.وكما في آية اللعان فإنها نزلت في هلال بن أمية وقصته مشهورة (1).وكما في آية الزنى ?الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ? [النور3] الآية فإنها نزلت في عناق وأبي مرثد الغنوي(2)
__________
(1) ـ نص الحديث على ما أخرجه النسائي في سننه ج6/ص173/ح3469.عن أنس بن مالك قال إن أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته فأتى النبي فأخبره بذلك فقال له النبي أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك يردد ذلك عليه مرارا فقال له هلال والله يا رسول الله إن الله عز وجل ليعلم أني صادق ولينزلن الله عز وجل عليك ما يبرىء ظهري من الحد فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان والذين يرمون أزواجهم إلى آخر الآية فدعا هلالا فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم دعيت المرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فلما أن كان في الرابعة أو الخامسة قال رسول الله وقفوها فإنها موجبة فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على اليمين فقال رسول الله انظروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين فهو لشريك بن السحماء فجاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين فقال رسول الله لولا ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأن قال الشيخ والقضيء طويل شعر العينين ليس بمفتوح العين ولا جاحظهما والله سبحانه وتعالى أعلم
(2) ـ نص الحديث على ما أخرجه الحاكم في مستدركه ج 2/ص 180/ح 2701:عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه كان يحمل الأسارى بمكة وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقته قال فجئت إلى النبي فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال فسكت عني فنزلت الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فقرأ علي رسول الله وقال لا تنكحها هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(1/386)


لما استأذن رسول الله في نكاح عناق وكانت خليلة له في الجاهلية رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا أنه نص في السبب لا يجوز تخصيصه ظاهر في غيره فيخصص بدليله فنقل السبب(1)، واشتغال العلماء بضبطه وتدوينه في الكتب لذلك لا لقصر الخطاب عليه وأيضاً فإن عرفان السبب والدِرية به مستروح إليه وله في النفس نوع تمكن
(و) لما فرغ من بيان المخصصات المتصلة والمنفصلة أراد أن يبيِّن ما أدخل في المخصص المنفصل وليس منه فمنها مذهب الصحابي نحو حديث: ( لا يحتكر إلا خاطئ ) رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن المسيب عن معمر بن عبد الله عن النبي ، وكان سعيد يحتكر الزيت فقيل له فقال إن معمراً راوي الحديث كان يحتكر
فقال أئمتنا عليهم السلام والجمهور (إنه لا يخصص العام) من الحديث بمذهب الصحابي مطلقاً ولا (بمذهب راويه) مطلقاً لأن مذهبه ليس بحجة والعموم حجة فلا يجوز تخصيص هذا بذاك وإلا كان تركاً للدليل لغير دليل وأنه غير جائز
__________
(1) وتحرير محل النزاع لا يعرف إلا بالفرق بين عبارات ثلاث وهي التخصيص بالسبب والتخصيص مع السبب والتخصيص للسبب أما الأول فمعناه قصر الحكم على سببه وهو محل النزاع وقد أفادها متن الكتاب وأما الثانية فمعناها تخصيص العموم مع وروده على سبب ولا نزاع فيه وأما الثالثة فمعناها إما إخراج السبب من الحكم ولا نزاع في عدم جوازه وإما الإخراج منه بأن كان عاماً وخص نحو أن يقال هل يتطهر بالماء الذي يلقى فيه القذر ؟ فيقال : خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه فلا شك أن السبب أعني الماء الذي يلقى فيه القذر قد أخرج منه بعضه وهو المتغير ولا نزاع فيه أيضاً والله أعلم تمت منه(1/387)


وقالت الحنفية والحنابلة يجوز التخصيص بمذهب الصحابي مطلقاً وقال في فصول البدائع وصححه لمذهب الحنفية أنه يجوز التخصيص به إن كان العامل بخلاف العام هو الراوي لأن مخالفة الصحابي للعام تستلزم دليلاً وإلا وجب تفسيقه بالمخالفة وهو خلاف الإجماع فيعتبر ذلك الدليل وإن لم يكن معروفاً
والجواب أن استلزام مخالفة الصحابي للعام دليلاً إنما هو في ظنه وما ظنه المجتهد لا يكون دليلاً على مجتهد آخر ما لم يعلمه الآخر بعينه مع وجه دلالته فلا يجوز أن يتبع ذلك المجتهد فيما اعتبره وخصص به لأنه تقليد من مجتهد إلا الوصي عليه السلام فإنه يجب التخصيص بقوله ومذهبه لقيام الدلالة الواضحة على أن الحق معه وإلا ما ليس للاجتهاد فيه مسرح والله أعلم .
(و) منها أنه إذا ورد عام وعادة المخاطبين به بعض ما تناوله نحو : لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل يداً بيد فإن كانت بإطلاق اللفظ على بعض أفراد العام الدال عليها لغةً نحو أن يكون عرفهم إطلاق الطعام على البر مثلاً ثم يأتي النهي عن بيع الطعام بالطعام فلا نزاع في أنه يعمل فيه بالعادة لأنه في الحقيقة من تقديم الحقيقة العرفية على اللغوية وإن كانت باستمرار فعل شيءٍ نحو أن يستمر منهم تناول البُّر دون سائر المطعومات ثم يأتي النهي المذكور فهو عند الجمهور على عمومه فيه وفي غيره
و(لا) يخصص (بالعادة) وهي ما انتفى خلافه أو ندر لعدم حجيتها إذ لا تصلح دليلاً على نقل اللفظ من العموم إلى الخصوص وما لا يصلح دليلاً لا يبطل به الدليل غايته أن تتفاوت دلالة العام في المعتاد وغيره كما تتفاوت دلالة ما ورد على سبب خاص في السبب وغيره
وعند الحنفية يتخصص بالعادة كما يتخصص بالعرف فإن لفظ دابة تختص بذات الأربع مما يركب بعد كونه في اللغة لما يدب وكما يخصص النقد بالنقد الغالب في البلد بعد كونه فيها لكل نقد ، قلنا المخصص إنما هو غلبة الاسم لا غلبة العادة فافترقا(1/388)


