ومن قرائن عوده إلى الأخيرة أن تختلف الجملتان نوعاً وقصة نحو اضرب نبي تميم والفقهاء هم أصحاب أبي حنيفة إلا أهل البلد الفلاني إذ لا شيء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى قصة أخرى ونوع آخر وفي رجوع الاستثناء إليه نقض للقول بأن المتكلم قد استوفى غرضه منه
ومنها أن يتحدا نوعاً ويختلفا اسماً وحكماً نحو اضرب بني تميم وأكرم ربيعة إلا الطوال فإن استقلال كل واحد من الكلامين ومباينته للآخر مفيد للإضراب
ومنها أن يختلفا حكماً فقط (1)فظهر مما ذكرنا أن بل ولكن ولا متعينة لأنه تكون قرينة العود إلى الأخيرة ، وأن أو وأما وأم قرينة العود إلى واحد غير متعين فيصير مجملاً ،وأن الواو والفاء وثم ظاهرة في العود إلى الجميع إلا لقرينة من غيرها . وأما حتى فلا تأتي في عطف الجمل .
ولا يخفى عليك أن حكم الشرط والصفة والغاية حكم الاستثناء فيما ذكرنا وأنه قد سبق أن الاستثناء عند الحنفية لمجرد الإعلام بعدم التعرض لحكم المستثنى فقولهم بعوده إلى الأخيرة لا ينقض ذلك إذ غايته أن الأخيرة مختصة بالإعلام بعدم التعرض لحكمه وأما عدم التعرض فمشترك بينها وبين ما قبلها وبهذا يظهر ضعف القول بأن محل النزاع كون نحو إلا لمطلق الإخراج أو للإخراج من شيء واحد فتأمل
[المخصص المنفصل ]
__________
(1) ـ ( من غير إضمار للاسم والحكمان لا يشتركان في غرض من الأغراض نحو سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال ) مابين القوسين مخدوش في نسخة المؤلف فأثبتناها في الحاشية للتمثيل تمت(1/376)
ولما فرغ من بيان المخصص المتصل أخذ يبيِّن المنفصل فقال : (وأما المنفصل) وهو المستقل بنفسه الذي لا يحتاج في ثبوته إلى ذكر العام معه [*]فلا يرد دخول المتصل حيث لا يكون إلا من لفظ هذه وينقسم إلى حسي وعقلي [أما الحسي ](فهو الكتاب) العزيز (والسنة) النبوية بأقسامها من القول والفعل والترك والتقرير (والإجماع) من الأُمَّة أو العترة عليهم السلام ومعنى تخصصه تعريفه أن ثم مخصصاً معرفاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى (والقياس والعقل ) وهو قوة للنفس بها تدك الكليات وسئل بعضهم عن الفرق بينه وبين المروءة فقال العقل يأمرك بالأنفع والمروءة تأمرك بالأرفع (والمفهوم على القول به) أي بتخصيصه أو بدليليته وهو الصحيح للجمع بين الدليلين لأنه دليل شرعي عرض مثله فلا يعدل إلى إطراح أحدهما مع إمكان العمل بهما ولو كانا مختلفين قوة وضعفاً وسواء فيه مفهوم الموافقة والمخالفة ولا وجه لتخصيصه بهذا القيد أما على الأول فلأن الخلاف فيها أجمع وأما على الثاني فلأن الخلاف في الثلاثة الأخيرة كذلك
(والمختار أنه يصح تخصيص كل من الكتاب والسنة) منطوقاً ومفهوماً موافقة أومخالفة (بمثله) كذلك
أما منطوق الكتاب بمنطوقه فكآيتي عدتي الحامل والمطلقة فإن قوله تعالى ?وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ?[الطلاق 4] مخصص لعموم قوله تعالى ?وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ?البقرة228](1)
__________
(1) وكان مقتضى الظاهر أن يكون مخصصه لقوله تعالى ?والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً? لكن ورد الدليل عن علي عليه السلام فيها عدة الحامل آخر الأجلين والله أعلم تمت منه(1/377)
وأما منطوقه بمنطوقه ومفهومه فكقوله تعالى : ? وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ? [الشورى 40] ? فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ?[البقرة194] فإنه مخصوص بقوله تعالى : ?فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ?[الإسراء23] لأن الظاهر أن التخصيص بالآية لا بغيرها ولقوله تعالى : ? تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ?[النحل 89]
فإن عورض بقوله تعالى ? لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ?[النحل 44] قلنا: الحق أنه المبين بالكتاب والسنة لأن الكل ورد على لسانه فكان هو المُبيِّن تارة بالكتاب وتارة بالسنة فلا معارضة ولا مخالفة
وأمَّا السنة بالسنة سواء كانتاً متواترتين أو آحاديتين أو مختلفتين لأن المراد من المماثلة مطلقها وهو يحصل بكونها سنة وإن اختلفتا تواتراً وآحاداً فللوقوع أيضاً فإن قوله : (فيما سقت السماء العشر ) رواه أبو دواد والسنائي عن ابن عمر مخصوص بقوله : (ليس فيمادون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري وهو في السنة أكثر من أن يحصى ولئلا يبطل الأقوى وهو الخاص بالأضعف وهو العام (1)
(و) كما يجوز تخصيص الكتاب والسنة بمثله يجوز أيضاً التخصيص لهما (بسائرها) أي سائر الأدلة
