بكافر كالمعطوف عليه فيكون على التقدير ولا ذو عهد في عهده بكافر
قالوا ومما يقوي أن المراد عدم قتله بالكافر أن تحريم قتل المعاهد معلوم لا يحتاج إلى بيان وإلا لم يكن للعهد فائدة ثم إن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد هوالحربي لأن الإجماع قائم على قتله بمثله وبالذمي(1)فوجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم أيضاً الأول هو الحربي تسوية ين المعطوف والمعطوف عليه
قلنا المقدر كالملفوظ فإن النبي لو قال : (لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر ) ثم علمنا بدلالة أن الآخر مخصوص بالحربي لم يجب أن يكون الأول كذلك ولا نسلِّم أن في الحديث تقديراً لأن قوله ولا ذو عهد في عهده كلام تام فلا يحتاج إلى إضمار لأن الإضمار خلاف الأصل فلا يصار إليه لغير ضرورة فيكون نهياً عن قتل المعاهد ولا نسلم أن تحريم قتل المعاهد معلوم لا يحتاج إلى بيان لأنه إنما يعلم من جهة الشرع وإلا فإن ظاهر العمومات يتقضي جوازه وفائدة قوله في عهده دفع ما عسى أن يتوهم من أن المعاهد لا يقتل وإن خرج من عهده ولو سلم تقدير الكافر في الثاني فلا نسلم استلزام تخصيصه بالحربي تخصيص الأول به فإن مقتضى العطف مطلق الاشتراك لا الاشتراك من كل الوجوه وبما ذكرنا يظهر أن عبارة المصنف ليس كما ينبغي لأن ظاهرها يقضي بوقوع الإضمار والتقدير لكن لا يخصص به وليس كذلك فإنا لا نسلم أن هناك تقديراً فلا إضمار فلا تخصيص إلا أن يجعل من باب لم تتأمل لتعلم ومثل عبارته في المنهاج
[مجازية مابقي من العام بعد التخصيص ]
__________
(1) ـ في نسخة زيادة : (فيجب أن يضمر في المعطوف قيد حربي قالوا و إذا أضمر وجب) ... إلخ(1/391)


(و) المختار من أربعة عشر قولاً مذكورة في المطولات في العام المخصوص (أن العام بعد تخصيصه لا يصير مجازاً فيما بقي بل) هو باقٍ على ما كان عليه (حقيقة) فيه على أي وجه وقع التخصيص وهو مذهب بعض أئمتنا عليهم السلام والحنابلة وكثير من الحنفية والشافعية والمعتزلة(1)وذلك لأن اللفظ كان متناولاً للباقي حقيقة قبله باتفاق وذلك التناول باقٍ على ما كان لم يتغير وإنما طرأ عدم تناول الغير
ثم إذا كان التخصيص بمجمل صار العام مجملاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى وإن كان بمبيّن فعند الجمهور أنه حُجَّة في الباقي خص بمتصل أولا ؛ لاستدلال الصدر الأول به مع التخصيص وتكرر وشاع ولم ينكر فكان إجماعاً .
من ذلك احتجاج فاطمة بنت رسول الله على أبي بكر في ميراثها بعموم قوله تعالى ?يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ?[النساء 11]الآية مع أنه مخصص بالكافر والقاتل ولم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها مع ظهوره وشهرته بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بما تفرد هو به عن رسول الله :(نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة )(2)
__________
(1) ـ وقيل مجاز مطلقاً وقيل حقيقة إن كان غير منحصر وقيل إن كان المخصص غير مستقل وقيل إن كان شرطاً أو صفة وقيل إن كان شرطاً أو استثناء ، وقيل إن كان استثناء وقيل إن كان لفظا وقيل إن كان بغير مستقل أو بمستقل متراخ وقيل في التناول لا في الاقتصار، وقيل كذلك في المستقل وقيل إن سبق الباقي إلى الذهن عند الإطلاق وقيل إن كان جمعاً وقيل إن كان بمستقل فمجاز وإلا فالحقيقة مجموع العام ومخصصه غير المستقل وتوجيه الجميع وأدلته وجوابها مذكور في المطولات تمت منه
(2) ـ قال في نظام الفصول نحن معاشر الأنبياء لا نورث اتهم مالك بن أوس بن الحدبان بوضعه اتهمه الحافظ الناقد عبد الرحمن بن حراش وغيره إهـ تمت منه لم نجد لفظة معاشر الأنبياء إلا في كنز العمال والمعجم الأوسط ج5ص26 والسنن الكبرى ج4ص64
وتأمل أيها القاري فضائل بنت الرسول المغصوب حقها حسب ما رورد في كتب أهل السنة فقد أخرج النسائي في سننه الكبرى ج 5/ص 97/ح 8371الحارث بن مسكين قراءة عليه عن سفيان عن عمرو بن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة أن النبي قال (إن فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) وأخرجه مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و الطبراني في معجميه ه الكبير والصغيروالنسائي في سننه الكبرى
ثم انظر أيها المنصف صنع أبي بكر في من حكم الرسول بأن غضبها من غضبه ورضاها من رضاه من أرضا فاطمة أرضا الرسول ومن أغضبها أغضبه فقد أخرج البخاري في صحيحه ج 3/ص 1126/ح 2926 حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن بن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه فقال أبو بكر إن رسول الله قال لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر قالت وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال لست تاركا شيئا كان رسول الله يعمل به إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال هما صدقة رسول الله كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر قال فهما على ذلك إلى اليوم .
وأخرجه مسلم في صحيحه والبخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي في سننه و أبو داود في سننه وغيرهم(1/392)


