل الشيء :مرجعه فله شبه بالمعنى اللغوي كأنه رد اللفظ من ذهابه على الظاهر إلى ما أريد به واصطلاحاً فهو (صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه أو قصره على بعض مدلوله) نبه بالعطف هنا على ما اختار سابقاً من أن العام المخصص حقيقة لا مجازاً (لقرينة) عقلية أو حالية أو مقالية (اقتضتهما) أي الصرف والقصر والصواب اقتضته لأن الضمير العائد إلى المتعاطف بأو يجب إفراده لعوده إلى واحد مبهم [*](1)
__________
(1) ـ فهو على حذف مضاف أي اقتضت أحدهما تمت(1/417)


أما العقلية فكتأويل اليد في بعض مواقعها في القرآن بالنعمة إذ هي حقيقة في العضو لكن لَمّا قامت الدلالة العقلية القاطعة على نفي التجسيم حملناها على خلاف حقيقتها وهو النعمة لكثرة استعمالها فيها عند أهل اللغة
وأما الحالية فكما جاء في الحديث عنه :(لعن الله السارق يسرق البيضة ) (1) فإنه إذا فرض أنه قال ذلك وهو يلبس لامة الحرب عند قيام الحرب علم أنه لم يرد بلفظ البيضة بيضة الدجاجة وإنما أراد بيضة الحديد التي تجعل فوق الرأس إذ حالة الحرب مع لبس لامته وعدم بيضة الدجاجة تقتضي ذلك
وأما المقالية فكصرف ما ظاهره التجسيم من الآيات والأخبار عن الظاهر لقوله تعالى ?ليس كمثلة شيءٌ?[الشورى 14]
(و) التأويل أقسام لأنه (قد يكون قريباً فيكتفي فيه) لقربه (أدنى مرجح) كما ذكرنا في تأويل اليد بالنعمة وأنها مجاز في النعمة قريب لقوة العلاقة
وكذا تأويل سائر الآيات والأحاديث التي يخالف ظاهرها التنزيه ويوهم التشبيه فإن الدليل العقلي والشرعي قائم على عدم إرادة ظاهرها بل اتفاق السلف والخلف على منع حملها على الظاهر وهو في أدلة الأحكام الشرعية كثير جداً كتأويل : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ) بأمر الإيجاب لأن مطلق الأمر قد ورد في قوله : (استاكوا)(2)هذا عند من يقول أن الأمر حقيقة في الندب أو للقدر المشترك بينهما وأما عند من يقول أنه للوجوب فيكون التأويل القريب في قوله استاكوا حيث حمل على أمر الندب وهو خلاف الظاهر بدليل لأمرتهم بالسواك .
__________
(1) ـ أخرجه البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن ماجه في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى و عبد الرزاق في مصنفه
(2) ـ أخرجه ابن حنبل في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده(1/418)


ومنه قصر (إنما الربى في النسيئة )على مختلفي الجنس لحديث عبادة بن الصامت (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُّر بالبُّر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ) وقد تقدم تخريجه في العموم .
ومنه تأويل الجلد في الزاني على التصنيف في العبد قياساً على الأَمَة وقوله تعالى? إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ?[التوبة60] الآية ببيان أن كل صنف مصرف على انفراده إذ لم يقصد وجوب التشريك كما زعم الجويني وإنما كان هذا تأويلاً لأن اللفظ يقتضي التشريك بين جميعهم إذ الواو للجمع والمعنى يقتضي إيثار ذوي الحاجة إذ المقصود سد الخلة والتعداد لبيان المصرف لا للتشريك فغلب جانب المعنى على جانب اللفظ ذكر معناه في حاشية الفصول على نهاية المجتهد(1/419)


(و) قد يكون (بعيداً) وبعده بحسب خفاء العلاقة (فيحتاج) لبعده (إلى) المرجح (الأقوى) ولا يرجح بالأدنى ، من ذلك تأويل أصحابنا والحنفية حديث أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له رسول الله (أمسك أربعاً وفارق سائرهن ) رواه النسائي عن الثقة عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه وابن حبان والترمذي وابن ماجة كلهم من طريق معمر وفيه مقال(1)لأهل الحديث بأن المراد بالأربع الأوائل إن تزوجهن مرتباً أو بأن المراد بالإمساك ابتداء النكاح إن جمعهن عقد وإنما كان بعيداً لأن غيلان كان متجدد الإسلام لا يعرف شيئاً من أحكامه فخطاب مثله بغير ظاهر مثل هذا بعيد مع أنه لم ينقل تجديد منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين وتأويل الشافعية حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً (من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) رواه أصحابنا وأحمد والأربعة وصححه ابن حزم وعبد الحق وابن القطان وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم بتخصيص عمومه بالأصول والفروع للقاعدة المقررة وهي أن لا عتق من دون إعتاق وخولفت هذه القاعدة في الأصول لحديث مسلم (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) أي بالشرء من غير حاجة إلى صيغة الإعتاق وفي الفروع لقوله تعالى ?وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ? [الأنبياء26] دل بذلك على أن العبودية منافية للولدية فلا يصح أن يكون الولد عبداً ووجه بعده ظهوره في كل ذي رحم محرم مع الايماء إلى وجه علة العتق
__________
(1) ـ قال البزار : جوده معمر بالبصرة وأنشده باليمن وقال الترمذي قال البخاري هذا الحديث غير محفوظ والمحفوظ ما رواه شعيب عن الزهري قال وحدثت عن محمَّد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم الحديث وأما حديث الزهري عن سالم عن أبيه فإنما هو أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لترجعن نساءك أو لأرجمنك وحكم مسلم على معمر بالوهم فيه وقال ابن عبد البَّر طرقه كلها معلومة تمت منه(1/420)

84 / 108
ع
En
A+
A-