أما الكتاب بالسنة المعلومة بالتواتر أو بغيره فلا خلاف فيه كما قال ابن السمعاني أن محل الخلاف في خبر الآحاد إذا لم يجمعوا على العمل به أما إذا أجمعوا عليه فيجوز التخصيص به بلا خلاف
__________
(1) ـ وقوله تعالى ?تبياناً لكل شيءٍ? معارض بـ?لتبين للناس ما أنزل إليهم? مع أن الحق أنه المبين بالكتاب والسنة كما سبق على أنه يمكن الجمع بين الآيتين بتخصيص الثانية للأولى وقد يمنع استحالة اجتماع المبينات لأنها معرفات لا مؤثرات تمت منه(1/378)
وأما بالظنية فحكى أبو الخطاب عن بعض الحنابلة ونقله الغزالي في المنخول عن المعتزلة ونقله ابن برهان أنه ممتنع واختيار أئمتنا عليهم السلام والجمهور جوازه مطلقاً لإجماع السلف من الصحابة والتابعين على تخصيص الكتاب بالآحاد فمن ذلك قوله تعالى ?وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ? [النساء 24] يدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها فخص بما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال : (نهى رسول الله أن تنكح المرأة على عمتها و خالتها) وللبخاري مثله عن جابر وقوله تعالى ?وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا?[النساء 89] فإنه مخصوص باستعانته بالمشركين والمنافقين وقوله تعالى ?وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا?[آل عمران 79] خص بقوله في مقيس بن ضُبابة لما قتل قيس بن هلال الفِهري: (لا أؤمنه في حل ولا حرم ) وقتله يوم الفتح (1)
__________
(1) ـ لم نعثر على لفظه بل عثرنا على ما يلي : نص الحديث على أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ج 6/ص 66/ح 5529:-حدثنا معاذ بن المثنى ثنا علي بن المديني ح وحدثنا موسى بن هارون ثنا علي بن حرب الموصلي قالا ثنا زيد بن الحباب حدثني عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي حدثني جدي عن أبيه سعيد وكان يسمى الصرم أن رسول الله قال يوم فتح مكة أربعة لا أومنهم في حل ولا حرم الحويرث بن نفيل ومقيس بن ضبابة وهلال بن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فأما حويرث فقتله علي رضي الله عنه وأما مقيس بن ضبابة فقتله بن عم له لحاء وأما هلال بن خطل فقتله الزبير وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة وقينتين كانتا لمقيس تغنيان بهجاء رسول الله قتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت وأخرجه أبو داود في سننه و الطبراني في معجمه الكبير و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى(1/379)
ومن ذلك آيات المواريث فإنها مخصوصة بما جاء في السنة من موانع الإرث نحو ما رواه النسائي والترمذي وابن ماجة والدا قطني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً : (لا يرث القاتل شيئاً )وفي رواية (ليس لقاتل ميراث ) ومن ذلك ( لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر )رواه البخاري ومسلم
واعترض بأنهم إن كانوا أجمعوا فالمخصص هو الإجماع لا خبر الواحد وإن لم يجمعوا فلا دليل إذ الدليل إنما كان الإجماع والفرض عدمه .
وأجيب بأن إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقاً ليكون المخصص هو الإجماع بل كان على تخصيص الآيات بالأخبار والإجماع دليل عليه
وأما تخصيصه بالإجماع فكإجماعهم على أن القريب إذا كان مملوكاً لا يرث فإنه مخصص لعموم آية المواريث وقوله تعالى ?وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ?[البقرة233] فإنه خص منه المعسر والزوجة والمعتق بالإجماع على عدم الوجوب
وأما بالقياس فجائز أيضاً سواء كان جلياً كقياس العبد على الأَمَة في تصنيف الجلد على تقدير عدم الإجماع على ذلك فإنه مخصص لعموم آية الزنا أو خفياً مثل أن يعم قوله تعالى ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ? [التوبة103]المديون وغيره ثم يخصص المديون بالقياس على الفقير .
وأما تخصيصه بالعقل ضرورة فكقوله تعالى ?اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ?[الزمر 62] فعموم لفظه متناول لكل شيءٍ فيتناول أفعال العباد وذاته الأقدس لكونه شيئاً لا كالأشياء مع أنه تعالى ليس خالقاً له لقضاء ضرورة العقل باستحالة كون القديم سبحانه خالقاً لفعل غيره أو مخلوقاً وهذا بناء على ما هو الصحيح من أن المتكلم يدخل في عموم خطابه وعلى أن الشيء يطلق على الله سبحانه لقوله تعالى ?قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قل الله?[الأنعام 19] و?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ?[القصص 88](1/380)