قلنا معنى تنحية المبدل منه أنه غير مقصود باعتبار الاستقلال بمقتضى العامل لا الإهدار والإطراح بالكلية وهل يمكن أن يقال أن شركا في قوله تعالى ?وَجَعَلُوا لِلَّهِ شِرْكاً الْجِنَّ ?[الأنعام(100)] والألف من قولهم بالألف الدينار مطرحان !؟ والله أعلم .
(والمختار) أن دخول المستثنى في المستثنى منه ثم إخراجه بإلا وأخواتها إنما كان قبل إسناد الفعل أو شبهه إليه فلا يلزم التناقض في نحو جاءني القوم إلا زيداً لأنه بمنزلة قولك القوم المخرج منهم زيد جاؤني وذلك لأن المنسوب إليه الفعل وإن تأخر عنه لفظاً لكن لا بد له من التقديم وجوداً على النسبة التي يدل عليها الفعل إذ المنسوب إليه والمنسوب سابقان على النسبة بينهما ضرورة ففي الاستثناء لما كان المنسوب إليه هو المستثنى منه مع إلا والمستثنى ولا بد من وجود هذه الثلاثة قبل النسبة وحينئذٍ فلا بد من حصول الدخول والإخراج قبل النسبة فلا تناقض(1/366)
(وأنه) أي الشأن (لا يصح تراخي الاستثناء) بل شرطه الاتصال بالمستثنى منه كما أنه يشترط اتصال سائر المخصصات المتصلة فلا وجه لتخصيصه [*]لما ذكر (إلا) أن يتراخى (قدر تنفس أو بلع ريق) أو سعال أو نحو ذلك مما لا يعد مانعاً من الاتصال الحقيقي عرفاً عند أهل البيت عليهم السلام والأكثر وذلك لأنه لو صح الانفصال ولم يشترط الاتصال لم يستقر عقد من العقود كالبيع والنكاح ولا شيء من الإيقاعات كالعتق والطلاق والتالي باطل أما الملازمة فللقطع بأن تجويز الاستثناء يقضي بعد الجزم بثبوتها واستقرارها وأما بطلان اللازم فلما فيه من التلعب وإبطال التصرفات الشرعية ولأن المعلوم من أهل اللغة العربية أنهم يشترطون الاتصال ولا يسوغون الانفصال وأنهم يعدون قول من قال علي عشرة وقال بعد شهر إلا ثلاثة لغواً ، وعن ابن عباس أنه يجوز تراخيه إلى شهر ومنهم من نقل عنه إلى سنة والأشهر من النقل الإطلاق من غير تقييد محتجاً بأنه لو لم يصح لما صدر عن النبي والتالي باطل فالمقدم مثله
أمَّا الشرطية فلأنه روي أنه قال : (والله لأغزون قريشاً .ثم سكت . ثم قال إن شاء الله تعالى )رواه أبو داود
وروي أن أهل مَكَّة بعثوا رهطاً منهم إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله فقالوا سلوه عن ثلاث فإن عرفها فهو نبي سلوه عن أقوام ذهبوا في الأرض ما يدري ما صنعوا وسلوه عن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها وسلوه عن الروح فلما رجعوا سألوا النبي عن ذلك فقال غداً أجيبكم .وتأخر الوحي بضعة عشر يوماً ثم نزل ?وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلا أن يشاء الله? [الكهف23/24] . فقال إن شاء الله رواه ابن إسحاق في السيرة وأبو بكر البيهقي في دلائل النبوة(1/367)
قلنا لا نسلِّم صدروه من النبي ، وسكوته في الرواية الأولى يحتمل أن يكون من السكوت الذي لا يخل بالاتصال الحكمي كما سبق ويحتمل أن يكون غيره وحينئذٍ يصار إلى الترجيح والراجح هو الأول لما تقدم من الدليل جمعاً بين الأدلة
