( والمطلق ما دل على شائع في جنسه )فما كالجنس ويحترز بدل عن الألفاظ المهملة ومعنى شائع في جنسه أن يكون مدلول ذلك اللفظ حصة محتملة لحصص كثيرة مما يندرج تحت أمر مشترك من غير تعيين فيخرج المعارف كلها لما فيها من التعيين إما شخصياً نحو زيد وأنت وهذا وإما حقيقة نحو الرجل وأسامة وإما حصة نحو ?فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ?[المزمل 16] وإما استغراقاً نحو ?إن الإنسان لفي خسر?[العصر] والرجال وكذا كل عام ولو نكرة نحو كل رجل ولا رجل لأنه بما انظم إليه من كل والنفي صار للاستغراق وهو مناف للشيوع المذكور
[ المقيد]
(والمقيد بخلافه) فهو ما دل على معين كزيد وأنت وهذا والرجل وقد يطلق على ما أخرج من شائع في جنسه بوجه من الوجوه هذا هو المصطلح لاالأول كـ?رقبة مؤمنة?[النساء92] فإنها وإن كانت شائعة بين الرقاب المؤمنات فقد أخرجت من الشياع بوجه ما من حيث كانت شائعة بين المؤمنة وغيرها فأزيل ذلك الشياع وقيد بالمؤمنة فكان مطلقاً باعتبار مقيداً باعتبار آخر وقوله تعالى ?فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ?[المائدة89] مع قراءة ابن مسعود متتابعات
(وهما) بعد أن عرفت معناهما (كالعام والخاص) فيما ذكر فيهما من متفق عليه(1)ومختلف فيه ومختار ومزيف فما جاز تخصيص العام به جاز تقييد المطلق به وما لا فلا . فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة قولاً أو فعلاً أو تركاً أو تقريراً والسنة بالسنة كذلك وبالكتاب وتقييدهما بالقياس وبالمفهومين وبالعقل لا بمذهب الراوي والعادة ونحوهما
وأما كونه متصلاً ومنفصلاً فقد ذكر بعض المحققين أنه كذلك وهو ظاهر المتن
(وإذا وردا) أي المطلق والمقيد في كلام الشارع فهما على أربعة وجوه :لأنهما إما أن يتحد حكمهما أو لا يتحد وعلى التقديرين إما أن يتحد سببهما أو يختلف
__________
(1) ـ بين من يقول بجواز تخصيص العام لا مطلقاً فإن منهم من لا يجيز تخصيصه رأساً تمت منه(1/396)


إن اتحد السبب الموجب للحكم ووردا (في حكم واحد) نحو أن يقول :إن ظاهرت فاعتق رقبه ويقول في موضع آخر فاعتق رقبة مؤمنة حمل المطلق على المقيد و(حكم بالتقييد اتفاقاً) حكاه الإمام المهدي عليه السلام والآمدي سيما إذا وقع المطلق بعد المقيد مع ضمير أو عطف نحو اعتق عبداً مؤمناً اعتق أخاً له ونحو ?وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ? [الأحزاب 35] وفي دعوى الإجماع (1)نظر والأقرب أن الكلام هنا كالكلام في بناء العام على الخاص فيبنى المطلق على المقيد مع المقارنة ومع المفارقة وقتا يتسع للعمل أو جهل التاريخ الخلاف كالخلاف والاحتجاج كالاحتجاج
ويشترط في حمل المطلق على المقيد ألا يكون مقيداً بقيدين متضادين وإلا طلب الترجيح إن أمكن وإلا تساقطا وبقي المطلق على إطلاقه .
__________
(1) ـ أي الإتفاق لأنه ورد في النسخة المطبوعة حكم بالتقييد إجماعا وكذا ما شرح كافل لقمان وقد أثبتناها على نسخة المؤلف تمت(1/397)


وإن اختلفا حكماً نحو اكس تميماً وأطعم تميماً عالماً فإنه (لا) يحمل المطلق على المقيد (في حكمين مختلفين) من جنسين كما مثلنا (اتفاقاً) بين العلماء لعدم المنافاة في الجمع بينهما سواء اختلف سببهما كتقييد صيام القتل بالتتابع وإطلاق إطعام الظهار أو لم يختلف كتقييد صوم الظهار وعتقه بما قبل المسيس وإطلاق إطعامه إلا إذا استلزم حكم المطلق بالاقتضاء أمراً ينافيه حكم المقيد نحو اعتق عني رقبة مع لا تملكني رقبة كافرة فإنه يجب تقييد المطلق بنفي الكفر(1) (إلا) إذا كان هناك علة جامعة فإنه يجب إلحاق المطلق بالمقيد (قياساً) أي لأجل القياس لأنه أحد طرق الشرع المقررة وذلك كقياس التيمم المطلق في قوله تعالى ? فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ?[المائدة 6] على الوضوء المقيد بالمرافق في قوله تعالى ?فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ? [المائدة 6] عند أئمتنا عليهم السلام وجمهور غيرهم كما سبق وأما عند غيرهم فهذا مجرد مثال وإلا فإنه لا يقاس الوضوء على التيمم ولا العكس لاختلافهما تغليظاً وتخفيفاً
__________
(1) ـ لأنه بقوله اعتق عني رقبة كأنه قال ملكني رقبة ثم اعتقها عني و العتق يقتضي الملك إذ لا عتق قبل ملك فلما قال لا تملكني رقبة كافرة علمنا بذلك أن الأمر بالاعتاق المقتضي للملك إنما هو للمؤمنة على أنه يرجع إلى متحد الحكم كما لا يخفى أما إذا لم يستلزم المنافاة نحو اعتق عني رقبة مؤمنة [مع] لا تملكني رقبة كافرة فظاهر في أن المراد بهما واحد لكنهما في المثال الأخير مقيدان وإنما لم يقل تقييده بالإيمان إشارة إلى أن معنى حمل المطلق على المقيد تقييده بذلك القيد بحسب مقتضى الحال إثباتاً أو نفياً والله أعلم تمت منه(1/398)