(و) منها أنه إذا ورد الخطاب مركباً من شيئين أحدهما معطوف على الآخر هل يجب إذا ظهر في الأول شيءٌ أن يضمر في الثاني إذا لم يظهر أولاً ؟ ثم إذا وجب ذلك وكان المضمر في الثاني مخصصاً بشيءٍ فهل يجب أن يكون المظهر في الأول مخصصاً بذلك الشيء أو لا مثل ما رواه أحمد(1)وأبو داود (2)
__________
(1) ـ الذي في مسند أحمد ج: 1 ص: 962 « أن علياً رضي الله عنه كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال : قد فعلنا كذا وكذا فيقول : صدق الله ورسوله , قال : فقال له الأشتر : إن هذا الذي تقول : قد تفشغ فيه الناس أفشىء عهده إليك رسول الله , قال عليّ رضي الله عنه ما عهد إليّ رسول الله شيئاً خاصة دون الناس إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي , قال : فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة , قال : فإذا فيها : من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل , قال : وإذا فيها : إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة حرام ما بين حريتها وحماها كله لا يختلي خلاها , ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها , ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره , ولا يحمل فيها السلاح لقتال , قال : وإذا فيها : المؤمنون تتكافأ دماؤهم , ويسعى بذمتهم أدناهم , وهم يد على من سواهم , ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده »
(2) ـ والذي في سنن أبو داود ج: 4 ص: 180 عن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ قالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَالأشْتَرُ إلَى عَلِيَ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ الله شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النّاسِ عَامّةً؟ فقالَ: لاَ, إلاّ مَا فِي كِتَابِي هَذَا. قالَ مُسَدّدٌ قالَ: فأَخْرَجَ كِتَاباً, وقالَ أحْمَدُ: كِتَاباً مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فإذَا فِيهِ: المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ. ألاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ, مَنْ أحْدَثَ حَدَثاً فَعَلَى نَفْسِهِ, وَمَنْ أحْدَثَ حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَة الله وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أجْمَعِينَ». قال مُسَدّدٌ عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ: فأَخْرَجَ كِتَاباً(1/389)


والنسائي(1)عن قيس بن عبادة(2)قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا هل عهد إليك نبي الله شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة ؟ فقال لا إلا ما كان في كتابي هذا ، فأخرج إلينا كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه : (المؤمنون تتكافى دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)(3) فذهب أصحابنا والشافعية إلى أنه (لا) يخصص العام (بتقدير ما أضمر في المعطوف مع العام المعطوف عليه) فاستدلوا بقوله : (لا يقتل مؤمن بكافر على أن المسلم لا يقتل بالذمي ) ؛ لأن لفظ الكافر وقع منكراً في سياق النفي ،وقالت الحنفية : يجب المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه فيجب ان يقدر في المعطوف
__________
(1) ـ والذي سنن النسائي (المجتبى) ج: 8 ص: عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إلَى عَلِيّ (رَضِيَ الله عَنْهُ) فَقُلْنَا هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ نَبِيّ الله شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النّاسِ عَامّةً قَالَ: «لا إلاّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا» فَأَخْرَجَ كِتَاباً مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإذَا فِيهِ: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَاُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلاَ لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مِنْ أَحْدَثَ حَدَثاً فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ».
(2) ـ.. في الأم قيس بن عبادة كما في المستدرك على الصحيحين ولعله قيس بن سعد بن عبادة صاحب علي عليه السلام وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وكثير من كتب أهل الحديث قيس بن عباد تمت
(3) ـ ومعنى تتكافأ دماؤهم : تتماثل في القصاص من الكفؤ وهو المثل ، لا فضل لشريف على وضيع ، والذمة : العهد ، والمراد بأدناهم : أحقرهم ، وقيل : العبد والمرأة إذا أعطى أمانا فليس للنافين نقضه تمت منه(1/390)

78 / 108
ع
En
A+
A-