(و) أنه (لا) إجمال (في العام والمخصوص) بمبين مطلقاً سواءً كان متصلاً أو منفصلاً فيصح الاستدلال به على ما بقي لا بمجمل فيصير مجملاً كما سبق فلا يبقى حُجَّة في الباقي حتى يبين ؛ لأن كل فرد يجوز فيه أن يكون مخرجاً وألا يكون . وما نقله ابن الساعاني عن الحنفية وأبو الحسين القطان عن بعض الشافعية من العمل به في الباقي في غاية البعد لأن إخراج المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً
(و) مختار أئمتنا عليهم السلام والجمهور أيضاً أنه (لا) إجمال (في) الفعل المنفي والمراد نفي صفته (نحو) قوله :(لا صلاة إلا بطهور)(1) ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)(2) ( لا نكاح إلا بولي)(3) ( لا صيام لمن لا يعزم الصيام من الليل)(4)ونحو ما أخرجه المؤيد بالله
__________
(1) ـ أخرجه بلفظ : ( لا يقبل الله صلاة إلا بطهور ولا صدقة من غلول) وكذا (إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) ابن ماجه والنسائي و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و الطبراني في معجميه الكبير والصغير و البيهقي في سننه الكبرى وكذلك عثرنا على ( لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه )أخرجه ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و الطيالسي في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والدارقطني في سننه .
(2) ـ أخرجه ابن راهويه في مسنده و ابن حبان في صحيحه وأبو داود في سننه و البيهقي في سننه الكبرى
(3) ـ أخرجه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه وأبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده
(4) ـ أخرجه بلفظ : ( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) الطبراني في معجمه الكبير وأخرجه النسائي في سننه و ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى(1/406)
أحمد بن الحسين من طريق جعفر بن محمَّد عن أبيه عن علي عليه السلام :(لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنيَّة ولا قول ولا عمل ولا نيَّة إلا بإصابة السنة) (1) وقد روي موقوفاً عن الحسن البصري بلفظ لا يصلح قول إلا بعمل ولا يصلح قول وعمل إلا بنيَّة ولا يصلح قول وعمل ونيَّة إلا بمتابعة السنة . وروي موقوفاً عن سعيد بن جبير .
ثم اختلفوا فاختار الإمام المهدي عليه السلام حمله على نفي أقرب المجازات إلى الحقيقة وهو الصحة وصاحب الفصول حمله على نفي جميع صفاته من الإجزاء والكمال والفضيلة فيكون من المسمى بعموم المقتضى لوجوب حمل اللفظ على كل ما يحتمله إلا لتفاف(2)
__________
(1) ـ أخرجه صاحب الفردوس بمأثور الخطاب ج: 5 ص: 185 لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة
(2) ـ ولذا حكم أصحابنا بأنه لا إجمال فيما يطلق على معنى واحد تارة ، وعلى اثنتين أخرى إطلاقاً على السواء لقولهم بعموم المشترك فيكون ظاهراً في الجميع فإنما يفيد معنيين أكثر فائدة مما يفيد معنى واحداً ، فكان الأفيد أظهر تمت منه(1/407)