وغير ذلك كثير حتى قال بعض المحققين :إنه لا يكاد يوجد في أدلة الأحكام عموم غير مخصص فإبطال حجية العام المخصوص إبطال لحجية كل عام وأيضاً فإنا نقطع بأنه إذا قيل أكرم بني تميم ثم قيل بكلام منفصل لا تكر م منهم زيداً فترك إكرام سائر بني تميم عد عاصياً. ولولا أنه ظاهر في ما عدا صورة التخصيص وحجة فيه لما عُدَّ عاصيا بالترك
وأيضاً العام قبل التخصيص كان حُجَّة في كل واحد من أفراده إجماعاً والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد معارض والأصل عدمه فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل وعدم الحكم في بعض الأفراد لا يصلح معارضاً لأن عدم الحكم في فرد لا ينافي ثبوته في الآخر
[صحة تخصيص الخبر والإنشاء ]
(و) مختار الأكثر (أنه) أي الشان (يصح تخصيص ) نوعي الكلام من (الخبر) والإنشاء لكثرة وقوعه كقو له تعالى ?اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ? [الزمر62] ونحو ?وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?[الروم50] ?مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ?[الروم42]?وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ?[النمل 23] فإنه تعالى ليس خالقاً لذاته ولا قادراً عليها والريح أتت على الجبال والأرض ولم تجعلها كالرميم ولأنها لم تؤت السماوات وكقوله تعالى ? فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ?(1)[التوبة5] ?وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ? [المائدة 38] ? الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ? [النور2] مع تخصيصها . لعدم قتل أهل الذمة وقطع كل سارق وجلد كل زانٍ والعام المخصوص مطلقا أكثر من أن يحصى
__________
(1) ـ في الأم ?اقتلوا المشركين? وهو خطأ لم يرد في القرآن إلا ?فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ? التوبة 5 ?وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ ? التوبة36(1/393)


