قلنا إن أردتم بقولكم لما شاركن الرجال لما شاركنهم في الأحكام بذلك الخطاب فالملازمة مسلمة ولكن لا نسلِّم بطلان التالي لأن المتفق عليه بطلان القول بعدم مشاركتهم [على الإطلاق](1)لا القول بعدم مشاركتهم بذلك الخطاب فإنه محل النزاع وإن أردتم به لماشاركنهم في الأحكام على الإطلاق فالملازمة ممنوعة لجواز أن تكون المشاركة (بنقل الشرع) أي بدليل خارج عن ذلك الخطاب من نص أو إجماع أو قياس (أو بالتغليب) من أهل اللسان العربي للمذكر على المؤنث وإطلاق ما هو للمذكرين على جمع فيه ذكور وإناث صحيح ولكنه مجاز ولا يلزم أن يكون ظاهراً
فإن قيل الأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل .
قلنا لا إشكال ولا نزاع في أن نحو ?ادخلوا?(2)و?اهبطوا?(3) للرجال وحدهم حقيقة فلو كان لهم وللنساء حقيقة لزم الاشتراك والمجاز أولى منه كما سبق
(و) المختار عند أكثر الأصوليين (أن ذكر حكم لجملة لا يخصصه) أي ذلك الحكم (ذكره) مرة أخرى (لبعضها) فتحمل الجملة على عمومها ولا يخصص بذكر حكم ذلك البعض بشرط ألا يكون للخاص مفهوم مخالفة يقتضي نفي الحكم عن غيره من أفراد العام كما إذا قيل في الغنم زكاة في الغنم السائمة زكاة وإنما ترك التقييد بهذا الشرط اعتماداً على ما سبق
ومن أمثلته الظاهرة [*]حديث (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) وفي حديث آخر (البُّر بالبُّر ) وإنما لم يخصص به لأنه كأن الخاص ورد فيه دليلان دليل يشمله وغيره ودليل يخصه
__________
(1) ـ على الإطلق عير ثابتة في الأم وقد أثبتناها كما في شر ح الغاية تمت
(2) ـ تكرت في القرآن وإليك حصرها: البقرة(58/ 208) النساء(154) المائدة(21) الأعراف38الأعراف49يوسف99النحل(32)النمل(18)الزمر(72) غافر(76) الزخرف(70)
(3) ـ البقرة 26/38/61 الأعراف24(1/361)
(وكذا) أي مثل ما سبق في عدم التخصيص به تعقيب العام بما لا يصلح إلا لبعضه إما (عود الضمير إلى بعض أفراده )أي العام[*] أو استثناء كقوله تعالى ?لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ? [البقرة(236)] إلى قوله ?إلا أن يعفون? فإن لفظ النساء يشمل المجنونة(1)، والعفو يختص المالكات لأمرهن فالآية مثال للإضمار والاستثناء أو غير ذلك كالمتعة المختصة بغير الممسوسة والمفروض لها في قوله تعالى ?وَمَتِّعُوهُنَّ ? [البقرة(236)] مع قوله ?وَلِلْمُطَلَّقَاتِ? [البقرة(241)] الآية وعطف العام على الخاص وعكسه (إذ لا تنافي) ولا تعارض (بين ذلك) المذكور (في) هاتين (الصورتين) المذكورتين أي ذكر حكم لجملة مع ذكره لبعضها بذلك الشرط وبين العام وتعقيبه بما لا يصلح إلا لبعضه والموجب للتخصيص هو التنافي أو ما يجري مجراه لأنهما إذا تعارضا تعذر العمل بهما من كل وجه فيصار إلى التخصيص والعمل بهما من وجه ومثال التنافي اقتلوا المشركين لا تقتلوا أهل الذمة ومثال ما يجري مجراه اقتلوا المشركين أكرموا أهل الذمة وإذا لم يتعارضا وجب العمل بهما من كل وجه من غير تخصيص عملاً بالمقتضى السالم من المعارض كما نحن فيه فإنه لا تنافي ولا ما يجري مجراره [*] نعم أما التمثيل بذلك بنحو قوله عز قائلا ?[يَاأَيُّهَا النَّبِيّ]ُ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء? [الطلاق(1)] الآية مع ? لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا?[الطلاق(1)] وقوله تعالى ? وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ? [البقرة(228)] مع قوله ? وَبُعُولَتُهُنَّ ?[البقرة 228] فلا
__________
(1) ـ في كتب الأصول يشمل الصغيرة والمجنونة ، وفيه أن النساء جمع المرأة كما نص عليه الرضي في باب المجموع ، وقد نقلته عنه في الباب الثالث ، والمرأة عبارة عمن جاوز حد البلوغ من إناث بني آدم فلا يشمل الصغيرة إلا تغليبا فكان تناولها بالشرع والله أعلم تمت منه(1/362)
يصلح ؛ لأنه روي عن سنن أبي داود وجامع البيان والسيد محمد بن إبراهيم الوزير أن الطلاق كان كله في صدر الإسلام رجعيا والله أعلم قلت والمناسب لذكر هاتين المسئلتين إنما هو عقيب ذكر المخصص مع ما لا يصح التخصيص به من مذهب الراوي ونحوه
[الخصوص]