وأما الرواية الثانية فلا نسلِّم أنه قال ذلك بطرق الإلحاق لخبره الأول ؛ لجواز أن يكون المراد أقول إن شاء الله عند قول أفعل كذا وهذا كما إذا قال قائل لغيره :افعل كذا فقال : إن شاء الله تعالى أي أفعله إن شاء الله تعالى ، وأيضاً لو صح انفصاله لما قال : (من حلف على شيءٍ ثم رأى غيره خيراً منه فليعمل وليكفر عن يمينه ) معيناً (1) بل كان يقول أو ليستثن فيوجب أحدهما لا بعينه لأنه حنث بالاستثناء مع كونه أسهل فكان ذكره أولى وإذا لم يكن معيناً فلا أقل مما يخير بينهما لعدم وجوب شيء منهما معيناً وكذلك جميع العقود والإيقاعات كان ينبغي أن يستثني منها نفياً لأحكامها بأسهل الطرق لنحو ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ? [البقرة185] (بعثت بالشريعة السمحة ) (2)والإجماع بخلافه
__________
(1) ـ لم أعثر على لفظة (شيء) فيما لدي من مصادر أهل السنة وإنما وجدت ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه )أخرجه الطيالسي في مسنده وأخرجه مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الحاكم في مستدركه
(2) ـ أخرج نحوه الطبراني في معجمه الكبير ج 8/ص 170/ح 7715 بلفظ ( إنما بعثت بالحنيفية السمحة ولم أبعث بالرهبانية البدعة ألا وإن أقواما إبتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق رعايتها ألا فكلوا اللحم وائتوا النساء وصوموا وأفطروا وصلوا وناموا فإني بذلك أمرت) وأخرجه ابن حنبل في مسنده ج6/ص106/ح24797.(1/368)
روي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة لا يقول بمقالة ابن عباس في الاستثناء وجواز تراخيه فأمر بإحضاره وأنكر عليه خلافه فقال أبو حنيفة : إن هذا يعود عليك ضعف الرأي فيه لأنك تأخذ البيعة من الناس على الطاعة فإن صح جواز تأخر الاستثناء فلهم أن يستثنوا بعد بعيتك والخروج من عندك متى شاءوا فوقع في نفس المنصور كلامه ولم يعترضه بعد ذلك في رأيه
(و) اعلم أنه لا خلاف في امتناع الاستثناء المستغرق وأنه باطل سواء كان مثل المستثنى منه أو أكثر إلا ما روى السبكي في شرح الجمع عن أبي طلحة فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً أنه لا يقع عليها الطلاق والجواب عنه أنه يكون [*] نقضاً وبدا ، ولا خلاف أيضاً في جواز استثناء الأقل أي دون النصف ويبقى أكثر من النصف(1/369)
واختلف في استثناء الأكثر حتى يبقى أقل من النصف وفي استثناء المساوي حتى يبقى نصف المستثنى منه فاختار أئمتنا عليهم السلام والجمهور (أنه يصح استثناء) المساوي حتى يبقى نصف المستثنى منه واستثناء (الأكثر) حتى يبقى أقل من النصف لوقوع ذلك وأنه دليل الجواز وذلك في قوله تعالى ? إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ?[الحجر(42)] وهم أكثر من غيرهم بدليل ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين ? [يوسفَ(103)] (1) ?وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ? [الأعراف17] ?وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? [الأنعامَ116] وفي قوله تعالى :? وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ? [الأنعام146]
يريد ما كان على الظهر والجُنُوب وشحم الإلية وما اشتملت عليه الحوايا من الشحم وهي المباعر من الأمعاء فهذه مستثناة من الشحوم وهي أكثر الشحوم كما ترى
وفي قو له ـ فيما رواه عن ربِّ العِزَّة واسع العطاء تبارك وتعالى رواه مسلم وغيره عن أبي ذر رحمه الله تعالى ـ : ( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ) [*]
__________
(1) ـ إذ معناه الحكم على أكثر الناس بعدم الإيمان على أنها موجبة معدولة المحمول أو سالبة المحمول إذ لو أريد سلب الحكم بإيمان الأكثر بحيث يحتمل التساوي لم يكن لذكر الأكثر فائدة ذكره سعد الدِّين تمت منه.(1/370)