وكما يحكى عن ابن جريج أنه سئل عن علي عليه السلام وأبي بكر أيهما أفضل ؟ فقال أقربهما إليه فقيل من هو ؟ فقال من بنته في بيته فأجمل فيهما .
أو وصف كذلك نحو زيد طبيب ماهر لتردد ماهر بين عوده إلى طبيب فتلزم المهارة في الطب وإلى زيد فيكون المعنى أنه طبيب وأنه ماهر(1)
أو لتخصيص بمجهول سواءً كان متصلاً مثل قوله تعالى ?أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ?[المائدة1] أو منفصلاً نحو أن يقول اقتلوا المشركين لا تقتلوا بعضهم
(والمبين)
(مقابله) أي المجمل فهو ما يفهم المراد به تفصيلاً ويقع ابتداءً غير مسبوق بالإجمال كالسماء والأرض (2) ?وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ? (3) [التغابن11] إذا قيلت ابتداءً
وقد يقع مسبوقاً بالإجمال ولذا قال : (والبيان) من بان إذا أظهر أو انفصل يطلق على التبيين كالسلام على التسليم وعلى متعلقه وهو العلم وعلى ما حصل به وهو المراد (هنا) فهو (ما يتبين به المراد بالخطاب المجمل) فخرج من ذلك البيان ابتداءً بلا إشكال
(و) اعلم أنه (يصح البيان) للمجمل بالعقل كالتخصيص ذكره في الفصول و(بكل من الأدلة) والإمارات (السمعية) وهي الكتاب والسنة المقالية والفعل والترك والتقرير والإجماع والقياس
أما الكتاب والسنة المقالية والإجماع فلا خلاف في صحة البيان بها وكذا سائرها كالفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه وذلك لبيان الصلاة والحج به فإنه بينهما به لحديث الصحيحين : (صلوا كما رأيتموني اصلي) ولحديث النسائي (يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فإنِّي لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا)
__________
(1) ـ قالوا : ومنه : جاء غلام زيد الكاتب ، قلت : إن لم تعرب الصفة أو أعربت وأعرب المخاطب عن الإعراب بالقلم رفعاً وجراً وإلا فلا إجمال وذلك ظاهر تمت منه
(2) ـ في المفرد تمت
(3) ـ في المركب تمت(1/401)


وبالجملة فبيان الصلاة والحج بالفعل معلوم بالضرورة من دين الإسلام ولأن مشاهدة الفعل أدل كما جاء في الحديث : ( ليس الخبر كالمعاينة) رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح والطبراني في الأوسط والحاكم في مستدركه عن ابن عباس والطبراني في الأوسط عن أنس والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة رفعوه تمامه في المقنع كان أخي موسى أخبر بعبادة قومه للعجل لما مضى من مناجاة ربِّه فلم يلق الألواح ولا اشتد غضبه كثيراً فلما دنى من المدينة وسمع أصوات قومه في عبادة العجل ورآهم حو له ألقى الألواح من يده فرفع أكثر ما فيها ولم يبق إلا القليل انتهى
بيانه أن الإنسان لو قال لولده اكتب النون كالهلال أول ليلة لم يتبين له بهذا القول مثل ما يتبين له إذا مثله وكتبه والله أعلم .
ويعرف كون الفعل أو الترك أو التقرير بياناً إما بنصه على ذلك أو بأن لا يوجد غيرها مع صحة كونها بياناً
وخالف في جواز التبيين بالفعل شرذمة قالوا لأن زمان الفعل أطول من زمان القول فالبيان به يوجب تأخر البيان مع إمكانه بما هو أفضى إليه وهو القول وذلك غير جائز .
قلنا لا نسلِّم أن زمن الفعل أطول من زمن القول فإن ما في الركعتين من الهيآت لو بين بالقول لاستدعى زماناً أطول مما تصلي فيه الركعتان بكثير ولو سلم فلا نسلم استلزامه التأخير لأن التأخير هو أن لا يشرع فيه عقيب الإمكان لا امتداد الفعل كمن قال لغلامه :ادخل البصرة فسار عشرة أيام حتى دخلها فإنه لا يعد بذلك مؤخراً بل مبادراً ممتثلاً بالفو ولو سلم فلا نسلم أن تأخير البيان مع إمكانه بما هو أفضى إليه غير جائز على الإطلاق إنما ذلك حيث لا غرض في التأخير أما مع وجود غرض في التأخير كسلوك أقوى البيانين كما فيما نحن فيه فلا والله أعلم . [*](1/402)