(و) لما فرغ من بيان العموم وألفاظه وما لا يخرج به عن كونه عاماً أخذ يبيِّن طرق التخصيص فقال (المخصص) بكسر الصاد حقيقة هو إرادة المتكلم لأنه لما جاز أن يريد بالخطاب خاصاً وعاماً لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة ويطلق أيضاً على الدَّال عليها مجازاً سواء كان ذلك الدال عليها لفظياً أو عقلياً تسمية للدال باسم المدلول إلا أنه مجاز قد أخرجته الشهرة إلى حيز الحقيقة
وطرقه التي يعرف بها قسمان: لأنه إمَّا (متصل) لا يستقل بنفسه (و) إمَّا (منفصل) يستقل
(فالمتصل) كان القياس ذكر أما هنا أو حذفها من المنفصل وهو قسمان ؛ لأنه إما أن يخرج المذكور ومنه (الاستثناء) المتصل وهو المخرج من متعدد بنحو إلا لا المنقطع فلا يخصص به إذ ليس للإخراج وهو مأخوذ من الثني يقال ثنا عنان الفرس إذا رده من جريه ونحو أكرم الناس إلا الجهال أخرج الجهال وهو مذكور في الكلام(1/363)
وإما أن يخرج غير المذكور (و) هو (الشرط) اللغوي وهو تعليق أمر على أمر بإن أو إحدى أخواتها كما سبق وقد يتحد كل واحد من الشرط والجزاء ويتعدد جمعاً وبدلاً فهذه تسعة أقسام نحو إن دخل زيد الدار أو الدار والسوق أو الدار أو السوق فاعطه درهماً ، أو ديناراً و درهما ، أو ديناراً أو درهما والحكم في ذلك ظاهر فإنه رتب جزآه على شرطين على الجمع لم يحصل إلا عند حصولهما وإن كان على البدل حصل عند أحدهما وإن رتب جزآن على شرط حصلا عند حصوله إن كان على الجمع وإلا حصل أحدهما عنده فعلى هذا إذا قال لزوجتيه إن دخلتما الدار فأنتما طالقان فدخلت إحداهما لا تطلق واحدة منهما وهو مذهب أصحابنا والحنفية لأن مدخول كلمة الشرط بجميع أجزائه شرط واحد وكل من أجزاء الجزاء الصالح للجزائية جزاء واحد ، وقيل أن الداخلة تطلق إذ المراد عرفا طلاق كل واحدة بدخولهما والعرف متبع(1)ولكنه غير مسلم وقيل أنهما يطلقان لأن الشرط دخولهما بدلاً ، واللفظ(2)لا دلالة فيه على البدلية
(والصفة) والمراد منها هنا ما تقدم في المفهوم(3)نحو ? لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ?[المائدة 95]أو في الحرم أو غير الضار فالتقييد بها يقتضي تعليق الحكم بما اختص بها دون غيره فكانت الصفة مخرجة لبعض ما كان داخلاً تحت العام وهي والشرط يخرجان غير المذكور
__________
(1) ـ هذا رد على قوله وقيل إن الداخلة إلخ تمت
(2) ـ هذا رد منه على وقيل إنهما يطلقان تمت
(3) ـ الذي تقدم قوله : ما يشعر بمعنى في الموصوف مما ليس بشرط ولا استثناء ولا عدد ولا غاية فيدخل فيها النعت والحال والظرف مفردا كانت أوغيره تمت(1/364)
( والغاية) طرف الشيء ومنتهاه وصيغتها إلى وحتى وهي كالاستثناء في أنها تخرج المذكور فكان الصواب أن يذكرها المصنف عقيبه حتى يتصل المخرج للمذكور بمماثله والمخرج لغيره بمماثله كما لا يخفى فلا بد وان يكون ما بعد صيغتها مخالفاً لما قبلها وإلا كانت الغاية وسطاً وخرجت عن كونها غاية وذلك كقوله تعالى : ? ثم أتموا الصيام إلى الليل?[البقرة 187]و ?حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ? [التوبة (29) ] فإن الليل غير محصل للصوم ومعطي الجزية خارج عن الأمر بقتله(1)
وقد يتحد كل من الغاية والمغيا المقيد بها وقد يتعدد كل منهما إما جمعاً وإما بدلاً فهذه تسعة أقسام: لأن المغيا إما أن يكون متحداً نحو اقتلوا أهل الكتاب أو متعدداً على جهة الجمع نحو اقتلوا اليهود والنصارى أو متعدداً على جهة البدل نحو اقتلوا اليهود أو النصارى فهذه ثلاثة أقسام يجيء مثلها في الغاية نحو ?حتى يعطوا الجزية عن يد? حتى يذلوا ويعطوا الجزية حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فإذا جعل كل واحد من أقسام الغاية مع كل واحد من أقسام المغيا حصلت من ذلك تسعة أقسام كالشرط ، والحكم في ذلك واضح فإن مقتضى ما مثلناه وجوب استمرار القتل للطائفة أو للطائفتين أو لإحداهما إلى أن تحصل الغاية أو الغايتان أو إحداهما
(و) من أنواع المخصص المتصل (بدل البعض) ذكره تبعاً لجماعة من العلماء منهم ابن الحاجب وأنكره آخرون بناءً على أن المبدل منه في حكم التنحية فلا يتحقق فيه معنى الإخراج ، والتخصيص لا بد فيه من الإخراج
__________
(1) ـ ووجوب غسل المرافق والكعبين في الآية لدليل خالف الظاهر وهو فعل النبي أو لأن إلى فيها بمعنى مع كما قيل في ?ولا تأكلوا اموالهم إلى أموالكم? وفعله قرينة ذلك أو لأنه لا يتم الواجب إلا به فيجب تبعاً لا أصالة كغسل جزء من الرأس استتماماً لغسل الوجه والله أعلم تمت منه(1/365)