قلنا :لا نسلِّم أن أمر ?بلغ? للفور وما ذكرتم من عدم إفادة الفائدة ضعيف لحصولها وهي تقوية ما علم بالنقل ولو سلم فهو ظاهر في تبليغ لفظ القرآن لا في كل الأحكام وأيضاً (القصد) من التبليغ (المصلحة) ومطابقتها ولعل الفائدة في إنزاله قبل الحاجة كالواجب الموسع فكما يجوز أن تتعلق المصلحة بالتقديم يجوز أن تتعلق بالتأخير لأن العقل يجوز كل واحد منها على سواء ووجوه القبح من العبث والظلم وتكليف ما لا يطاق منتفية عن التأخير ولأنه قد وقع والوقوع فرع الجواز فإنه روي أنه أمر بالنص على ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام في حَجَّة الوداع فقال لجبريل عليه السلام إذا تثلغ قريش رأسي فأخَّرَ ذلك حتى انتهى إلى غدير خم فنزل عليه جبريل بهذه الأية ? يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?[المائدة67] فقام في الحر العظيم مع التعب الشديد فأخذ بضبع أمير المؤمنين عليه السلام فقال : (يا معشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ ) قالوا بلى يا رسول الله ... الخبر(1/411)
(ولا يجوز) ولا يقع من الباري تعالى والرسول (تأخير البيان) للمجمل (ولا التخصيص) للعام ولا التقييد للمطلق (عن وقت الحاجة)(1)إلى ذلك وهو وقت التكليف بالعمل بمقتضى الدليل المجمل والعام والمطلق فلا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالصلاة مثلاً وقد علمنا أنه لم يرد بها المعنى اللغوي من غير أن يبيِّن لنا ما أراد بها مع تضيق وقتها (إجماعاً) بين عامة المسلمين (إذ يلزم) من جواز تأخيره كذلك (التكليف) من الباري تعالى لنا (بما لا يعلم) وهو تكليف ما لا يطاق وذلك قبيح لا يجوز منه تعالى إلا عند من يقول بجواز تكليف ما لا يطاق فإنه عندهم جائز غير واقع ولدناءة مذهبهم لم يعتد به قال في التلويح وما روي من أنه نزل قوله تعالى ?حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ? [البقرة187] ولم ينزل ?من الفجر ? فكان أحدنا إذا أراد الصوم وضع عقالين أبيض وأسود وكان يأكل ويشرب حتى يتبينا فهو محمول على أن هذا الصنع كان في غير الفرض من الصوم ووقت الحاجة إنما هو الصوم الفرض انتهى وقال سراج الدين الحق أن دلالة الحال كانت قائمة في إرادة غير الظاهر وقوله ?من الفجر? نزل بعد ذلك زيادة بيان
__________
(1) ـ قيل : والتعبير بوقت الحاجة يناسب قول من يجعل الشرائع مصالح وهم المعتزلة القائلون بأن بالمؤمنين حاجة إلى التكليف ليستحقوا الثواب بالامتثال ذكره في شرح الجمع عن وافي الاسفراييني ، وأما من يجعلها شكرا وهم اهل البيت والأشاعرة فيقولون عن وقت الفعل تمت منه(1/412)
(فأما تأخير) ذلك (عن وقت الخطاب) إلى وقت الحاجة ، فقيل لا يجوز مطلقاً لأنه يستلزم العبث في المجمل والتلبيس في الظاهر بيانه أن الخطاب بالمجمل من دون بيانٍِِ خطابٌ بما لا يستفاد منه شيءٌ أصلاً وذلك ظاهر في العبثية وأن الخطاب بالعام يستفاد منه شموله فلو أريد به بعض ما تناوله دون البعض الآخر من دون بيان للمراد لكان تلبيساً لاعتقاد المخاطب شموله وهو غير شامل وذلك قبيح لا يجوز
وأجيب بمنع العبثية فإن الأجمال كثيراً ما يقصد لغرض صحيح ولذلك وجه المفسرون (1) تقديم الإجمال في قصة أم كحة(2)
__________
(1) ـ في تفسير القرطبي ج 5 قوله تعالى : ?للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الولدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ?فيه خمس مسائل : الاولى - لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث . ونزلت الآية في أوس ابن ثابت الانصاري ، توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ، ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الحيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة . فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما ، فقالا : يارسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا . فقال عليه السلام : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن ) . فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم ، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم ، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار ، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم ، فعكسوا الحكم ، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم ، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم
(2) ـ في الأم أم كحة ولعل الصواب أم كجة .قال في الإصابة وأما المرأة فلم يختلف في أنها أم كجة بضم الكاف وتشديد الجيم إلا ما حكى أبو موسى عن المستغفري أنه قال فيها أم كحلة بسكون المهملة بعدها لام(1/413)
وتأخير التبيين بأن الفطام عن المألوف شديد والتدرج في الأمور من دأب الحكيم وبمنع التلبيس فإن العلم بجواز تأخير التخصيص إلى وقت العمل يمنع من الإقدام على اعتقاد استغراق العام عند سماعه بل الشك يمنع من ذلك فيكف إذا ظن ورود المخصص من بعدُ لإمارة وهي كثرة التخصيصات كما سبق ؟
وقيل يجوز مطلقاً للوقوع كما سيأتي إن شاء الله تعالى وأشار المصنف إلى أن المختار عنده ما حكاه في المنهاج والجوهرة وشرحها للدواري والهداية عن بعضهم من التفصيل بقوله (فا لمختار جواز ذلك) أي تأخير بيان المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق (في الأمر والنهي) لأنهما إنشاء فلا يحمل سامعهما على اعتقاد جهل فجاز الخطاب بهمها وإن لم يبين وأيضاً فإنه قد وقع والوقوع فرع الجواز كآية الصلاة والركوع فإن أقيموا الصلاة ظاهر في مطلق الدعاء ولم يرد باتفاق ولم يقترن به البيان بل أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بيَّن لجبريل عليه السلام ثم بيَّنه جبريل عليه السلام للنبي ثم بيَّنه النبي لغيره من المكلفين ?وَءَاتُوا الزَّكَاةَ?(1)
__________
(1) ـ هذه المواضع من القرآن التي فيها ذكر ?وآتوا الزكاة?:? وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين ? 43البقرة ?وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُون َ ?(83)البقرة ?وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير?ٌ110البقرة ?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ?77النساء ?فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ?(78)الحج ?وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ? النور (56)?فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ?المجادلة (13)? وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ? المزمل 20(1/414)
[البقرة43] لا يفهم منه مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال الزكاة فبيَّن النبي ذلك شيئاً فشيئاً على التدريج ولأنه نزل قوله تعالى ?وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ?[الأنعام 141] في مَكَّة وقدر الحق مجمل ولم يبين إلا حين بينت الزكاة في المدينة
(و) إذا تقرر ذلك وسمع المكلف دليلاً مجملاً أو عاما أو مطلقاً فإنه يجب (على) ذلك المكلف (السامع) لذلك الدليل (البحث) عن المبين والمخصص والمقيد في مظانه حتى يجده أو يظن عدمه كما سبق وسيأتي إن شاء الله تعالى
(ولا يجوز ذلك) التأخير (في الإخبار) إذ السامع إذا أخبر بعموم اعتقد شموله فيكون إغراء بالجهل فيقبح وإذا أخبر بمجمل يكون عبثاً إذ فائدة الإخبار الإفهام ولا إفهام في المجمل .(1/415)