(و) لا إجمال فيما قصر فيه الفعل على أمر والمعلوم أنه يوجد من دونه نحو قوله : (الأعمال بالنيَّات) رواه الحاكم في الأربعين له من طريق مالك وأخرجه ابن حبان من وجه آخر في مواضع من صحيحه كما ذكر المصنف بحذف إنما وجمع النيات ورواه البخاري أيضاً بحذف إنما وإفراد النية وأما مع ذكر إنما فلم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة من لم يخرجه سوى مالك فإنه لم يخرجه في الموطأ ومداره على يحيى بن سعيد الأنصاري فيتمسك به عند أئمتنا عليهم السلام لما تقدم بعينه في نحو لا صلاة ... إلخ فيتعلق به من حيث أن الرسول معرف لنا بالأعمال الشرعية فإذا قال (الأعمال بالنيات أو لا عمل إلا بنيَّة ) فمراده : لا عمل شرعي إلا بنيَّة وما لم يكن كذلك فليس بعمل شرعي ولا وجود له من حيث كونه عملا شرعيا وإن كان له وجود من حيث انه عمل واسم العمل لغوي ولذا قلنا : أنه لا إجمال فيما له مسميان لغوي وشرعي مثل : ( نهيه(1) عن صيام يومين : يوم الفطر ويوم النحر )متفق عليه فإن حمل على الشرعي جاز الإمساك بغير نية وإن حمل على اللغوي لم يجز لأن بعثه لتعريف الأحكام الشرعية قرينة المراد
__________
(1) ـ أما التمثيل بقوله : إني إذا لصائم ) فليس بظاهر في ذلك ؛ لأن تقدم السؤال عن الطعام قرينة تدل على أن مراده الشرعي والله أعلم تمت منه(1/408)
(و) لا إجمال فيما نفي به ذاته والمراد لوازمها نحو قوله : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وما استكرهوا عليه) وقد تقدم تخريجه في باب المنطوق والمفهوم وإنما لم يكن مجملاً لسبق المقصود إلى الفهم عُرفاً فإن من استقرأ كلام العرب أيضاً ومارس ألفاظهم واطلع على أعرافهم علم أن مرادهم في مثل ذلك رفع المؤاخذة والعقاب فإن السيد إذا قال لعبده رفعت عنك الخطأ كان المفهوم أني لا أؤاخذك به ولا أعاقبك عليه ولا يتبادر إلى أفهامهم غير ذلك والأصل في كلما يتبارد إلى الفهم أن يكون حقيقة ثابتة إما بالوضع الأصلي أو بعرف الاستعمال ولا إجمال على شيءٍ من التقديرين وأيضاً فإن النبي لم يقصد إلا تعريفنا بما نؤاخذ به ونثاب عليه وبما لا يكون كذلك فإذا قال رفع الخطأ فكأنه قال رفعت المؤاخذة فيشمل الجميع لأن الخطأ بذاته غير مرفوع للعلم بالضرورة بحصوله منا فلم يبق إلا أن المراد أحكام الخطأ فيرتفع عنا جميع أحكامه فيكون من المسمى بعموم المقتضى كما سبق(1)إلا ما دلت الدلالة على أنه يلزمنا من الغرامات مع الخطأ كالإجماع على عدم سقوط كفارة القتل وغرامات الأموال المتلفة ومثل وجوب الكفارة على الحانث نأسياً والقضاء على المفطر ناسياً عند جمهور أئمتنا عليهم السلام لدلالة تخصه .
__________
(1) ـ في ((رفع عن أمتي الخطأ...)) الخبر ، في الباب الثالث والسادس تمت منه.(1/409)
(و) المختار أنه ينبغي تقدم إيقاع(1)الأمر على الوقت المطلوب فيه الفعل من المكلف بوقت يمكن فيه معرفة ما تضمنه لأن المكلف مهما لم يعرف ذلك لا يمكن امتثاله وقد قدر بعض العلماء أقل ما يجب من التقدم أربعة أوقات وقت يسمع فيه الخطاب ووقت ينظر في حكمه ووقت يحصل له فيه العلم أو الظن والوقت الرابع يأخذ في الفعل المطلوب وإلا كان تكليفاً بما لا يعلم وهو قبيح مستحيل قطعاً وإجماعاً
و(يجوز) للرسول (تأخير التبليغ) لما أوحي إليه من الأحكام كله أو بعضه عقلاً إلى وقت الحاجة (إذ) لا يلزم من فرض وقوعه محال ولو صرح به لم يمتنع
وقيل لا يجوز ذلك لقوله تعالى ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?[المائدة67] والأمر للوجوب ويجب أن يكون قوله ?بلغ? للفور وإلا لم يفد فائدة جديدة لأن وجوب التبليغ في الجملة ضروري يقضي به العقل ضرورة فلا فائدة للأمر به إلا الفور .
__________
(1) ـ ذكر معنى ذلك في القسطاس وحاشية الفصول وغيرهما ؛ لكنهم يذكرونه في باب الأمر ، ورأيت أن جعله هنا أنسب كما لا يخفى والله سبحانه أعلم تمت منه(1/410)