(و) كذا (لا) يحمل المطلق على المقيد (حيث اختلف السبب واتحد الجنس) والحكم كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار واليمين وتقييدها بالأيمان في كفارة القتل فإن السبب وهو الظهار والقتل واليمين مختلف والجنس وهو العتق متحد والحكم وهو وجوبه كذلك (على المختار) عند المصنف والحنفية مطلقاً سواءً كان بجامع أو غيره لأن إعمال الدليلين واجب ما أمكن فيجب إجراء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده إذ لو حمل المطلق على المقيد للزم إبطال المطلق لأنه يدل على أجزاء المقيد وغير المقيد فيبطل الأمر الثاني من غير ضرورة بحلاف ما إذا اتحدت الحادثة كما في ?فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ?[المائدة89] مع قراءة متتابعات فإنه لو لم يحمل المطلق على المقيد لبطل حكم المقيد لاقتضائه وجوب التتابع واقتضاء المطلق جوازه فوجب جعل المقيد بياناً للمطلق
ومذهب جمهور أصحابنا والمتكلمين والأظهر من مذهب الشافعي وأصحابه أنه يحمل المطلق على المقيد إن اقتضى القياس التقييد بأن يوجد بينهما علة جامعة مقتضية للإلحاق فيكون تقييداً للمطلق بالقياس كتخصيص العام به لأنه إذا تم القياس رجع إلى متحد الحكم والسبب إذ يصير بمنزلة نص مقيد للإطلاق وإلا يقتضيه القياس بألا يوجد بينهما علة جامعة فلا لعدم الدليل على التقييد فوجب البقاء على ظاهر الإطلاق
وقد روي عن الشافعي وأصحابه أنه يجب الحمل مطلقاً لأن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد فيرتب فيه المطلق على المقيد قال الجويني وهذا من فنون الهذيان فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة ، لبعضها حكم التعليق والاختصاص ولبعضهما حكم الانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كلام الله تعالى النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة فقد ادعى أمراً عظيماً وأطال في ذلك والله أعلم .
(الباب السابع )
من أبواب الكتاب في المجمل والمبين والظاهر والمأول)(1/399)


( المجمل )لغة المبهم من قولهم أجمل الأمر أي أبهمه والمجموع من قولهم أجمل الحساب إذا جمعه ومنه المجمل في مقابلة المفصل وأصله من الجمل بمعنى الجمع واصطلاحاً (ما لا يفهم المراد به) متعلق بالمراد أو بيفهم على سبيل التنازع (تفصيلاً) فما كالجنس واختاره على لفظ لكونه أخصر وأفيد لشموله الأفعال فإنه يكون فيها كما يكون في الألفاظ كقيام النبي من الركعة الثانية من غير جلوس للتشهد الأوسط لتردده بين التعمد الدال على ارتفاع شرعية الجلسة الوسطى وبين السهو الذي لا دلالة على ذلك وقوله المراد يخرج المهمل لأنه لم يرد به شيءٌ لا جملة ولا تفصيلاً وفيه دلالة على أن مدلوله مراد في الجملة وقوله تفصيلاً لإخراج المبين على الأكثر من توجه النفي إلى القيد أي ما لا يفهم تفصيل المراد به على نحو لم أضربه إهانة
والإجمال إما لإعلال كالمختار المتردد بين الفاعل والمفعول بسبب قلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ولولا الإعلال لما كان مشتركاً بينهما لوجوب كسر العين في اسم الفاعل وفتحها في اسم المفعول ومنه كقوله تعالى ?وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ?[البقرة282] ?لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ? [البقرة233] لاحتمال الفاعل والمفعول
أو إضمار تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما كقو له فيما رواه الشيخان وغيرهما (لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خُشْبَهُ في جداره)(1)لتردد ضمير جداره بين عوده إلى الجار أو إلى الأحد وتردد الشافعي في المنع لذلك والجديد المنع لحديث خطبة الوداع (لا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) رواه الحاكم . روى خشبة بالإفراد منوناً والأكثر بالجمع مضافاً .
__________
(1) ـ في صحيح مسلم «لاَ يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»,(1/400)

80 / 108
ع
En
A+
A-