ومنعه شذوذ مطلقا أما في الخبر فلأنه كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه فلا يصدق هو وإلا صدق النفي والإثبات معاً وهو محال فقولك جاءني كل من في البلد ـ وقد يختلف بعضهم ـ كذب لصدق ما جاءني كل من في البلد وأما في الإنشاء فللزوم ظهور المصلحة بعد خفائها .
قلنا :صدق النفي إنما هو بقيد العموم لا مطلقاً والإثبات إنما هو بقيد الخصوص فلم يتوارد الإثبات والنفي على شيءٍ واحد فكانا جميعاً صادقين وإنما يلزم البدا لو أريد العموم ابتداءً لكنه لم يرد من أول الأمر وإنما أريد به الباقي بعد التخصيص
[التعارض بين عمومين ]
(ولا يصح تعارض العمومين) قطعي المتن والدلالة (في) حكم (قطعي) اتفاقاً بين العقلاء كما لا يصح تعارض غيرهما فيه فلا وجه لتخصيصهما ولا لذكره هنا فلا يصح لأنهما لو تعارضا لزم حقية مقتضاهما فيلزم وقوع المتنافيين وهو محال ولا يمكن الرجوع إلى الترجيح لأنه فرع التفاوت في احتمال النقيضين وذلك لا يتصور في القطعي .
وأما إذا تعارضا في ظني فيصح ويرجع إلى الترجيح فيعمل بالحاصل فيه أحد وجوهه الآتية إن شاء الله تعالى
(و) إذا ورد دليلان أحدهما أعم من الآخر مطلقاً أو من وجه فإنه (يصح) بينهما أي (بين العام والخاص) كذلك ظاهره ولو في قطعي وهو ممنوع بما سبق وسيأتي في الترجيح
فأما أن يقع المتأخر منهما قبل إمكان العمل بالأول وجب العمل بالخاص اتفاقاً إلا ما يروى عن ابن القاص من وجوب الترجيح بينهما أو الوقف
وأما أن يكون بعد إمكانه فإما ألا يجهل التاريخ (فيعمل بالمتأخر منهما) عند الجمهور لأنه ناسخ للمتقدم ما لم يستلزم نسخ المعلوم بالمظنون كما سيأتي إن شاء الله تعالى سواءً كان المتأخر العام أو الخاص لوجوه :
منها : ما روي عن ابن عباس أنه قال : كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث وهو ظاهر في فعل الجماعة فكان إجماعاً والعام المتأخر أحدث فوجب العمل به(1/394)


ومنها : أنهما لفظان تعارضا وعلم تأخر أحدهما فوجب تسليط المتأخر على السابق
ومنها :أن اللفظ العام يجري في تناوله لآحاد ما دخل تحته مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منه يتناول واحدا من تلك الآحاد فإن قوله اقتلوا المشركين قائم مقام قوله اقتلوا زيداً المشرك وعمراً وبكراً وخالداً ولو قال ذلك بعد أن قال لا تقتلوا زيد كان ناسخاً
(فإن جهل التاريخ) [*]فإن أمكن الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما بأحد وجوهه وجب وإلا تساقطا و(أطرحا) في محل التعارض ورجع فيه إلى حكم الأصل إن لم يوجد ناقل شرعي عند جمهور أصحابنا والحنفية والقاضي عبد الجَبّار والباقلاني . وإنما وجب الإطراح لأنه يحتمل بطلان الخاص لجواز تأخر العام وعدم بطلانه لجواز تقدم العام فيجب الوقف إلى أن يظهر مرجح
(وقال) محمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (الشافعي) وغيره بوجوب بناء العام على الخاص و(يعمل بالخاص فيما تناوله وبالعام فيما عداه تقدم الخاص أم تأخر) بمدة تتسع للعمل أولا (أم جهل التاريخ) (1)
ثم إن تأخر الخاص مدة تتسع للعمل فهو ناسخ للعام فيما تناوله وإن تأخر العام لم يكن ناسخاً للخاص المتقدم بل يكون العام المتأخر مخصصاً بالخاص المتقدم
ولما كان العام والمطلق يشتركان في العموم إلا أن عموم الأول شمولي وعموم الآخر بدلي والمقيد بالنسبة إلى المطلق كالخاص بالنسبة إلى العام وكان تعارض المطلق والمقيد من باب تعارض العام والخاص حسن أن يذكرا في باب العموم والخصوص ويترجم لهما بالفصل فقال
[المطلق ]
( فصل )
__________
(1) ـ وبنى عليه في الفصول وحواشيه إذا كان في الاعتقادات والله أعلم تمت منه(1/395)

79 / 108
ع
En
A+
A-