(و) لا بيان إلا بما هو واضح من المبين في الدلالة إذ لو ساواه فيها لافتقر إلى بيان مثله فيتسلسل لكنه (لا يلزم شهرة البيان) في النقل (كشهرة المبين) فيجوز أن يبين القطعي بالظني إذ لا يمتنع تعلق المصلحة بذلك ولأن الظن كالعلم في جلب المنافع ودفع المضار وأيضاً فقد وقع وهو دليل الجواز وذلك كتخصيص القرآن والخبر المتواتر بالآحادي كما تقدم إذ لا فرق بين التخصيص للعام والبيان للمجمل لأنهما بيان(1)
(و) المختار أنه (يصح التعليق في حسن الشيء بالمدح) عليه كما يتعلق في حسن إخراج الزكاة بقوله تعالى ?وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ?[المعارج 24](إذ هو) أي المدح على ذلك (كالحث) على فعل الشيء
(و) كذا يصح التعلق (في قبحه بالذم) عليه كما يتعلق في قبح حبس الزكاة بقوله تعالى ?وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ?[التوبة34]الآية (إذ هو) أي الذم (آكد من النهي) عنه لأن النهي قد يكون عما هو حسن كالمكروه والذم لا يكون إلا على القبيح
واعلم أن المصنف ذكر هذا المسألة تبعاً للإمام المهدي عليه السلام واعترضه الإمام الحسن عليه السلام بأنها إعادة أن مجيء العام للمدح أو الذم لا يبطل عمومه المتقدم في باب العموم .
قلت : وفيه أن ذكرها في باب العموم لبيان أن المدح والذم لا يخرج العموم عن كونه عاماً مع قطع النظر عن أنه لا يصير مجملاً أيضاً وإن استلزمه وذكرها هنا لبيان أنهما لا يصيرانه مجملا مع قطع النظر عن كونه عاما أولا على أن المراد بما ذكر هنا أعم من أن يكون عاماً أو خاصاً وما ذكر هنالك باعتبار العموم فقط
__________
(1) ـ وروي عن الإمام الحسن عليه السلام أنه قال : وكذا الجلي بالخفي ، وفيه أن ذلك مخالف لاشتراط أو ضحية البيان ، مع أن التفاوت بين الجلي والخفي ليس من جهة شهرة النقل وعدمها تمت منه(1/403)


وأيضاً فإنه رد لما قاله بعض الفقهاء من أنه مجمل [*] فكأنه قال (والمختار أنه لا إجمال) في الوارد للمدح أو الذم ولا (في الجمع المنكر إذ يحمل على الأقل )مما يدل عليه وهو أحد عشر في جمع الكثرة كدراهم وثلاثة في جمع القلة والمشترك كأرغفة ومسلمين إن كان المتكلم به عليما وإلافثلاثة مطلقا ؛ لأن الأصل براءة الذمة عن الزائد وأما حجب الأم بالأخوين مع قوله تعالى ?فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ?[النساء 11]فمجاز قرينته الإجماع الذي ادعاه عثمان في رده على ابن عباس وقد قال له :قال الله تعالى ? فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ?[النساء 11]والأخوان ليسا اخوة في لسان قومك رواه ابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البَّر والحاكم وصححه(1/404)


(و) المختار أيضاً أنه (لا) إجمال (في تحريم الأعيان) ولا تحليلها نحو قوله تعالى ?حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ?[النساء23]?وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ? [المائدة96]? وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ?[النساء24]? الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ?[المائدة5](إذ) كل من التحريم والتحليل (يحمل على) جميع ما يحتمله اللفظ في الأكل والوطء وغيره ، ولذا قال : (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ) إلا لدليل مخصص كالفعل العرفي (المعتاد) للمخاطبين كالوطء في الموطوء والأكل في المأكول واللبس في الملبوس والشرب في المشروب[*]لتبادره حينئذ (1)فهو متضح الدلالة فلا إجمال وأيضاً فإن الصحابة ومن بعدهم استدلوا بها على تحريم الفعل المقصود منها كما وقع منهم حين سمعوا مناديه قد حرم الخمر فلم يشكوا أن المراد تحريم شربها ولذا عمد كل منهم إلى ما عنده فأهراقه وكذا فهموا من قوله : (أحل الذهب والفضه لإناث أُمَّتِي وحرم على ذكورها ) رواه أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي موسى
وقال الكرخي وأبو عبد الله البصري وروي عن أبي حنيفة أنه مجمل لتعذر حمله على ظاهره من إرادة كل أمر يتعلق بها ولزوم التحكم لو حمل على بعض معين منها وامتناع التبيين بالعرف . قلنا التبيين كالتخصيص وقد أجزتموه به
__________
(1) ـ إذ هو من السابق إلى الأذهان فإن من استقرأ كلام العرب ومارس ألفاظهم واطلع على أعرافهم علم أن مرادهم في مثل ذلك إذا أطلقوه إنما هو التحليل والتحريم للفعل المقصود من تلك الأعيان تمت(1/405)

81 / 108
ع
En
A+
A-